يتناول هذا الكتاب «التنمية المستدامة وثروات الشعوب» لمؤلفه د. إسماعيل سراج الدين رئيس مكتبة الاسكندرية ونائب رئيس البنك الدولي سابقا، قضايا التنمية المستدامة والتي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند وضع أي خطة من خطط التنمية في مجتمعاتنا.

وهناك الكثير من التعريفات للتنمية المستدامة، وأن كان المؤلف يرى أن التعريف المتفق عليه هو أن «التنمية المستدامة هي التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر دون التقليل من قدرة أجيال المستقبل على الوفاء باحتياجاتها، وعلى الرغم أن هذا التعريف يبدو جذابا من الوجهة الفلسفية، غير أنه يثير تساؤلات صعبة من حيث تطبيقه عمليا،

فإذا كان معنى كلمة احتياجات واضحاً بالنسبة للفقراء والمهددين بالموت جوعا، فماذا تعني الكلمة نفسها بالنسبة للأسر التي تمتلك العديد من السيارات الخاصة والكثير من الأجهزة الكهربائية والعقارات المتنوعة وغيرها وهي الأسر التي يستهلك أفرادها ما يزيد على 80% من دخل العالم كل عام؟ وتنقسم الاستدامة

ـ كما يشير المؤلفـ إلى مستويات عدة هي ضعيف ومقبول وقوي وتتفاوت هذه المستويات تبعا لدرجة الدقة المتبعة عند تطبيق مفهوم صيانة رأس المال أو الحفاظ عليه من النقصان. وتعني الاستدامة الضعيفة المحافظة على مجمل رأس المال على حالة بغض النظر عن تركيبته «طبيعيا أو مصنوعا أو اجتماعيا أو بشريا» ويعني هذا أن أنواع رأس المال المختلفة تعد بدائل لبعضها على الأقل في حدود المستويات الحالية من النشاط الاقتصادي والثروات الطبيعية.أما الاستدامة المقبولة فهي تتطلب المحافظة على المستوى الكلي لرأس المال على حالة بالإضافة إلى الاهتمام بتركيبة رأس المال هذا من حيث أنواعه الطبيعي والمصنوع والبشري والاجتماعي .

لذلك وعلى سبيل المثال يمكن استناد البترول طالما أن الإيرادات الناجمة عن ذلك تستثمر في نوع أخر من رأس المال وليكن رأس المال البشري وهو ما يتطلب من وجهة نظر المؤلف ـ مجهودا لتحديد المستويات الحرجة لكل نوع من أنواع رأس المال التي يمكن عند تجاوزها أن تثير القلق بشأن الاستدامة ويجب متابعة هذه المستويات الحرجة لضمان أن أنماط التنمية المعنية لا تشجع استنفاد أحد أنواع رأس المال.

في حين تتطلب الاستدامة القوية المحافظة على كل نوع من أنواع رأس المال على حده وهكذا فإن إيرادات رأس المال الطبيعي الناجمة عن استنفاد البترول ينبغي أن تستثمر في إنتاج الطاقة المستدامة بدلا من استثمارها في أي أصول أخرى. ويفترض هذا المستوى في الاستدامة أن رأس المال الطبيعي ورأس المال المصنوع ليس أحدهما بديلا عن الآخر في معظم الوظائف الإنتاجية، بل هما مكملان لبعضهما البعض، إذ أن «منشار» الأخشاب رأسمال مصنوع عديم القيمة بدون الغابة التي تنتج الأخشاب والتي تعد رأس المال الطبيعي المكمل له.

ويوضح المؤلف أنه بالمنطق نفسه يمكن القول أنه إذا كان من المزمع إجراء تخفيض في الاستثمارات في أحد عناصر التعليم على سبيل المثال، فإنه يجب أن يقابله زيادة في الاستثمارات في عناصر التعليم الأخرى وليس في تشييد الطرق والكباري. أما الذين ينادون بألا تؤدي الاستدامة القوية إلى استنفاد أي شيء فإنهم يدفعون الفكرة إلى مستوى يخالف للمنطق.

وحول رأس المال الاجتماعي وعلاقته بالاستدامة يشير المؤلف إلى أنه إذا كان مفهوم رأس المال البشري قد أصبح مقبولا الآن، فإن مفهوم رأس المال الاجتماعي لم ينل بعد مثل هذا القبول، رغم أنه ضرورة لخلق نظام اجتماعي سليم في ظل وجود هوية ثقافية مشتركة وشعور بالانتماء، بالإضافة إلى وجود مجموعة من القواعد السلوكية المشتركة. ويرى المؤلف أن غياب رأس المال الاجتماعي ينذر بانهيار وشيك في المجتمع وهو ما يهدد النمو الاقتصادي أو الاستدامة البيئية أو حتى الإنسانية ولعل ما حدث في الصومال ورواندا خير أمثله على ذلك.

ومن وجهة نظر أخرى فإن رأس المال الاجتماعي قد أسهم إيجابيا في الأداء الاقتصادي لعدد من الدول الأخرى وقد يظهر رأس المال الاجتماعي في أقاليم ومدن معينة داخل الدولة نفسها، بل وأحيانا في مجتمعات معينة داخل هذه الأقاليم والمدن، وهناك أمثله عديدة تؤكد ذلك منها ما حدث في شرق آسيا حيث لم تنجح العوامل التقليدية مثل الاستثمارات في رأس المال المادي والبشري والتكنولوجيا في تقديم تفسير كامل لمعدلات النمو الاقتصادي الخرافية التي تتمتع بها دول شرق آسيا،

فقد قامت هذه الدول بتنمية رأس المال الاجتماعي وذلك من خلال وضع سياسات تهدف إلى خلق بيئة مواتية للنمو وتتميز هذه البيئة بوجود تنظيمات مؤسسية تقوم بدورها في رفع الكفاءة وتسهيل عملية تبادل المعلومات بالإضافة إلى دعم التعاون بين الحكومة وقطاع الصناعة أيضا هناك نموذج شمال إيطاليا حيث أن هذا النجاح الاقتصادي الذي يتمتع به هذا الجزء من إيطاليا يرجع لوجود عدد كبير من الاتحادات الطوعية فيه حيث تؤدي هذه الاتحادات إلى خلق رأس المال الاجتماعي الذي يفتقر إليه الإقليم الجنوبي.

وهنا أيضا مثال الهند فبعد أن هدأت المواجهات العنيفة المستمرة في ولاية كوجارات حول إدارة الغابات ازدادت إنتاجية الأراضي كما ارتفعت دخول سكان القرية وقد تولد رأس المال الاجتماعي في هذه الحالة نتيجة للجهود المشتركة بين الحكومات والمجتمعات المحلية والأمثلة السابقة توضح أن هناك أكثر من تعريف لرأس المال الاجتماعي.

ففي مجال العلوم السياسية وعلم الأجناس يشير المفهوم بصورة عامة إلى مجموعة القواعد والشبكات بالإضافة إلى المنظمات التي يمكن للأفراد من خلالها الحصول على السلطة والموارد اللازمين لتفعيل عملية اتخاذ القرارات ووضع السياسات أما الاقتصاديون فيضيفون إلى هذا التعريف الدور الذي يلعبه رأس المال الاجتماعي في تفسير النمو الاقتصادي،

فعلى مستوى الاقتصاد الجزئي يتناول الاقتصاديون دور رأس المال الاجتماعي في تحسين كيفية عمل آليات السوق. أما على مستوى الاقتصاد الكلي فيتناول الاقتصاديون الدور الذي تلعبه المؤسسات والأطر القانونية بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه الحكومة في تنظيم العملية الإنتاجية لتفسير أداء الاقتصاد الكلي.

وقد أورد المؤلف التعريف الأكثر تحديدا لمفهوم رأس المال الاجتماعي وهو يرى أنه «الاتحادات الأفقية القائمة بين الأفراد الذين يؤثرون بدورهم على إنتاجية المجتمع، وتشمل الاتحادات «شبكات العمل المدني»، والقواعد الاجتماعية ويقوم هذا التعريف على افتراضين أولهما أن الشبكات والقواعد مرتبطان عمليا، أما الثاني فهو أن الشبكات والقواعد لهما عواقب اقتصادية مهمة.

الكتاب : التنمية المستدامة وثروات الشعوب

تأليف : د. إسماعيل سراج الدين

الناشر : دار المعارف ـ القاهرة 2005

الصفحات : 103 صفحات من القطع الصغير