مؤلف هذا الكتاب هو علي حرب، أحد الكتاب والباحثين الذين تتميز كتاباتهم بطابع إشكالي سجالي، عبر طرح غير تقليدي للقضايا والأسئلة التي تنفتح على الاختلاف والتعدد والغيرية بأوسع المعاني. ويلاحظ المتابع للأعمال التي أصدرها اتباعه لقراءة غير مقيدة، جعلت الكاتب موضوعاً لسجالات لم تنقطع منذ صدور كتابه «أوهام النخبة»، لكنه تخلى عن هذا المنهج لصالح اشتغالات مختلفة.

صدر له العديد من المؤلفات والدراسات، مثل: «مداخلات، 1985»، و«التأويل والحقيقة، 1995»، و«الحب والفناء، 1990» و«لعبة المعنى، 1991»، و«نقد الحقيقة، 1992»، و«الممنوع والممتنع، 1993»، و«أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر، 1994»، و«خطاب الهوية، سيرة فكرية، 1996»، و«أوهام النخبة، أو نقد المثقف، 1996»، و«الاستلاب والارتداد، 1997»، و«الفكر والحدث، 1997»، و«الماهية والعلاقة، نحو منطق تحويلي، 1998»،

و«حديث النهايات، فتوحات العولمة ومآزق الهوية، 2000»، و«الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، 2001»، و«أصنام النظرية وأطياف الحرية، 2001»، و«العالم ومأزقه، نحو عقل تداولي، 2002»، و«أزمنة الحداثة الفائقة، 2005»، و«الإنسان الأدنى، أمراض الدين وأعطال الحداثة، 2005».

إضافة إلى كتب عدة مترجمة عن اللغة الفرنسية.وفي كتابه «هكذا أقرأ ما بعد التفكيك»، يتناول علي حرب نصوص عدد من الكتاب والمفكرين، أمثال سعد الله ونوس، وأبو يعرب المرزوقي، ومحمد شحرور، وعبد الكريم سروش، وعبد العزيز حمودة، وأدونيس، ونصر حامد أبو زيد، وجون بودريار، ومايكل هاردت، وأنطونيو نيغري، ونعوم تشومسكي وبيل غيتس وسواهم. إضافة إلى بعض أطروحات وأفكار نيتشه وابن خلدون وابن رشد.

ومن خلال هذا الكم من الفلاسفة والمفكرين والكتاب يقدم علي حرب قراءات لا تركن إلى منهج بذاته أو فلسفة معينة، بل يتناول ذلك كله وفق سياق يشهد على التغير الذي طرأ على مصطلح ومفهوم القراءة، سواء من حيث نطاقه أم من حيث مفهومه.

ومع التطورات المتسارعة في عصرنا، فإن القراءة لم تعد تكتف بالكتب والنصوص، بل تعدتها إلى المجريات والأحداث والتطورات، وباتت تتردد على ألسنة رجال السياسية وأصحاب العقول والاستراتيجيات والمستقبليات. وصارت القراءة فعلاً يتعدى معرفة الحقيقة، بمعنى أنه لم يعد مجرد وصف أو كشف أو اطلاع على الحقائق والخلائق،

بقدر ما أضحت تشارك في لعبة الخلق، عبر اختراع الأسماء واجتراح الدلالات، أو خلق الوقائع التي تتغير معها سلاسل الإحالة وخرائط الإداك أو حسابات العقل وعلافات القوة.

لكن هذا لا يعني أن مفردة «القراءة» تلغي مفردة «الحقيقة». فمن يفكر بمنطق الإلغاء، يغرق من جديد في ثنائية ما ورائية خانقة تشل طاقة الفكر بقدر ما تضعه بين فكي الكماشة، الصح والخطأ، الحق والباطل، المطابقة والهرقطة.

ذلك أن المسألة تتعلق بإنشاء علاقات مغايرة مع الحقيقة تشحن معها بمعان جديدة تجعلها أقل تجريداً وتعالياً ووحدانية، أي أكثر تداولية وإجرائية وراهنية، من خلال فتحها على مفردات الخلق والابتكار، أوالتجاوز والتركيب، أو الصرف والتحويل، أو الإدارة والتسيير. بهذا المعنى يشكل فعل المعرفة أو الكشف، بحسب الفكر المركب، وجهاً من وجوه فاعلية القراءة، بما هي رهان على إحداث تحول خلاق أو إجراء تغيير بناء.

وعلى خلفية ما تقدم، يرى علي حرب أنه لا يدعي القول ـ مثلاً ـ هكذا تكلم جاك دريدا. إنما يمكنه القول هذه قراءتي لدريدا التي تجسد استثماراتي الفكرية في الحقل الذي اكتشفه. بمعنى أن ما نقوله حول النص، أي نص، وإن كان نصاً مألوفاً، هو في النهاية نص آخر لمعنى يندّ عن الحصر باستمرار.

ويعتبر علي حرب أن نصر حامد أبو زيد الذي نسج على منوال نيتشه في كتابه: «هكذا تكلم ابن عربي»، قام باستعارة خادعة، تصدر عن مفهوم يعيدنا إلى ما قبل المنجزات التي أسفرت عنها علوم القراءة والنص. ذلك أن ما قاله أبو زيد هو مجرد تأويل لابن عربي من بين تأويلات أخرى.

ويعتبر كذلك أن مسرحية سعد الله ونوس «منمنمات تاريخية» مثال القراءة الإيديولوجية التي يسقط فيها صاحبها على ابن خلدون هواجسه النضالية وتهويماته الخلقية. وكذلك فعلت نضال الأشقر حين أخرجت المسرحية، والنتيجة هي تشويه مضاعف لفكر ابن خلدون وسيرته. كما يعتبر أن أبو يعرب المرزوقي يقدم قراءة لابن خلدون تنهض على التعظيم والإشادة، بوصفها مثالاً على التفكير الأصولي.

لا شك في أن القراءات تتفاوت من حيث أهميتها وقوتها على الاجتراح والخرق والتأثير، بالتخييل الخلاق والمجازات المبتكرة والمفاهيم الخارقة. والقراءة الخصبة هي جرح واجتراح، لكن هذا لا يعني أن تكون القراءة مجردة ومحايدة، ولا يعني أن نمتنع عن الاستعانة بالأمثلة الفكرية في معالجة مسائل تخصنا وتهمنا في عالم اليوم، فضلاً عن أن قراءة الفنان والأديب مختلفة تماماً عن قراءة المفكر والكاتب، ولها سياقات مختلفة تخص طريقة الاشتغال والمعالجة والتناول.

في أي حال إن مفردة القراءة تحتاج معالجة مستفيضة مخصوصة بحقل معرفي معين، ولن ينفعنا التعميم هنا، ولا اختزال القراءة في كل الحقول. ذلك أن مساحة الخطاب تختلف من حقل إلى آخر، فالكلمة تحيا حياتها في سياق معين ويتسع معناها باتساع مركباتها وحمولاتها، واتساع مجالها التداولي وخرقها للمسبقات اللغوية والمعرفية عبر الخلق وإعادة التشييد على مقام معين للفن أو للفكر.

وليس عبر المجاز وحده، نظراً لأن ليس كل مجاز هو عبور نحو فضاء جديد تنكس معه قوالب المعرفة وحتميات الواقع، وقد لا يغني المجاز إمكانات الوجود ولا يثري عالم الفهم ولا مفردات اللغة.

بالمقابل فقد حدث توسع وتغير في استعمال مصطلح القراءة ومفهومها، إن في الحقل أو المقام، ولم تعد العلاقة بين النص والواقع وحيدة الجانب والاتجاه، بل أصبحت مركبة ومزدوجة أو متداخلة وملتبسة، بمعنى أنها تتشكل وتُبنى بتغيير كل واحد من الطرفين الداخلين في بنائها، وصار العالم نصاً يحتاج إلى القراءة والفهم.

ومن جهة التغير في النص، فإن النصوص أصبحت، منذ زمن، تعامل كوقائع خطابية لها منطقها وقوانينها أو كأحداث فكرية لها أثرها ومفاعليها، بصرف النظر عن مراد مؤلفيها. ولم يعد النص مجرد ناطق باسم المؤلف أو مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح هو نفسه واقعة تخضع للدرس والتحليل، ليس فقط، من حيث منطوقه وطرحه،

بل كذلك من حيث بنيته ومنطقه وآلية عمله، أو من حيث قواعد تداوله وتشكيل سلطته ، ولذا أصبح النص، كواقع خطابي، حقلاً لإنتاج الأفكار والمعارف، على نحو تتغير معه مفاهيمنا للفكر واللغة أو للمعرفة والحقيقة، وكما تفيدنا بذلك المنجزات التي أسفرت عنها فتوحات الدرس المعرفي حول الخطابات والنصوص والرموز اللغوية.

ويحتمل النص أكثر من قراءة، بحيث تختلف القراءات وتتفاوت من حيث علاقتها بموضوعاتها وبالمواد التي تعمل عليها. وما يقال على النص يمكن قوله على الحدث. من جهة أنه لا يُقرأ بصورة وحيدة الجانب أو الدلالة أو الوجهة، كبينة مقفلة أو سلسلة محكمة أو حتمية صارمة، وإنما يُقرأ بوصفه منبع إمكاناته، بقدر ما يُعامل من حيث تداخل مستوياته وتراكب طبقاته، أو من حيث تعدد أبعاده وتفاوت سرعاته، أو من حيث صيرورة هويته وحراك معطياته.

ولذا فهو يحتمل أكثر من قراءة، بقدر ما هو حصيلة لما لا يتناهى من الظروف والحيثيات والانفعالات والتصورات والمفردات التي كانت تتجمع وتتراكم أو تعتمل وتتفاعل، لكي تسهم في إنتاجه وانفجاره.

وما يثير حفيظة علي حرب هو الآليات الفكرية والتهويمات العقائدية التي تتحكم في ذهنيات وتصرفات الحداثيين العرب، بوصفها تشهد على أنهم قد تركوا من الحداثة إرثها النقدي وآفاقها الرحبة ولغاتها المفهومية وموجاتها المشتعلة، لكي يتمسكوا بمقولاتها المستنفدة وأساطيرها المؤسسة وموجاتها المنطفئة وشعاراتها الأيديولوجية الآفلة، ولذا لم يستبقوا منها سوى مفردات الداعية والمبشر أو التعويذة والأيقونة أو الصنم والهوام أو المتراس والخندق أو الديكور والقناع.

ويعتبر الحصيلة لهذا النمط من التفكير هو حداثة فقيرة أو متخلفة أو مشوهة أو عدوانية أو مأزومة، تعيد إنتاج المآزق بقدر ما تحيل الحياة الى أفخاخ وحقول ألغام.

إن قول علي حرب ينطبق بدرجة أو أخرى على بعض الحداثيين العرب، وخصوصاً بعض المشتغلين في الفكر والثقافة، لكن هناك جانباً مسكوتاً عنه، وهو التشويه الذي مارسته النخب الحاكمة للحداثة، ودور نظم الاستبداد والهيمنة في تعطيل الحداثة والمفاهيم المتخارجة عنها وتعطيل مفاعيل المجتمع المدني، وفي التصدي لكل مفكر أو مثقف حداثي، خصوصاً إن كان نقدياً.

والمأزق الذي يتحدث عنه علي حرب، والمتجسد فيما تعانيه المجتمعات العربية، تسأل عنه النخب الحاكمة في هذه البلدان أولاً، بوصفها المسؤولة عن جعلها تتأرجح اليوم بين براثن الكماشة العقائدية، الأصولية أو العلمانية، القومية أو الدينية، التراثية أو الحداثية، أي بين ديناصورات التراث ومسوخ الحداثة، بين عبدة الأنبياء القدامى وتأليه الأنبياء الجدد، بين مجانين الله ومجانين المسيح، بين حروب الآلهة وحروب الأوطان.

فهي تنهض على مقويات الاستبداد والهيمنة، وتشجع على انتشار «الفيروس الديني القاتل» ولم تقدم إلا العلاج «الحداثي» الفاشل. وهي المسؤولة عن القفز فوق المتغيرات، وعن نفي ما يتشكل من العوالم والقوى والأفكار أو الموجات والطفرات والشبكات. وعلي حرب محق في دعوته إلى الاهتمام بتشخيص الظاهرات وتفكيك المشكلات للمساهمة في إدارة التحولات بصورة بنّاءة ومثمرة، وإيجاد الحلول المناسبة للخلاص من حالات الانهيار والتردي.

وعلينا التخلص كل ما تقليدي، أحادي، طفولي، متعال، نخبوي، بطيء، دغمائي، حتمي، لكي نندرج في شكل جديد، هو متسارع من حيث زمنه، مركّب من حيث بنيته، متعددة من حيث أبعاده، إشكالي من حيث منطقه، ملتبس من حيث مفهومه، فائق من حيث أدواته.

الأمر الذي يعني أن مجابهة واقع التردي والانهيار يحتاج إلى تغيير الأسئلة والإشكاليات والتوجهات والخيارات. ولذا لا يجدي، معرفة أو عملاً، نظراً أو ممارسة، التعاطي مع العالم، بالعدة القديمة الفكرية التي فقدت أرضنتها، وانتفت مصداقيتها على أرض الواقع.

عمر كوش

الكتاب: هكذا أقرأ ما بعد التفكيك

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2005

الصفحات: 311 صفحة من القطع الكبير