الروائية البريطانية برناردين إيفارستو:

أهتم بالتاريخ لأنه لغز

هذه المقابلة أجراها محرر صحيفة « إندبندنت »الأدبي مع الروائية الإنجليزية «برناردين إيفارستو» بمناسبة صدور روايتها الأخيرة «سائحو الروح» تناولت عدداً من المحاور المهمة منها موضوعاتها الروائية الرئيسية، وتجربتها الإبداعية عموماً، وتجاوزها حدود الرواية التقليدية على نحو يؤسس لتجربة جديدة. ينظر إلى كتابة وتبادل المعلومات حول تجاربنا المتعلقة بالسفر على أنها من الأشياء الغريزية، سواء جاء التعبير عنها من خلال الكلمات أم الصور.

وفيما تعتبر الكاميرا أداة ضرورية، فإن أشياء منها سجل التفاصيل اليومية للرحلة أو اليوميات على أقل تقدير تعتبر من الأمور الحيوية - خاصة إذا كنت من الكتاب الذين تمدهم التجارب الجديدة بالموضوعات التي لم يسبق التعامل معها تلك التي تتحول في النهاية إلى شكل من أشكال الكتابة التعبيرية. إلا أن برناردين إيفرستو، التي تبنى روايتها الأخيرة، سائحو الروح، على سلسلة من الرحلات التي قامت بها مع مجموعة من أصدقائها حول أوروبا بواسطة السيارة في أواخر الثمانينات تنفي أن يكون الأمر كذلك.

تقول «الحقيقة أنني لم أكتب شيئاً أثناء الرحلة وكذلك لم ألتقط صوراً. تضيف وهي تصر على قولها، مستمتعة بهذه المفارقة. فيما يعزز قولها بنوع من براغماتية التفكير « لو بدأت بالكتابة حول الرحلات أثناء قيامك بها فإن ذلك سيفصلك عن التجربة. ستتورط في لعبة خالية من الإدراك والوعي بما يجري من حولك».وببساطة فإن هذا الوعي بالتجربة المرتبطة بالإدراك،

إلى جانب الخيال الخصب والحيوية الأسلوبية ـ نثراً، وشعراً، وعلى مستوى الحوارات السينمائية تجتمع كلها في هذه التوليفة التي تتفتق عن رواية « سائحو الروح»، لتجعلها الوريث الحقيقي لهذا النوع من الروايات التي تسرد بقالب شعري التي نذكر منها روايتي «طفلة الإمبراطور» 2001، و «لارا» 1997 .

على نحو يفوق ما يشاهده المرء في الأفلام التي تصور حياة المتشردين، تدور تفاصيل الرواية حول قصة اليقظة العاطفية والفكرية المهمة لموظف يدعى ستانلي الذي يقوم هو وصديقته المغنية جيسي بمغامرة سياحية يطوف خلالها كل من فرنسا، وإسبانيا، وتركيا، وأخيراً الكويت.

ينحدر بطل الرواية من عائلة جمايكية مهاجرة تقيم في لندن، ويتمتع بموهبة خارقة تمكنه من رؤية الأشباح ، مما يسمح له بلقاء العديد من الشخصيات التاريخية الشهيرة منها، هانيبعل، وبوشكين، وماري سيكول وشخصيات أخرى تستحوذ على الاهتمام كلها تتحدر من أصول إفريقية. هنا يكتشف ستانلي، أو القارئ على نحو أكثر اتساعاً، الثراء الذي يميز تاريخ أوروبا السوداء.

يعود اهتمام إيفارستو بالتاريخ واللغة إلى مرحلة مبكرة من العمر ومما يشعرها بالمتعة الآن الاعتقاد بأن تعلقها بالماضي ربما كان يعود إلى أن أبيها المنحدر من أصل نيجيري، الذي التقى أمها الإنجليزية في لندن في الخمسينات، لم يعرفها على ثقافته على النحو الكافي.

تشير إلى ذلك بشيء من الاتزان «كانت هنالك فجوة. الحقيقة أنه لم يعلمنا لغة اليوروبا وكذلك لم يخبرنا إلا بالقليل مما يتعلق بتاريخه العائلي. كان ذلك بمثابة اللغز». وهكذا فقد بدأت مشروعها الجاد للبحث في هذه الأمور في مرحلة المراهقة المتقدمة، بالتنقيب في مؤلفات مثل «الوجود الأفريقي في أوروبا القديمة».

و«القدرة على الاحتمال» المثير للجدل حول اعتباره الدليل الواضح إلى تاريخ بريطانيا الأسود. هذا المؤلف الرئيسي مكن إيفارستو من إعطاء شخصياتها ـ بدءاً ببطلة، لارا، الطفلة المهاجرة المنتمية إلى مرحلة ما بعد الإمبراطورية التي تتحول إلى رمز، وصولاً إلى، طفلة الإمبراطور زليخة، التي ترمز إلى بريطانيا الرومانية السوداء، ثم ستانلي بطل « سائحو الروح »، الرجل الذي يرث عن أبيه الكاريبي حس الارتحال.

والواقع أن الأسباب التي تحملها على القيام بهذا البحث شخصية وسياسية في آن واحد. تقول «هناك غياب تام سواء كان للمعلومات أو الوسائل التي يمكن من خلالها التعرف على تفاصيل التاريخ البريطاني وهو ما يحرضني على العمل. تضيف بحزم « إنها جوانب مهمة من ثقافتنا وعندما أقول ثقافتنا فإنني أعني الجميع ؛ السود، والبيض، والخضر، أياً كنا.

وعندما كتبت رواية «طفلة الإمبراطور»، كنت بالفعل أريد القول : انظروا لقد كان هناك وجود أسود يناهز 2000 سنة تقريباً فما هو قولكم في السود الذين وفدوا إلى بريطانيا في الخمسينات للاستحواذ على وظائفكم ؟ الواقع أن لنا تاريخاً يضرب بجذوره في أعماق هذه الثقافة على نحو لا يمكن تصوره.

من خلال « سائحو الروح» ، كنت أسعى إلى إلقاء نظرة فاحصة على التاريخ الأوروبي لأنه شهد هو الآخر وجوداً أفريقياً يعود إلى مئات وآلاف السنين. لقد كان هناك المزيد من الإنكار حول شخصيات مثل بوشكين «تواصل حديثها» قبل سنوات كنت في روسيا مع كتاب آخرين، بعضهم روس. كانت تماثيل لبوشكين موزعة في أماكن عديدة.

المهم، أنني ذهبت إلى قول أشياء مثل، أنتم تعرفون بالطبع أن جده الأول كان إثيوبياً، هنا أخذ الناس يضحكون. كانوا يعتبرونها فكرة سخيفة ! غير أن هذه الأفكار تشعرني بالغضب لأن هذه المعلومة مهمة بالنسبة لنا كلنا». مما لا شك فيه أن أعمال إيفارستو الروائية تنسجم تماماً مع المفاهيم التي تتبناها قاعدة عريضة من الفنانين والتي تتمحور حول الشتات.

ففي باريس، تقدم عازف الساكسفون الأميركي، ديفيد موري، مؤخراً، بمشروع طموح أسسه على شعر بوشكين، فيما قدم عازف الفلوت الشاعر كيث ويث معزوفة موسيقية مثيرة حول حياة هانيبعل. وهما عملان تآلفت فيهما كل من الموسيقى والنص والصورة، في حين أن فكرة الجمع بين أشكال فنية متعددة هي كذلك من المبادئ الرئيسية التي تستند إليها عبقرية إيفرستو.

إضافة إلى أنه من الواضح أنها عملت في مجال التمثيل قبل اشتغالها بالكتابة. بعد تخرجها في كلية، روز بروفورد للخطابة والدراما، سنة 1982، بدأت بالكتابة المسرحية، وعرضت مسرحيتها الأولى «الارتحال» على مسرح رويال كورت أبستيرس في نفس العام. وفي أعقاب مشاركتها في تأسيس، مسرح المرأة السوداء، تواصلت جولاتها المكثفة في كل من إنجلترا وأوروبا.

هذه التجارب كلها تجسدها أعمالها الروائية. في قراءتها الأخيرة لأجزاء من، سائحو الروح، بساوث بانك سنتر كانت ميول شخصياتها التمثيلية شديدة الوضوح. وعلى الرغم من قلة عدد الكتاب الذين يستطيعون الجمع بين ديناميكيتي كل من التمثيل والشعر، إلا أن ما يضفي على أعمال إيفارستو هذه المسحة من القبول ربما كان ذلك الانسجام الذي تتمكن من خلاله من التنقل بين عدد من الأشكال الفنية المتعارضة.

و بالنظر إلى تأثرها بالكثيرين من، توني موريسون، إلى تنيسون، إلى بن أوكري، وغيرهم فهي صوت جريء، مليء بالتحدي، والمجازية، بالإضافة إلى تلك النكهة الشعبوية التي تعبر عنها بلغتها الساحرة. حيث المستويات الفكرية المتفاوتة التي تتجسد على نحو متزامن صعوداً وهبوطاً.

تقول بعفوية قبل أن تمنح نفسها فرصة قصيرة للتأمل، هذه أنا، أليست هذه هي الصورة التي تظهر بها غالبيتنا ؟ لقد نشأت على قراءة مجلة، «هالو» وكذلك الملاحق الأدبية، وشاهدت مسلسل «الأخ الأكبر». وكانت أمي كاثوليكية أما أبي فقد كان اشتراكياً، كانت معلمة وكان هو عاملاً، وبالتالي فقد وجدت لدي تلك الازدواجية.

رفيقة الطريق

كانت النسوة العجائز اللاتي يرتدين فساتين طويلة ويضعن شالات تغطي رؤوسهن، واللاتي تحملن لفائف الدولمة، لكي يرزحن تحت ثقل السلال التي يبعنها في الأسواق، وكذلك الحمالون يصعدون إلى الحافلة في الصباح الباكر متجهين إلى أماكن عملهم. المقعد الوحيد الذي وجده شاغراً كان بالقرب من امرأة بدينة ذات شعر بني أجعد معقود على شكل كعكة فوق رأسها تعلوها قبعة من القش مزينة بالبتلات الليمونية.

تفحص الأقراط المصنوعة من اللؤلؤ، والقلادة المرجانية، والفستان القديم المتسع عند الأكمام، الضيق عند الخصر. ورفعت هي الجزء المتدلي منه لكي تسمح له بالمرور. تفضل اجلس، يا عزيزي. إن القسطنطينية بعيدة جداً وكل ما نريده هو راحتك. وكذلك كتماندو وتمبكتو، قال ستانلي في نفسه قبل أن يجيبها «الحقيقة أنني لا أريد التوجه إلى مكان أبعد من اسطنبول.

أطلقت رفيقته ضحكة خافتة «القسطنطينية واسطنبول اسمان يطلقان على المكان نفسه، على الرغم من أن الأول أقدم من الأخير». بفضول تفحص إطلالتها الجانبية متذرعاً بالنظر عبر النافذة. بدت سرمدية، تغمرها مسحة من الجمال المقترن بشيء من الوقار الذي يبدو أنها لم تكتسبه بالفطرة، وإنما استحقته بالمثابرة.

مقتطف من رواية «سائحو الروح»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات