جان جاك روسو العبقري القلق

جان جاك روسو العبقري القلق

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي ليو دامروش المختص بالقرن الثامن عشر، أي عصر التنوير. والبروفيسور دامروش هو أستاذ الآداب الأوروبية والأميركية في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية. وهو من كبار الأساتذة المختصين بالآداب الفرنسية وبفكر جان جاك روسو على وجه التحديد.

وهو يقول بأنه ألف كتابه هذا لسدّ نقص كبير في المكتبة الانجليزية أو الأميركية. صحيح أنه توجد سيرة ضخمة لجان جاك روسو في اللغة الانجليزية. وهي تقع في ثلاثة أجزاء ضخمة ومن تأليف البروفيسور كرانستون. وكانت قد صدرت على التوالي عام 1982، 1991، 1997. ولكن المشكلة هي أن مؤلفها مات قبل أن ينهي تماما الجزء الثالث والأخير فظل ناقصا. يضاف إلى ذلك أنه لم يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة النفسية القلقة أو حتى الجنونية لجان جاك روسو.

ولهذا السبب قام البروفيسور ليو دامروش بكتابة هذه السيرة الجديدة. فقد ركز فيها على دراسة التركيبة النفسية المعقدة لأكبر كاتب فرنسي في العصور الحديثة. فالرجل كان غريب الأطوار بسبب حياته الصعبة التي عاشها منذ طفولته. وكان مليئا بالتناقضات لأنه عانى من الفقر والجوع والحالة غير المستقرة في سنوات حياته الأولى. فأمه ماتت أثناء ولادته بالضبط. ولذلك قال فيما بعد: كانت أولى جرائمي هي اني كلّفت أمي حياتها! ثم بعد ذلك تزوج والده وتخلى عنه وهو في العاشرة لكي يدبر أمور نفسه بنفسه.

فاشتغل عند أحد الصنّاع في الحي الشعبي من مدينة جنيف. ولكنه في أحد الأيام هرب من المدينة وهام على وجهه في البراري والحقول بسبب نزعته الرومانطيقية أو بسبب بذرة الجنون الموجودة في داخله. وهي بذرة تدفعه إلى حب المغامرات. والواقع أنه كان يلعب خارج المدينة عندما خيم الليل مع ابن خاله.

وعندما عادا إليها كانت قد أقفلت أبوابها وأسوارها. ينبغي العلم بأن المدن الأوروبية في القرون الوسطى كانت تقفل أبوابها ليلا مثلما يقفل الإنسان باب بيته. وقد ظل ابن خاله حول الأسوار ينتظر طلوع الصبح كي يدخل ويعود إلى بيت أهله. أما جان جاك روسو فلم ينتظر ووجدها فرصة سانحة لكي يهرب في البراري المحيطة وهي من أجمل المناطق لأنها واقعة بين سويسرا وفرنسا.

ويردف المؤلف قائلا:

ثم قال روسو بينه وبين نفسه: ابن خالي يعود إلى بيت دافئ وأم تنتظره ووالد يهتم به، أما أنا فإلى أي شيء أعود؟ ليس لي بيت ولا أم ولا أب ولا شيء على الإطلاق. وهذا ما دفعه إلى المغامرة والهرب من جنيف نهائيا. وكانت مغامرة خطرة وغير مضمونة العواقب لأنه كان يمكن لأي شخص أن يقتله أو يمكن لأي وحش أن يفترسه دون أن يسأل عنه أحد. ولكن ما كان أحد يعرف أن هذه المغامرة الجنونية سوف تجعل منه أكبر كاتب ومفكر في العصور الحديثة.

فالرجل تصنعه المعاناة ومرارات الحياة وتصاريفها وأهوالها وليس السهولة ولا رغد العيش. ثم شاءت الصدفة أن يقوده الحظ إلى بيت تلك المرأة التي ستصبح «أمه» بالفعل وتعوض له ما فات من حرمان الأمومة وعواطف الإنسانية. وهي سيدة تدعى «مدام دوفرانس». وكانت مكلّفة رسميا من قبل ملك تلك البلاد بتحويل أبناء البروتستانتيين عن مذهبهم لكي يعتنقوا المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني.

وكان البابا يعتبر المذهب البروتستانتي بمثابة الهرطقة الكاملة والخروج عن المسيحية الحقة والطريق المستقيم. وعندما رآها روسو لأول مرة وكانت في عزّ شبابها وجمالها قال بينه وبين نفسه: إن مذهبا يعتنقه أمثالها سوف يقود حتما إلى الجنة! وهكذا قبل بتغيير مذهبه واعتناق مذهب أعدائه أو أعداء آبائه وأجداده لكي يستطيع أن يعيش، أن يبقى على قيد الحياة بكل بساطة. ولكي يظل في حماية ورعاية هذه المرأة الجميلة والفاتنة: مدام دوفرانس.

وقد خلّدها فيما بعد في كتاب «الاعترافات» الشهير عندما قدم عنها لوحة تذكارية أو صورة شخصية (بورتريه) يبلى الزمن ولا تبلى. وبكاها بدمع مر عندما ماتت بعد سنوات طويلة ومرّغ وجهه بتراب قبرها. وعلى طول الكتاب كان يدعوها «ماما» فتدعوه هي: صغيري. حقا لقد حلّت تماما محل أمه التي شاء القدر ألا يعرفها قط لأنها ماتت أثناء ولادته أو بسبب هذه الولادة العسيرة كما قلنا.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن ينبغي ألا نستبق الأمور. فهي لم تمت فورا، وإنما بعد سنوات طويلة، وبعد أن كان قد تركها وذهب إلى باريس بحثا عن الرزق والنجاح في الحياة، وبعد أن أصبح كاتبا شهيرا يملأ اسمه الدنيا. وقد فوجئت لاحقا عندما سمعت بأنه وصل إلى قمة المجد لأنها كانت تعرف كل نقاط ضعفه. وربما استغربت أن يصل شخص مثله إلى هذه المكانة. وهذا ما يحصل عادة لنا جميعا لأننا نستغرب الشهرة على من نعرفهم ونفهمها إذا كانت من حظ الأباعد الذين لم نرهم عن كثب.

مهما يكن من أمر فإن هذا الشاب الفقير بعد أن ملّ من حياة الرقابة في ظل «ماما» راح يبحث عن حظه في العاصمة باريس. ومعلوم أن كل مثقفي الأرياف أو المحافظات كانوا يعرفون أنهم لن يصلوا أبدا إلى الشهرة إلا إذا ذهبوا إلى باريس واستقروا فيها ولو لفترة.

وفي باريس ابتدأت حياة الشقاء والعناء لجان جاك روسو. فقد كان مجهولا، مغمورا، لا يعرفه أحد. وفي ذلك الوقت إذا لم تكن غنيا أو ارستقراطيا ابن عائلة كان حظك في النجاح أو الصعود الاجتماعي صفرا أو يشبه الصفر. وهنا تكمن عبقرية جان جاك روسو. فقد استطاع أن يقفز دفعة واحدة من الحضيض إلى القمة على الرغم من أن كل شيء كان ضده.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن ذلك لم يحصل فورا وإنما بعد سنوات عديدة من المعاناة والانتظار والترقب. وفي أثناء ذلك كان قد تعرف على خادمة تغسل الثياب في الفندق فارتبط بها، واسمها: تيريز لوفاسير. وكانت فتاة بسيطة، أمية، لا تعرف القراءة والكتابة، وبالتالي فلا يمكن أن تتكبّر عليه وإنما تقبل به على علاته. وكان مريضا من الناحيتين الجسدية والنفسية.

ثم تعرف على «ديدرو» الذي كان يبحث عن الشهرة مثله في باريس وأصبحا صديقين حميمين لا يفترقان. وكانا يشتغلان في الترجمة والخدمة في بيوت الأغنياء ولكي يستطيعا دفع أجرة الغرفة وإكمال الشهر بصعوبة بالغة.

ولم يكن أحد يعرف آنذاك أنهما سيصبحان من كبار فلاسفة العصر. كانا لا يزالان في البدايات. ولكن كان واضحا أن ديدرو رجل اجتماعي من الطراز الأول ويحب مخالطة الناس. يضاف إلى ذلك أنه كان متحدثا بارعا يسيطر على عقول مستمعيه ويتلاعب بها كيفما شاء بفضل بلاغته وفصاحته وجرأته.

أما جان جاك روسو فكان شخصا انطوائيا، معزولا، يحب الوحدة ويخاف من مخالطة الناس في المجتمع. وبالتالي فقد كان الرجلان يكملان بعضهما البعض ويقعان على طرفي نقيض.

ثم يردف المؤلف قائلا:

وبعدئذ ابتدأت حياة روسو الفكرية والأدبية بشكل مفاجئ ومتأخر: أي بعد أن تجاوز الثامنة والثلاثين من العمر. وقد ابتدأت بطريقة غير معهودة، طريقة تذكرنا بالوحي الذي ينزل على الأنبياء. فقد كان ذاهبا لزيارة صديقه ديدرو المسجون في قلعة فانسين بسبب آرائه الجريئة عن الدين.

وكان يحمل معه جريدة لكي يتسلّى بها أثناء الطريق. وفجأة يقع بصره على السؤال التالي الذي طرحته أكاديمية ديجون كمسابقة للهواة: هل تقدّم الصناعات والعلوم والفنون في عصرنا أدّى إلى تهذيب الأخلاق أم إفسادها؟ وما إن قرأ روسو نص السؤال حتى وقع مغشيا عليه تحت شجرة. لقد انبطح على الأرض بكل قامته وجسمه وغاب عن الوعي للحظات. وعندما استفاق وجد أنه بكى بكاء غزيرا دون أن يشعر وأن الدموع بلّلت صدره وقميصه.

وعرف أنه أصبح شخصا آخر بدءًا من تلك اللحظة. عرف أنه وصل إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها منذ سنوات وسنوات بشكل واع أو غير واع دون أن يجدها. لقد انكشفت الحقيقة لجان جاك روسو في ذلك اليوم المشهود على طريق فانسين من حيث لا يتوقع. وعرف عندئذ أن التقدم العلمي أو المادي أو التكنولوجي لحضارة ما لا يرافقه بالضرورة تقدم أخلاقي أو إنساني على نفس المستوى.

وهكذا اكتشف أزمة العصر في عزّ عصر التنوير الكبير. وكتب بحثا وأرسله إلى الأكاديمية التي طرحت السؤال. ثم نسي الموضوع تماما حتى فوجئ بأنه نال الجائزة من بين كل المتسابقين.

وعندئذ أصبح مشهورا بين عشية وضحاها. ثم توالت كتبه الرائعة الواحدة بعد الأخرى: كمقال عن أصل اللامساواة والظلم بين البشر، وكالعقد الاجتماعي، وإميل، وروايته الشهيرة: هيلويز الجديدة. وهكذا، وخلال بضع سنوات فقط، صبّ على الورق كل ما يريد أن يقوله وأصبح نبي العصور الحديثة.

ثم يردف المؤلف قائلا:

ولكن مشاكله ابتدأت بعدئذ، والشهرة تجر المشاكل. فقد وقع بين فكي كماشة ولم يعد يستطيع فكاكا منهما. الفك الأول يتمثل بغضب الطبقة الارستقراطية الحاكمة عليه لأنه أعطى كل الحقوق والسيادة للشعب وتنبأ بانهيار النظام الملكي القديم لفرنسا. وساهم بذلك في بلورة النظرية الديمقراطية الحديثة. والفك الثاني يتمثل في أصدقائه من فلاسفة التنوير الذين حقدوا عليه لأنه كان يجامل المتدينين أكثر مما يجب في نظرهم ولأنه اشتهر أكثر مما يجب.

ثم حوصر من قبل الأصولية الكاثوليكية والأصولية البروتستانتية على الرغم من أنهما متعاديتان. وأصبحوا يحرقون كتبه في كل مكان ويلاحقونه من مكان إلى مكان. وعندئذ أخذ يشك في كل شيء، وأحيانا بأقرب المقربين منه. واتهموه بالمرض العقلي أو الجنون. وراحوا يشيعون الإشاعات عنه لكي يزعزعوا استقراره النفسي. وأصبح يرى الجواسيس في كل مكان... ودخل في نوع من الهذيان... وبالتالي فلا يمكن فصل عبقريته عن جنونه كما يرى المؤلف.

الكتاب: جان جاك روسو العبقري القلق

الناشر: هوتون ميفلين كومباني نيويورك 2005

الصفحات: 566 صفحة من القطع الكبير

Jean-Jacques Rousseau

Restless genius

Léo Damrosch

Houghton Mifflin Company- N. Y 2005

p.566

طباعة Email
تعليقات

تعليقات