يعد تينيسي ويليامز (1911 ـ 1983) واحداً من أشهر كتاب المسرح الأميركيين المعاصرين، وقد نالت أعماله المسرحية، ومنها «عربة اسمها الرغبة»، و«مجموعة الحيوانات الزجاجية»، و«قطة على صفيح ساخن»، و«فجأة، الصيف الماضي»، و«ليلة الإغوانا»، و«داخل بار في فندق طوكيو»، و«معركة الملائكة»، و«محاذير المهنة الصغيرة»، و«صرخة»، و«صيف ودخان»... وسواها، شهرة كبيرة في حياته،

وترجمت إلى لغات عديدة حيث عرضت على خشبات المسارح في مختلف العواصم، كما تحولت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية في الولايات المتحدة ودول أخرى، فقد لفتت الحوارات المميزة التي اعتمدت عليها أعماله المسرحية انتباه المخرجين السينمائيين الكبار ومنهم إيليا كازان الذي قام بإخراج فيلم «عربة اسمها الرغبة» المأخوذ عن مسرحية ويليامز التي تحمل العنوان نفسه.

كانت الانطلاقة الأولى لتينيسي ويليامز في مرحلة الأربعينات بعد النجاح الكبير الذي حققته مسرحية «مجموعة الحيوانات الزجاجية» التي أحدثت، آنذاك، ضجة كبيرة في أوساط المسرح الأميركي عبر تركيزها على المآسي الشخصية التي يعيشها أبطال المسرحية، وابتعادها عن المسرح الكلاسيكي ـ التقليدي الذي يركز عادة على موضوع محدد، على عكس ويليامز الذي اختار، منذ البداية، مسارا مختلفا تجسد في التركيز على العلاقات الإنسانية الجريحة والهشة، ليعبر من خلالها عن أوجاعه الشخصية التي رافقته منذ سنوات الطفولة وحتى وفاته وحيداً في أحد فنادق نيويورك.

رواية «الربيع الروماني للسيدة ستون» من الأعمال الروائية الهامة التي كتبها ويليامز في بدايات مسيرته الإبداعية، وقد تحول إلى فيلم سينمائي، كما أشرنا، ولاقى نجاحا واسعا، وكان من بين الأفلام القليلة المقتبسة عن أعمال ويليامز التي رضي عنها. الرواية ترصد حياة ممثلة مسرحية أميركية حققت نجاحا واسعا، وسمعت الكثير من كلمات الإطراء،

وكانت محط اهتمام الجميع ليس فقط بسبب موهبتها الفذة في التمثيل، وقدرتها على جذب اهتمام جمهور المسرح لمهارتها في أداء الأدوار، بل كذلك بسبب جمالها الباهر الذي جعلها إحدى سيدات المجتمع الأميركي اللواتي يعشن في رفاهية على الصعيدين المهني والاجتماعي.

الكاتب لا يركز على هذا النجاح وتلك الشهرة، بل يقدم صورة الممثلة بعد أن اعتزلت المسرح وبلغ سنها حدا لا يمكن معه تحقيق مجد جديد. الرواية تروي، الآن، حكاية كارين ستون، الممثلة البارعة وهي تعيش وحدة قاتلة في ربيع روما البارد، بعد أن تعرضت لحوادث ثلاثة في فترات متقاربة،

فقد تخلت عن مهنتها بسبب فشلها في أداء دور شخصية اصغر منها سنا، وهو دور جولييت في مسرحية «روميو وجولييت»، وبعد هذا الفشل مات زوجها، وبعد ذلك بسنة بلغت سن اليأس (انقطاع الدورة الشهرية) وهو إيذان بان بريق الجمال قد خفت كثيرا.

كل حادثة، من الحوادث الثلاثة، شكلت صدمة قاسية تركت لديها انطباعا بأنها باتت الآن تعيش وجودا بعد الموت. «وانتقت روما لأنها، إلى حد ما، أشد الأماكن ملاءمة لعيش مثل ذلك النمط من الوجود...»، بحسب الرواية، وهي تعيش في ثراء الثروة التي تركها لها زوجها.

ويليامز الذي يقسم روايته إلى ثلاثة أجزاء هي: «شمس باردة»، «جزيرة، جزيرة!»، «الانجراف» يغوص في ذهنية هذه المرأة، ويراقب حالاتها النفسية الغريبة، والاضطراب الذي يسيطر على سلوكها، وعلاقتها المَرَضية مع ماضيها الذهبي البعيد، فهي لا تستطيع أن تتصالح مع واقعها وسنها الذي لم يعد ملائما لمغامرات الشباب، ومغازلات الرجال من حولها.

هذا الرفض للتأقلم مع تيار الزمن الذي يذهب بنضارة الإنسان، يقود السيدة ستون إلى سلوكيات وممارسات لا تتناسب مع عمرها، فهي تدخل في علاقة غرام متوترة مع الشاب الإيطالي الوسيم باولو الذي يواجهها، في اغلب الحوارات، بحقيقة مرة تتمثل في وهم الماضي الذي ذهب إلى غير رجعة «أنتِ شديدة الاعتزاز بمجدك وثرائك، وصورك في مجلات الموضة، وزوجك الهش الذي خلف لك ملايينه...».

ففي السنوات الماضية البعيدة عن هذا الربيع البارد في روما، لم تكن السيدة ستون مضطرة إلى حقائق غير سارة عن نفسها، كانت منشغلة على الدوام في عملها وفي تكوين نفسها كشخصية اجتماعية ومسرحية مهمة بحيث لم يتح لها الوقت، حتى وإن توفر لديها الدافع، لتفحص المبررات المستترة في قلبها، غير أن فشلها في دور جولييت أتى كالارتطام بالرؤوس بين سرعتين متضادتين، حينئذ فقط أدركت أنها كانت تنطلق إلى الأمام وعيناها محكمتا الإغلاق..كل ما تعرف أنها كانت تتحرك، تتحرك بسرعة.

القوة المضادة هي الزمن، الزمن العصي على التقدير، الذي لم يتحرك بخطى مسالمة معها بل كان غادرا يعمل ضدها، وأخيرا قابلها وقبض عليها وسط انطلاقها محدثا ارتطاما مهشما. غير أن هذا الارتطام لم ينقذها من الهواجس المؤلمة، ومن الكبرياء الغائب، رغم غيابها الملموس عن مسرح الحياة العامة كغياب اسمها عن واجهات المسارح المضاءة.

ومع أن تواقيع الزمن القاسية تحفر على ملامح وجهها بصماتها البارزة بوضوح، لكنها لا تستطيع أن تمنعها من أن تتذكر طفولتها الرقيقة في ولاية فيرجينيا الأميركية، والشهرة التي حققتها في المسارح وعلى صفحات الجرائد، وإذا كانت «الذاكرة الضعيفة هي مصدر ارتياح عظيم»، فان ما تعاني منه السيدة ستون هي ذاكرتها المتوقدة التي لا تني تعود بها إلى تلك السنوات بنوع من النوستالجيا والحنين المَرَضي المدمر.

بيد أن الواقع اشد إيلاما مما تتخيل، فهي لا تملك الآن سوى تلك العلاقة، الباردة، غير المتكافئة مع باولو الذي يخالف مواعيده معها دائما، هي التي كانت تسبي القلوب، فيما مضى، بإيماءة عابرة، لكنها أصبحت ـ حسب وصف الرواية ـ «كقماش الخيمة الذي ينهار ليغدو كومة من الثنايا الرخوة دون وجود العمود الداعم لها».ينجح ويليامز في رسم السمات الذهنية والنفسية للسيدة ستون، وهو إذ ينأى بنفسه عن كل ما يعيق سلاسة السرد، عبر لغة سلسة وناصعة، فان مهارته كذلك تتبدى في وصف الحالة النفسية لها، والقدرة على قراءة ما يجول في ذاكرتها من أوهام وآمال.

ولأنه عاش في الوسط المسرحي والسينمائي الأميركي ويعرف الكثير من خفاياه، وأسراره، فانه في هذا العمل، الذي يتمحور حول شخصية ممثلة مسرحية، يوظف الكثير من تلك المعارف التي اكتسبها عبر المعايشة اليومية لهذا الوسط المسرحي الذي ينتقده بشدة في مذكراته، إذ يقول واصفا الحياة في عالم المسرح «لا مجال للعثور على أقل قدر من العاطفة في مكائدها.

إنها مرآة تعكس عمل الطبيعة حيث الفرد يطرد بلا رحمة». إن هذا الكلام يقودنا، وبقليل من المجازفة، إلى مقولة الرواية الأساسية، فرغم أن الكاتب، وبالتالي القارئ، لا يتعاطف مع السيدة ستون التي يظهرها ويليامز شخصية متغطرسة، أنانية، وذات سطوة، غير أن حقيقة أخرى تظهر، بصورة لا واعية، وهي الظلم الذي لحق بهذه الممثلة الكبيرة،

والمصير المأساوي الذي آلت إليه، فهي قدمت للمسرح في بلادها خدمات جليلة، وجسدت أدواراً مهمة، ومتميزة، وكانت قديرة ومحترمة طالما كانت قادرة على جذب الجمهور وجني الأرباح لمنتجي المسرحيات، لكنها، الآن، غدت منسية، تعيش عزلة خانقة ولا أحد يسأل عنها، فقد تخلى عنها الجميع، بعد أن فقدت القدرة على استقطاب الجمهور، وهنا نعثر على انتقاد للعقليات التي تسعى إلى الربح، وتنسى بسرعة أولئك الذين صنعوا النجاح، ومنهم السيدة ستون الغارقة، الآن، بعد رصيد مسرحي متألق، في ربيع روما البارد والحزين.

ابراهيم حاج عبدي