نذ ظهور مصطلح العولمة وحتى يومنا الراهن أنجز العرب عشرات الكتب التي تتحدث عن هذا التحول الكبير الذي انتبهوا إليه في التسعينات، رغم أن المصطلح كـ «ممارسة» كان حاضراً في حياتنا عامة، ولكن مع نزوع كتاب في النصف الشمالي للكرة الأرضية إلى تحديد المصطلح وتصديره إلينا، راح كتّابنا يدخلون العبارة الفضفاضة في معظم كتاباتهم، مرة خائفين من الكلمة وأخرى محاولين تفسيرها، وثالثة كانت وسيلة ليعلقوا عليها ما تشاكل في فكرهم.
أبسط تعبير عن العولمة ك«مفهوم» هو ما شرحه كاتب غربي حينما شبهها بكرة القدم، حيث يلعبها فريق هندي مقابل أميركي، وحيث تضبطها قوانين صارمة تشمل الجميع وتحت سقفها يعرف الفريقان حدودهما في التجاوز أو عدمه، وكذا الأمر إذا كان اللاعبون من الخليج أو من اليابان فلا أحد يحمل إلى الملعب سوى مهارته وفنونه ليفوز، هناك يتخلى الجميع عن ثيابهم التقليدية وهوياتهم المميزة وأسمائهم ويكتفون بلون قمصانهم ويتم التعرف إليهم من خلال أرقامهم.
تلك هي العولمة في أبسط صورها، وهي ليست حكراً لمن اكتشف المصطلح أو لمن سوقه، أو لدولة فرضت ثقافتها على الآخرين.
الآخرون الذين يشعرون بالاستلاب أمام العولمة ثقتهم بأنفسهم «ثقافياً» ضعيفة، فهم ينتمون إلى تاريخهم ولا يستلهمون منه الفضائل بل يعيشون المسافة القصيرة من الزمن الخاسر الذي وعوه، ومن خلاله يجدون أن الأميركي متفوق لأنه اخترع الهمبرغر أو وجبة الكنتاكي، ولا ينظرون إلى تجارب الشعوب الأخرى التي قدمت للبشرية اختراعات قلبت وجه التاريخ.
قمة الاستلاب ألا يثق المرء بأمته أو بنفسه، فيجد الآخر متفوقاً حتى في أسلوب عيشه. وذلك أقسى ما في العولمة ألا يعرف المرء من هو، ولماذا الآخر متفوق عليه؟.
إن تفوق الغرب منذ عصر المحرك الانفجاري يعود إلى وعي الذات، وليس إلى الاستلاب، وطالما كان وعي الذات غائباً فإن جميع شعوب الأرض ستجد في الهمبرغر اختراعاً يوازي بارود الصين أو صفر العرب.
العولمة اليوم لا تخيف سوى حفنة من الأمم التي لا ترى في كرة القدم مثالاً على ثقافة التقبل والانضواء تحت سقف واحد لعالم تحكمه قوانين اتفق عليها الناس، وليس لاختراعات الآخرين والاستلاب أمامهم لأنهم ينتمون إلى حضارة أخرى.
فالأميركيون لم يخترعوا الدولار كـ «عملة» عالمية تقاس من خلالها التبادلات التجارية أو القيمة المالية، وكذلك لم يخترعوا اللغة الانجليزية التي تعتبر وسيلة التواصل الأولى عالمياً ولغة التخاطب الدولي، إنها وسائل لا أحد يحتكرها أو ينسبها إلى نفسه، لكن سيرورة الزمن حولتها إلى نموذج قانوني للتواصل.
تلك الصور البسيطة عن العولمة موجودة حولنا منذ زمن بعيد ولكنها كانت بلا تسمية، وها قد تمت تسميتها الآن فما الذي تغير فيها ؟.