نسيت أن أقول لكم

نسيت أن أقول لكم

مؤلف هذا الكتاب هو الممثل الفرنسي المعروف جاي كلود بريالي وكان قد شارك في عشرات الأفلام مع كبار الممثلين من أمثال جان غابان والان ديلون ولينوفانتورا ومعلوم انه ولد في الجزائر عام 1930 عندما كانت لا تزال مستعمرة فرنسية وكان والده ضابطا في الجيش هناك.

وقد أمضى طفولته ودراسته الأولى في مدينة الجزائر العاصمة أو ضواحيها قبل أن ينتقل إلى بلده الأصلي فرنسا ولا يزال يحن من وقت إلى آخر إلى تلك الطفولة النسبية في ربوع الجزائر الجميلة .

وبما انه بلغ الخامسة والسبعين فإنه ابتدأ ينشر مذكراته كما يفعل المشاهير عادة بل انه تحول إلى حكواتي من الطراز الأول في احد المسارح الباريسية حيث يحكي للناس قصة حياته والنوادر التي حصلت له وهو يحكيها بشكل مشوق وبارع لا يقدر عليه إلا الفنانون الكبار.

ولذلك فإن الناس يقبلون على هذه المسرحية الغربية في نوعها حيث لا يوجد إلا ممثل واحد على خشبة المسرح فممثل يحكي للناس القصص التي حصلت له مع كبار شخصيات العصر من سياسية وأدبية وفنية.

وفي هذا الكتاب الجديد يفعل جان كلود بريالي الشيء نفسه فهو يتحدث لنا عن أهم اللقاءات التي حصلت في حياته مع الكبار المشهورين في فرنسا بل وحتى خارجها كالأديب الكبير جان كوكتو مثلا أو الأدبية الشهيرة فرنسواز ساغان أو الممثلين الكبار كجان بول بلموندو وايف مونتان ورومي شنايدر وداليدا أو شارل ازنافور أو كلوديا كاردينالي أو لويس دوفونيس أو مارلين ديتريش أو شارل ترينيه أو سيمون سينيوريه، الخ.

ولا يشعر القارئ بأي ملل وهو ينتقل مع المؤلف من قصة إلى قصة ومن شخصية إلى شخصية ومن نادرة إلى نادرة.. فالكاتب بارع في الفن القصصي مثلما هو بارع في فن التمثيل.

يقول مثلاً عن عشائه مع ملكة انجلترا اليزابيث الثانية: كنت قد استقبلت في الإليزيه ثلاث أو أربع مرات في عهد الرئيس فرانسوا ميتران ومرة واحدة في عهد جيسكار ديستان.ولكن ما كانت قد دعيت إليه بعد من قبل جاك شيراك.

وفجأة تصلني دعوة إلى العشاء في القصر الرئاسي الكبير على شرف ملكة انجلترا وشعرت بالاعتزاز والفخر لأن الاليزيه اختارني من بين مئتي شخصية لحضور هذا الحدث والتمتع بأطيب وجبة والالتقاء بكبار الشخصيات وعلية القوم، ثم يردف جان كلود بريالي قائلا:

في الواقع ان الحضور كان مائتين وخمسين شخصية بالضبط وليس مائتين فقط، وقد اختاروا منا مئة شخصية للسلام على جلالة الملكة، وشعرت بالفخر أكثر عندما كنت من هذه المئة.

ولم نعد نعرف هل نقبل يدها، أم ننحني أمامها فقط، فرحت أفعل كما يفعل الذين سبقوني خوفا من أن اخطيء في البروتوكول. وبعدئذ القى الرئيس شيراك خطاب الترحيب. فردت عليه ملكة انجلترا بفرنسية ممتازة لا تشوبها شائبة. وما كنت أعرف أنها تتحدث لغتنا. ثم أكلنا وجبة رائعة لا توجد الا في قصور الملوك والرؤساء.

وقد سلمت الملكة بكل حرارة على الاميرال فيليب ديغول ابن الجنرال ديغول، وهو يشبهه تماما حتى أنه نسخة طبق الأصل عنه! وعندما انتهت حفلة العشاء في منتصف الليل خرج معها الرئيس شيراك لتوديعها في السيارة، وبما أني حشري وفضولي أكثر من اللزوم فقد تبعته لكي أرى كيف تتصرف الملكة في مثل هذه الظروف فوجدت أنها تركب سيارة ضخمة جداً.

وعندما فتحوا الأبواب وجدنا ان مقعد الملكة مرتفع جدا داخل السيارة، وعندما جلست عليها شعرنا وكأنها تجلس على العرش! وشعرت وكأنني في فيلم سينمائي وليس في الحقيقة أو على أرضية الواقع. وهي تجربة استفدت منها كثيراً عندما مثلت أفلاماً عن الملوك أو القصور لاحقاً..

ثم يتحدث جان كلود بريالي عن جان كوكتو ويقول: إن لقائي مع هذا الكاتب والشاعر المسرحي الكبير غير مجرى حياتي كلها. لقد فتح عيني على أشياء لم أكن أعرفها عندما كنت شاباً غراً وهو في عز الكهولة والنضج والعطاء.

وقد كان كوكتو الشخص الأكثر نشاطاً ممن تعرفت عليهم في حياتي. ولم يكن سعيداً إلا عندما كان يشتغل ويبدع وينتج. لقد كان إنساناً مليئاً بالحياة ومقبلاً عليها بكل جوارحه.

ولكن عندما حصلت له أول أزمة قلبية شعر بأن الموت أخذ يقترب منه ويهدده. وعندئذ أصبح هاجسه الأول. وراح يحتل مكانة كبيرة في أعماله الأدبية والمسرحية. وقد نصحه الأطباء بعدم التدخين والشرب بعد الآن. بل منعوا عليه ذلك منعاً باتاً.

ولم يكن من السهل عليه اطاعتهم. ولكنه رضخ للأمر الواقع مرغماً. وعندما مات في نهاية المطاف طلب بأن تكتب على قبره العبارة التالية: سأبقى معكم!

وأما عن داليدا فيكتب المؤلف قائلاً: كنت أحب داليدا كثيراً وأقدرها. فقد كانت شابة، لامعة، جميلة، آتية من بلاد الشمس والشرق: من مصر الدافئة. وقد كرست حياتها كلها للأغنية. وبعد أن هاجرت إلى فرنسا أصبحت تدريجياً ملكة الأغنية والموسيقى الشعبية عندنا. كانت داليدا تحكي في أغانيها قصص الحياة اليومية، أي قصصنا جميعاً. وكانت ترفع أناشيد خالدة للحب.

وقد أحبت داليدا حتى ماتت من الحب. ربما لم يخلد أحد الحب في قصائده وأغانيه مثلما خلدته داليدا. كانت مثالية كالشمس المشرقة، كالربيع الضاحك، كالخريف الحزين. ثم ذهبت داليدا قبل الأوان ككل أولئك المثاليين الذين يبحثون عن شيء لا يجدونه، شيء يتعالى على كل الأشياء..

وهذا الشيء كان له اسم واحد فقط: الحب بالمعنى المثالي والمطلق للكلمة، لقد انتحر من اجلها العشاق وانتحرت في نهاية المطاف من أجلهم بعد ان غصت بذكراهم.. تحية الى داليدا الفنانة الرائعة والإنسانة التي لا تضاهى.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وعلى الرغم من انها كانت محاطة بحب أمها وأخيها وعائلتها إلا أنها كانت دائماً في حالة بحث على الحب الكبير، الذي لا تشوبه شائبة. وكان لها بيت جميل واسع في حي «الو غارتر» بباريس.

وأصبح بيتها ملجأ لكل المهجورين، أو المعذبين في الحياة، وكانت تعزيهم وتواسيهم وتضمد جراحهم، وكانت تخاف من الشيخوخة كمعظم الفنانين وربما لهذا السبب انتحرت وهي في الخمسين لكيلا تصل إلى شتاء العمر، لقد كنا أصدقاء، وكنا نلتقي غالباً، وقبل ان تموت بثمانية أيام فقط كانت تتعشى عندي في المطعم الذي أمتلكه وسط باريس.

وقد عبرت لها أثناء السهرة عن إعجابي بالفيلم الذي عملت فيه مع يوسف شاهين، فقد لعبت دوراً رائعاً في ذلك الفيلم، دور المرأة المأساوية والتراجيدية، وكانت من أعماقها مفجوعة فخرج الفيلم حقيقياً ناصعاً مقنعاً.

لم تكن داليدا تمثل دوراً في فيلم يوسف شاهين وانما كانت تستذكر حياتها الفجائية منذ البداية وحتى النهاية لكي تعيشها في الفيلم. وبعد ان عبرت لها عن إعجابي ردت علي وعيناها سارحتان في المدى البعيد، أنت لطيف يا جان كلود، أنت لطيف.. ولكن هل كانت حقاً معي داليدا في تلك السهرة؟

أم أنها كانت تفكر في الرحيل عن هذا العالم الذي خيب آمالها؟ من المعلوم انها وضعت حداً لحياتها بعد أسبوع من لقائنا، وبالتالي فقد كان اللقاء الأخير بيني وبينها.

ثم كررت لها إعجابي وقلت: انك تبتدئين حياة جديدة يا داليدا، فبعد حياة الطرب والغناء، ها أنت تدخلين عالم السينما وتنجحين بكل جدارة. ولكنها نظرت إليّ بحسرة، نظرت إليّ نظرة غامضة لم أفهم سرها إلا بعد أن سمعت من الراديو نبأ وفاتها، كانت داليد قد قررت الرحيل عن هذا العالم وهي معي من دون أن أعرف ذلك، ليتني عرفت لكي أفعل شيئاً ما، لكي أنقذها.

لقد رحلت داليدا نحو تلك الشمس السوداء الحارقة التي تعمي البعض وتعطي للبعض الآخر سلام الله الأبدي. تحية إلى داليدا: المرأة التي غنّت للحياة، والحب، والحرية.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن مطرب كبير أيضاً هو شارل ازنافور ويقول: لا أستطيع أن أتحدث عن الأغنية من دون أن أذكر اسم صديق عزيز عليّ هو المطرب الكبير شارل ازنافور. وقد كان مثل داليدا من أصل أجنبي. لقد فتح باريس وفرنسا بعبقريته الغنائية وصوته الذي لا يضاهى وهو الغريب القادم من بلاد الأرمن.

وقد تعرفت عليه عندما كان لايزال مغموراً لا يعرفه أحد تقريباً. وكان آنذاك في عهدة المطربة الشهيرة إديث بياف التي تعتبر أم كلثوم فرنسا، وهي التي رعته وحمته حتى تفتحت موهبته وانطلق بجناحيه ولم يعد بحاجة إلى أحد.

وقد تعرفت عليه منذ عام 1943 عندما كانت باريس لا تزال تحت نير الاحتلال الألماني، ثم تابعت بداياته الصعبة في صالات الغناء. وما كان أحد يتوقع أن هذا الأرمني الصغير الذي لا يزيد طوله على 150سم سوف يصبح أحد نجوم الغناء على الصعيد العالمي. وهناك ميزة لشارل ازنافور بالقياس إلى غيره من الفنانين والمطربين وهي:

انه مخلص لزوجته وأطفاله ولا يتنقل من امرأة إلى امرأة كما يحصل عادة في أوساط الفنانين، وهو يهتم بعائلته كثيراً، لأنه ذاق طعم الألم والحرمان والفقر عندما وصل إلى باريس في أوائل العشرينات من القرن الماضي مع أبيه وأمه واخته، وككل مهاجر فهو يفعل المستحيل لتجنيب عائلته مرارة الفقر مرة أخرى. كما انه أصبح أخيراً سفيراً فوق العادة لجمهورية أرمينيا التي ناضل من أجلها كثيراً.

الكتاب: نسيت أن أقول لكم..

الناشر: ايكس ـ أوـ باريس 2005

الصفحات: 397 صفحة من القطع الكبير

J'AI OUBLIE DE

VOVS DIRE

JEAN - CLANDE BRIALY

X - O ED:HONS - PARIS 2005

X -

طباعة Email
تعليقات

تعليقات