العملاق

العملاق

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور نيال فيرغسون الأستاذ في الجامعات الإنجليزية والأميركية. فقد درَّس علم التاريخ في عدة جامعات كبرى كجامعة أوكسفورد وكامبردج وستانفورد ونيويورك قبل أن يستقر به الأمر مؤخراً في جامعة هارفارد. والبروفيسور فيرغسون ينتمي إلى النخبة المثقفة في العالم الأنغلوساكسوني.

وهو لا يتردد عن المشاركة في البرامج التلفزيونية أو حتى إدارتها بشكل ناجح ومنقطع النظير، فقد أصبح أحد نجوم التلفزيون مؤخراً، وهو يعتقد أن المشاركة في البرامج التلفزيونية لا تؤثر إطلاقاً على بحثه العلمي أو الأكاديمي الرصين، بل ويقول بأن على المفكر أن يبسط نظرياته العويصة والمعقدة لكي يفهمها أكبر قدر ممكن من البشر، فهي لم تخلق فقط للعلماء والباحثين الاختصاصيين.

ولكن الأكاديميين الآخرين يخالفونه الرأي ويعتقدون أن البحث العلمي ينبغي أن يظل بعيداً عن الأضواء لكي يبقى رصيناً ويحافظ على مستواه ومصداقيته، مهما يكن من أمر فإن البروفيسور فيرغسون كان قد نشر عدة كتب مهمة قبل هذا الكتاب الجديد الذي نستعرضه.

نذكر من بينها: مصرف العالم: تاريخ عائلة روتشيلد (1995)، شفقة الحرب، أو تفسير الحرب العالمية الأولى (1998)، الأوراق المالية المترابطة: النقود والسلطة في العالم الحديث 1700 ـ 2000 (2001)، ثم نشر بعدئذ كتاباً نال شهرة عالمية فوراً.

وكان بعنوان: صعود النظام البريطاني العالمي وموته والدروس المستخلصة منه من أجل تشكيل قوة عالمية جديدة (2003). لقد أصبح هذا الكتاب من أكثر الكتب مبيعاً في إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية. وعلى إثره استطاعت أميركا أن «تشتري» صاحبه من الجامعات الإنجليزية عن طريق تقديم راتب ضخم له.

وعلى إثره أصبح المؤلف نجماً عالمياً تتصارع عليه كل الجامعات الكبرى والشبكات التلفزيونية العالمية، ويُقال إنه حقق أرباحاً خيالية بفضل ذلك.

ويبدو أن دور نشر «بنغوين» الشهيرة دفعت له مقدماً مبلغ مليون وثلاثمئة ألف دولار لكي ينشر عندها كتبه الثلاثة المقبلة! وقد استخرج من كتابه هذا بضع حلقات تلفزيونية ألهبت حماسة إنجلترا كلها. فهو بارع في عرض نظرياته على شاشة التلفزيون.

ثم نشر أخيراً هذا الكتاب الجديد الذي يربط فيه بين صعود الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، وصعود الإمبراطورية الأميركية في القرن العشرين وحتى اليوم.وهو موضوع ضخم يندرج ضمن فلسفة التاريخ.

إنه يطرح أسئلة كبرى من نوع: كيف تتحول دولة ما إلى إمبراطورية؟ كيف تصعد في سلّم القوة والجبروت حتى تصبح قوة عظمى؟ ثم كيف تتفكك وتنهار بعد أن تكون قد سيطرت على العالم فترة طويلة من الزمن؟ بمعنى آخر: ما هو قانون صعود الإمبراطوريات وهبوطها؟

هذه هي الأسئلة التي يطرحها البروفيسور فيرغسون ويحاول الإجابة عنها. وبالطبع فهو يفعل ذلك وأمامه نموذج الإمبراطورية البريطانية التي انتهت فصولها الآن. وبالتالي فقد أصبح قادراً على أن يفهم كيفية صعود الإمبراطوريات وسقوطها من خلالها: أي من خلال دراستها كنموذج يُحتذى.

وهو يدرس الإمبراطورية الأميركية من خلال هذا المنظور الواسع: أي على ضوء الإمبراطورية البريطانية التي سادت وماتت. ومن خلال المقارنة بين كلتا الإمبراطوريتين يحاول أن يستكشف آفاق الإمبراطورية الأميركية ومتى سيكون انحدارها أو سقوطها يا ترى؟وذلك لأن التاريخ يعلمنا أنه لا يمكن لأية إمبراطورية أن تهيمن على العالم إلى الأبد.

فكل الإمبراطوريات الكبرى التي تعاقبت على التاريخ ماتت وزالت من الإمبراطورية الفارسية، إلى الإمبراطورية البيزنطية والرومانية، إلى الإمبراطورية العربية الإسلامية، إلى الإمبراطورية الاسبانية، إلى الإمبراطورية الفرنسية، إلى الإمبراطورية الإنجليزية.

والآن جاء جور الإمبراطورية الأميركية التي ستسود فترة من الزمن ثم تزول حتماً. وقد تحل محلها الإمبراطورية الصينية كما يتوقع الكثيرون.

ثم يردف المؤلف قائلاً: إن ما ابتدأته الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر تحاول الإمبراطورية الأميركية أن تكمله اليوم. وفي رأيي أن هاتين الإمبراطوريتين كانتا طيبتين وتريدان الخير للبشر. فهما اللتان نشرتا الفلسفة الليبرالية والحرية الاقتصادية في شتى أنحاء العالم. وهما اللتان نشرتا الحرية والديمقراطية ودولة القانون والحقوق والمؤسسات.

ثم يردف هذا المثقف الاستفزازي قائلاً: واليوم أكثر من أي وقت مضى نلاحظ أن العالم بحاجة إلى إمبراطورية مهيمنة لكي تستقر الأمور في ربوعه. وبالتالي فوجود الإمبراطورية الأميركية بعد الإمبراطورية الإنجليزية يشكل ضرورة قصوى لتوازن العالم.

وهذا ما عبّرت عنه مادلين أولبرايت عندما كانت وزيرة لخارجية أميركا عندما قالت: إن الولايات المتحدة هي الأمة الأساسية والضرورية التي لا بد منها للعالم. ولولاها لاختلّ توازن العالم ولانتشرت الفوضى فيه من أقصاه إلى أقصاه.

ولكن المشكلة هي أن الآخرين يشتكون من هذه الهيمنة المفرطة ولا يشاركون المؤلف رأيه هذا. فأميركا تستخدم قوتها لتحقق مصالحها غير عابئة بمصالح الآخرين. وكذلك فعلت «أمها» إنجلترا قبلها. يُضاف إلى ذلك أن الاستعمار لم يكن طيباً ولا جيداً مع الشعوب التي أخضعها. هذا أقل ما يمكن أن يُقال.

وبالتالي، فعن أي طيبة يتحدث المؤلف وعن أي خير؟ لا ريب في أن الهند تبنت النظام الديمقراطي بفضل الإنجليز، وأصبحت أيضاً دولة محكومة من قِبل القانون عندما قلّدتهم في أسلوب الحكم. وهذا شيء إيجابي.

ولكنها عانت كثيراً من هيمنتهم وتسلّطهم على ثرواتها ومقدراتها. وقل الأمر ذاته عن العالم العربي وإفريقيا السوداء وبقية المناطق الأخرى. فاحتلال فلسطين حصل في عهد الإمبراطورية البريطانية، ولولاها لما حصل تشريد شعب بأكمله من بلاده.

والواقع ان أطروحات البروفيسور فيرغسون تمثل النسخة البريطانية من أطروحات المحافظين الجدد السائدة في واشنطن حالياً.

وهذا ليس مستغرباً، فالعلاقة بين الإنجليز والأميركان كانت دائماً على مدار التاريخ، بل ان المحافظين الجدد أنفسهم يعلنون صراحة تبعيتهم لفكر ونستون تشرشل، ومعلوم انه كان من أكبر المدافعين عن الإمبراطورية البريطانية والتوسع الاستعماري في الخارج.

ولكن المؤلف يبدو أكثر مهارة وذكاء من المحافظين الجدد، فهو يركز أيضاً على نقاط الخلاف بين الإمبراطورية الأميركية والإمبراطورية الإنجليزية، فعلى الرغم من أوجه التشابه الكبيرة بينهما إلا أن أوجه الخلاف لا يمكن إهمالها، وأولها بحسب رأي المؤلف هو أن الإمبراطورية البريطانية كانت تصدّر الرجال والرساميل إلى الخارج، هذا في حين ان الإمبراطورية الأميركية تستورد الرجال والرساميل في آن معاً. فهي بلد مشكل من المهاجرين القادمين من مختلف أصقاع الأرض.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد خرج خمسة عشر مليوناً من الإنجليز من انجلترا وذهبوا للاستيطان في المستعمرات البعيدة. وبالتالي فالهجرة كانت من الداخل نحو الخارج وليس العكس.

وفي الوقت ذاته أصبحت بريطانيا «بنك» العالم كله، فكل فلوس الأرض تقريباً كانت مودعة في مصارفها، عندما لم تكن الشمس تغرب عن إمبراطوريتها، وبالتالي فكانت تدين الآخرين وتصرف عليهم.

وأما الولايات المتحدة فلم يغادرها اليوم إلا أربعة ملايين من الأميركان للاستيطان في الخارج كمدنيين أو عسكريين، وهم الذين يديرون شؤون الإمبراطورية ويسهرون على مصالحها ويدافعون عنها في زوايا العالم الأربع.

ولم تعد أميركا «بنك العالم» كما كانت عليه الحال بالنسبة لانجلترا، فهي التي تستورد أو تستعير الفلوس من الآخرين ولا تعيرهم، ومعظم فلوسها آتية من البنوك الآسيوية والعربية أيضاً. هذا بالإضافة إلى ثرواتها الطائلة بالطبع.

ولكن الفرق الأساسي بين إمبراطورية انجلترا في القرن التاسع عشر وإمبراطورية أميركا اليوم ذو طبيعة أخلاقية لا مادية، فانجلترا كانت تفتخر بأنها إمبراطورية تهيمن على العالم، وكانت تتصرف على هذا الأساس ولا تجد أي حرج أو عار في ذلك.

أما أميركا فإنها تخجل من كونها إمبراطورية ولا تريد أن تتحمل مسؤولية ذلك صراحة، أميركا لم تكن أبداً دولة استعمارية في تاريخها، على عكس انجلترا، ولكن البروفيسور فيرغسون يقول ان أميركا منذ نشأتها دولة توسعية وإمبراطورية، فلماذا ترفض إذن أن تتحمل مسؤولية ذلك؟ لماذا لم تقدم نفسها علناً كدولة إمبراطورية؟

فالآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية كانوا يحلمون بالعظمة والجبروت، وكان بنيامين فرانكلين يقول ان الله زوّد الشعب الأميركي برسالة إلى البشرية، وان هذا الشعب ذو قدر ساطع وخاص لا مثيل له، وبالتالي فعليه أن يعلم الشعوب الأخرى ويكون قدوة لها.

وأما توماس جيفرسون فكان يتحدث عن أميركا ويقول انها إمبراطورية الحرية، وقد أسس المدرسة العسكرية لتخريج الجنود والضباط من أجل فتح مناطق الغرب الكبير داخل أميركا والتي لم تكن قد فتحت بعد، وبالتالي فتاريخ أميركا كله توسع وتصاعد في سلم القوة والجبروت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.

ولكن المؤلف يبدو أكثر هجومية من بوش والمحافظين الجدد عندما يقول: على أميركا أن تمارس قوتها في وضح النهار كدولة إمبراطورية عظمى، عليها ألا تخشى من نعت الآخرين لها بالاستعمار والامبريالية، فهذا ليس عيباً، ولكن الخطأ بحسب رأيه ليس في القيادة الأميركية وإنما في الشعب الأميركي نفسه، فالشعب هو الذي يرفض التضحيات في الخارج، وهي تضحيات ضرورية من أجل بناء أية إمبراطورية.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلاً: لقد لزم ثلاث سنوات حرب في فيتنام وسقوط أكثر من ثلاثمئة ألف قتيل لكي يتحرك الشعب الأميركي ويطالب بعودة جنوده إلى أرض الوطن.

وأما اليوم فلم يلزم إلا ستة أشهر من الحرب في العراق وسقوط ثلاثمئة قتيل في صفوف القوات الأميركية لكي يتحرك الشارع ويطالب الرئيس بوش بإنهاء الحرب وإعادة الجنود إلى عائلاتهم.

الكتاب: العملاق

صعود الإمبراطورية الأميركية وسقوطها

الناشر: بنغوين بوكس ـ نيويورك 2005

الصفحات: 386 صفحة من القطع الكبير

OLOSSUS

THE RISE AND FALL OF THE AMERICAN EMPTRE

NI ALL FERGUSON

PENGUIN BOOKS NEW YORK 2005

p.386

طباعة Email
تعليقات

تعليقات