مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور «فرانسوا برنار هيج» الذي يدرس ويدير منذ أعوام أبحاثاً حول استراتيجية الإعلام، والذي يعمل في حقل الدراسات حول التقاطع بين تقنيات الإرسال وبين الثقافة، ويمارس توضيح وكشف ما تبثه وسائل الإعلام من محتويات للجمهور.لقد كتب «هيج» عدة مؤلفات منها:

الايديولوجيا الرخوة (1987)، صور العالم (1999)، تاريخ الأسرار (2000)، العدو في عصر الرقميات (2001)، الشاشة/العدو (2002)، الحرب العالمية الثانية، القتل والإقناع (2004) إلخ..يتطلب الوعي من السلطة الرمزية لوسائل الإعلام الحديثة رؤية استراتيجية لها تطرح إشكاليات متعددة: ما الذي نعتقده؟ بأية أقنية تفرض الأفكار اليوم نفسها؟ كيف يتطور الوسط الإعلامي وما هو دوره؟

وكيف يتم استخدام الوسائل التكنولوجية للاتصال؟هذا ما يقود الكاتب إلى تناول «100 مصطلح» يسود الميدان الإعلامي تحليلاً وتوضيحاً ونقداً.

وبطبيعة الحال فإن هذه المصطلحات ما زالت مثار نقاش في فهمها وتأويلها، لكن المهم في ذلك هو مساعدتها حتى لا تفرض سلطانها علينا، وحتى نكون على بينة من العالم الإعلامي الذي نعيشه.في الفصل الأول يطرح الكاتب مسألة «الكيفية التي تُروّج بها الأفكار» سيما وأن هذا الترويج أصبح مختلفاً بطبيعته ووسائله عما كان الأمر في الماضي.

وربما ان الكيفية هذه لا تهم لأول وهلة وكأنها أمر مفروغ منه، إلا أن ذلك يعني تجاهل أن أية فكرة تشكل «لا مرئياً»، وأن مسارها هو الذي يجعلها تطفو على السطح وتصبح معروفة لدى الجميع، وأنها لا تستطيع العمل على تغيير الواقع إلا بعد انتشارها فيه.

فمن أجل أن تتغلب فكرة ما على الزمن وعلى المعاني وعلى الذهنية فإن عليها أن تتحرك وأن تستمر في حركتها، وأن تجد لها مكاناً في الذاكرة والاهتمامات، وأخيراً أن يتم تناقلها عبر وسائط تشكل وسائل الإعلام الحديثة إحدى دعاماتها الاستراتيجية الأساسية.

تكفي الإشارة في هذا إلى أن «المفكّرة» حيث تسجل المواعيد والتي أعطت تعبير «أنت على المفكرة» أي «انك في البرنامج» هي التي تحدد من يناقش، وما هو موضوع النقاش، ومتى، ومع من، في الحلقة الإذاعية أو التلفزيونية.

هكذا فإن المفكرة «تعني استراتيجية لا مباشرة» لما تريده الوسائل الإعلامية، وذلك بغض النظر عن نوعية أو موضوعية المواضيع المختارة. بحيث إن هذه الوسائل لا تقوم بترويج الأفكار وحسب بل وصنع الواقع، لماذا؟ لأنها هي التي تقرر ما هو دالّ وملح بما يجعلها تخلق لولب الانتباه.

والاهتمام (بقدر ما يتم الحديث عن أمر ما بقدر ما أنه هام، بقدر ما يتم الحديث عنه). ولكن هذا لا يتم بحد ذاته إلا بخلق لولب آخر من السكوت على قضايا أو مواضيع أخرى يُلقى الظل عليها، وهي كذلك فإنها تدخل في حالة التعتيم حولها «مثلاً، هل يعرف الجمهور أن الإرهاب قد أسفر عن ضحايا في الهند أو في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان في العقد الأخير؟ ولكن من يتحدث عن ذلك؟

بمعنى آخر فإن البرنامج الإعلامي هو الذي يقوم «بصنع أحداث» على حساب أحداث أخرى ويحاول تثبيتها في الأذهان محولاً بذلك انتباه واهتمام الجمهور وما يجب أن يفكر به.

وإذا كان «الاتصال» يعني المشاركة وتحقيق الصلة بين الأفراد وإعطاء معنى للرسائل المتبادلة فيما بينهم والوصول إلى تأويل مشترك للواقع، فإن الوسائل التكنولوجية الحديثة تتجه لأن تجعل منه ـ أي الاتصال سبيلاً للتأثير على الآخر باتجاه سلوك محدد وعياً أو شعوراً أو استهلاكاً للسلع المادية منها والثقافية.

وبهذا فإن «السلطة الاتصالية» قد تبدلت مع الثورة الاقتصادية والتكنولوجية لأنها تعمل على احتواء الإعلام والثقافة بل وامتصاصهما حسب نموذج يستلهم النموذج الأميركي، وبما يدفع البعض إلى التحدث عن «طغيان الاتصال الجديد».وفي هذا الواقع يتناول الكاتب مصطلحي «الايديولوجيا والمثقفين».

فالايديولوجيا سواء أكانت منظومة أفكار أم شعارات تبسيطية تشكل رؤية وتفسيرات للواقع بل وإملاءات لما يجب أن يكون عليه. ونشر أية أيديولوجية كانت ولأي مجموعة كانت وضد أية مجموعة أخرى كانت، تفترض توسطات لها وأدوات لتعميمها.

وفي المجتمعات الغربية فإن هذه التوسطات والأدوات تدعى بالمثقفين ووسائل الإعلام الذين يرتبطون أكثر من غيرهم بعلاقة وثيقة مع الايديولوجيا، بل ان الكاتب يقول إن مبرر وجود المثقفين والوسائل الإعلامية يكمن فيما يكمن به في جذب واستقطاب انتباه المواطنين وعلى إعطاء أحكام على الواقع والعالم.

وحيث توجد أجهزة «ثقيلة» فالكنيسة والجيش والحزب السياسي، والتي تعمل على إدخال الناس في عقائدها الجاهزة؛ فإن المثقفين ووسائل الإعلام تعمل هي من جانبها على تناول الأحداث الجارية واحتوائها في إطار من التفسير والتأويل رابطة بذلك الايديولوجيات بالحاضر ووقائعه (على الأقل فيما يتعلق بالمجتمعات الغربية).

وإذا كانت سمة للمثقف تعطي لصاحبه الحق في إبداء وجهات نظره حول أحداث الساعة وان يظهر على الشاشة التلفزيونية أحياناً، فلقد برز اليوم نمط «المثقف الإعلامي» الذي يعبر عن رأيه الشخصي استنكاراً أم إدانة أم مطالبة حول ما يجري، بحيث إننا أمام «سلطة إعلامية ـ ثقافية» مع الوسائل الاتصالية الحديثة.

هذا ليس بعيداً عن «الدعاية» أي عن تقنيات حمل الناس على الاعتقاد بشيء ما من خلال مذهبتهم وتجنيدهم حول عقيدة ما دينية كانت أم سياسية بقصد السيطرة عليها. وبهذا فإن الدعاية تعني من جهتها «الحرب الإعلامية» أيضاً لاكتساب المزيد من الأنصار وتسعير الكراهية للآخر وبالتالي ربط فرد أو جماعة ما بدولة أو حزب أو مذهب وصولاً إلى خلق أعداء داخل وخارج البلاد.

ولهذا تتبع الدعاية كاستراتيجية في السيطرة طرائق أبلسة الآخر وتفسير كل شيء بسبب واحد، وانتهاج طرح الآراء الجاهزة، وحشو الأدمغة، وتفعيل المشاعر العاطفية والتضامنات العصبوية، وتصوير الأخر كمجموعة من الاعتقادات والرموز والمبادئ التي يمثلها كالعرب أو الصرب.. وتصويره مصدر التهديد والشنائع والشرور.

وكمثال على عدوى الأفكار يتناول الكاتب «العولمة الأخرى» في عصرنا الراهن والتي تقدم نفسها مشروعاً مضاداً للعولمة الليبرالية. إنها تهدف إلى نزع النقاب عن الوهم الليبرالي لدى الشعوب، الوهم الذي ينتجه السوق والربح والأنانية وإمكانية وحيدة لتنظيم العالم وسيره.

إن مفعول «العولمة الأخرى» يكمن في الحقيقة في أنها تشكل نوعاً من «يوتوبيا جديدة» لإقامة مجتمع دون عنف ودون استغلال ودون أنانية، تتحقق فيه المساواة ويعم فيه التضامن ويضمن التنوع في حياة الشعوب والتعايش مع الثقافات.

وفي المقابل فإن الليبرالية، الجديدة تشكل جزءاً من الأفكار السريعة العدوى اليوم. فهذه الليبرالية التي عرفتها أعوام 1970 ـ 1980 قد تصاعدت بسبب ما حصل من ضمور الخطوة النظريات الماركسية منها أو الاشتراكية الديمقراطية أو الكينزية.

لقد انطلقت بوجه عام من انحسار إعادة بناء عقلانية للمجتمع والعالم ويشكل انتصارها بمفارقة انتصاراً على السياسة بطرائق سياسية إذ إنه فرضت نفسها بأسلوب «شبه بلشفي في الاستيلاء على الدولة وعلى جهازها الأيديولوجي، حسب تعبير الكاتب، مستخدمة بذلك مؤسسات عالمية للدول من أجل سيطرتها كـ «البنك الدولي»، و«المصرف العالمي الدولي»، و«منظمة التجارة الدولية» ومستخدمة ترسانات الأجهزة الإعلامية الدولية للنفاذ إلى العقول أيضاً.

وإذا ما نظرنا عن كثب نجد أن هذه الليبرالية متواكبة مع العولمة الأميركية التي تشكل لدى بعض الباحثين نقطة انغماس بين المجتمع المعولم وبين المجتمع التوليتاري. فتوسع السوق والأرباح هو وجه لتوليتارية أخرى تختص النشاط الإنساني وتنمط الحياة الإنسانية لمصلحة المردودية.

فكما ان النظم التوليتارية في القرن العشرين لم تكتف بسحق كل معارضة في وجهها (الأمر الذي يذكر بالأنظمة السلطانية الاستبدادية) وإنما أرادت خلق عالم جديد، وإنسان جديد، ونظام لا يمكن استبداله، كذلك فإن العولمة الجديدة تقود إلى القضاء على كل تنوُّع ثقافي، وعلى كل اختلاف في المعيشة، وعلى كل شكل من أشكال النظام الاقتصادي غير المربح.

إنها «التوليتارية الوديعة» للأغنياء عبر تهزيل الأنظمة الديمقراطية ومن خلال قولبة العقول وصنع الوقائع الدولية الإعلامية وعبر طرد الحقوق الاجتماعية للمواطنين وإعطاء الأسواق المالية سلطة قيادة المجتمعات.

إن السيطرة الإعلامية الاستراتيجية، حيث تتلاقى الأهداف السياسية والاقتصادية والثقافية من أجل إدارة العالم من قبل ومن أجل التكنولوجيا هي جزء من المعطى الدولي القائم، لماذا؟ لأن قوة أية أمة أصبحت تعني اليوم التحكم بالتدفق الإعلامي وامتلاك المعارف وإنتاج الصناعات الثقافية أكثر من كونها تعني امتلاك المناطق الجغرافية الواسعة.

إن هذه السيطرة الإعلامية الاستراتيجية تطرح إقامة مجتمع إعلامي ـ اتصالي خالٍ من النزاعات كما أراد «الماركسيون» في بعض البلدان إقامة مجتمع خالٍ من الطبقات والنزاعات الطبقية؟

ولكن ألا يشكل رد الفعل من النمط الإرهابي، أو من انتشار وسائل إعلامية عربية اليوم نوعاً من «سي.إن.إن» مضادة، أو ما نراه من مقاومة ثقافية للشعوب، تكذيباً لهذه السيطرة؟

إن ثقافة الشعوب ليست هي الثقافة التي تبثها وسائل الإعلام الحديثة، والمدعاة بـ «الثقافة الجماهيرية» التي تتحكم بها الصناعات الثقافية وآليات السوق الاقتصادية بوجه عام. فالواقع أن العالم يعيش «صدع الثورة الرقمية» لأن من يستخدم منتجات هذه الثورة هو النظام الذي أوجدها قبل غيره.

ولأنها ليست موزعة بشكل متكافئ بين الشعوب، ولأنها وبالرغم من إيجابياتها، فلقد خلقت علاقات قوة وتفاوت واسع بين من يمتلكها وبين من لا يمتلكها، بحيث أن حذف الحدود والمسافات والزمن لا يعني تحرك المعمورة إلى «قرية عالمية» مدموجة.

هذا ما يجعل الكاتب يتناول مصطلح «الإمبراطورية». فما يفرق بين الإمبراطوريات القديمة والإمبراطورية العالمية اليوم أمور عدة. الإمبراطورية الرومانية أو البيزنطية مثلاً قامتا بوجود مركز سلطوي وعاصمة محددة وتحققت كسيطرة أمة على غيرها من الأمم واستغلالها.

وقدرتها على إخضاع بقية الشعوب والأمم الأخرى بالقوة أو باسم أيديولوجية عليا، وهذه المرحلة كانت قد انتهت مع ظهور الدولة ـ الأمة الغربية القائمة على سيادة الشعب وحقوق المواطن والنظام الديمقراطي، الأمر الذي لم يمنع مع ذلك من استيلائها على مستعمرات خارجية.

واستخدام مصطلح الإمبراطورية اليوم بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية ليس جديداً ولا يتعلق بمعارضيها. فمنذ بداية القرن التاسع عشر، وجد تيار «الامبريالية التقدمية» في أميركا نفسه مستهدفاً بذلك جعل العالم ديمقراطياً (أي على شاكلة الولايات المتحدة). بمعنى آخر فإن قوة الدولة الأميركية والدفاع عن مصالحها وأسواقها ليس متنافياً مع انتشار الديمقراطية في العالم، إن لم يستلزمه.

والمحافظون الجدد انضموا إلى هذا التيار باتجاه خلق إمبراطورية أميركية عالمية لأن تفوقها يبرر ويتطلب «نشر الحرية» و«حماية الإنسانية من الإرهاب» واستتباب «الاستقرار في العالم».

فالمحافظون الجدد ينظرون إلى أنفسهم ومن دون أية عقدة كانت على أنهم ويلسنيون، أي بالعلاقة مع إرادة الرئيس الأميركي ويلسون على أعقاب الحرب العالمية الأولى في خلق عالم «ديمقراطي حر مسالم» بفارق أساسي وهو أن «ويلسون» كان يقول بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

الكتاب: فهم السلطة الاستراتيجية للإعلام

الناشر: ايرول ـ باريس 2005

الصفحات: 227 صفحة من القطع

المتوسط

COMPRENDRE

LE POUVOIR

STRATEGIQUE

DES MEDIAS

BERNARD -FRANCOIS HUYGHE

EYROLLES -PARIS 2005

P.227