الروائية الصينية الأميركية إيمي تان:

الكتابة حب من نوع آخر

يطل هذا المقتطف من حوار أجرته محررة «الغارديان» الأدبية مع الكاتبة الأميركية من أصل صيني «إيمي تان» بالتزامن مع صدور روايتها الأخيرة «إنقاذ السمك من الغرق» عن «دار بوتنام للنشر» في نيويورك.

حيث تطرق الحوار إلى توجهاتها وفلسفتها وتقنيتها الروائية الأخيرة. ذات مرة التقت، إيمي تان، برئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مارغريت تاتشر، كان ذلك في حفل عشاء أقامته السفارة البريطانية بواشنطن، تقول «لقد أتت إليّ، وكنت اصطحب كلبي الصغير فأخذت تلاطفه وتقول بلهجة بريطانية متكلفة (تان، أوه، إن روايتك شديدة الأهمية، شديدة الجرأة) .

وأخذت تردد العبارة نفسها مرات ومرات أما أنا فقد كنت أكرر شكري لها»، أضافت (لقد تأثرت كثيراً لدى قراءتي (الإوزات المتوحشات)). وعندما تبينت ذلك أخيراً وقلت لها، أجل، ألم تقم جنغ شانغ بمهمة رائعة؟

قالت:( أجل، لقد فعلت!) وبالطريقة البريطانية نفسها استمرت بيننا المجاملات ثم تداركنا الأمر سريعاً». إن تان، التي تكره باستمرار لقب «كاتبة ملونة»، تستقبل مثل هذه المواقف الطارئة بالمزيد من مشاعر الود.

حتى أنها تعبر عن ذلك بقولها «سواء كانت شانغ، أم ماكسين هونغ كنغستون، أم أريس شانغ، أو حتى، ليزا سي، التي لا تبدو صينية على الإطلاق، جميعهم يخلط بيننا باستمرار». في ثياب السهرة، تبدو، تان، متألقة إلى أبعد الحدود، مما يجعل مظهرها مختلفاً تماماً عما كانت تبدو عليه في المرة السابقة أثناء مقابلتي لها في شقتها بتشلسي، لندن.

وعلى الرغم من طول إجاباتها وعمق تفكيرها، وميلها إلى الغرابة هذه المرة. إلا أنها تتمتع بروح الجاذبية والمرح على نحو ما ينبغي لمؤلفة روايات رائعة مثل رواية «نادي السعادة والنجاح».

تكتب، تان، عن حياتها ونشأتها في أسرة صينية مهاجرة وصلت إلى أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، وبشكل أو آخر، استطاعت كل من براغماتيتها الأميركية وغرابتها الصينية، إضافة إلى ذلك المزيج الساحر من رقة المشاعر والروحانية، أن تضفي على أعمالها الروائية نوعاً من الرواج على المستوى العالمي.

بعيداً عن معاناة أمها من الكآبة، كانت أجواء السعادة تخيم على حياتها الأسرية إلى أن مات كل من أبيها وشقيقها، أحدهما تلو الآخر في غضون عام واحد، متأثرين بأورام في الدماغ ولم تكن قد تجاوزت بعد مرحلة المراهقة. كانت تلك الجرعة الأولى من الحظ السيّء. لكي تتوالى بعدها الأحداث السيئة، ويصبح الحظ الموضوع المتكرر في كل مقابلاتها. تخبرني تان، بتفاصيل غريبة عن حياتها.

توضح أنها لو كتبت رواية عنها فستكون أغرب من الخيال. ربما قال البعض بأنها عرضة للنكبات أو سوء الطالع، إلا أنها تعزو ذلك للحظ: «رغم أنني واجهت سلسلة من الأزمات إلا أنني خرجت منها سالمة في النهاية».

كرست تان حياتها من أجل البحث في الأنظمة العقائدية المتصارعة التي ورثتها من أبويها: المسيحية التي ورثتها عن أبيها، المعمداني، الذي كانت تهيم به، والمعتقدات الصينية والخيال المرضي اللذين ورثتهما عن أمها. تقول «كانت تهيمن بمعتقداتها على المكان. كانت لها أفكار غير معقولة تتمحور حول الكارما البوذية وتناسخ الأرواح والأسباب الكامنة وراء موت أبي وشقيقي في فترة زمنية متقاربة». والواقع أن أمها تهيمن على روايتها.

نظراً لاحتوائها على جرعة من المواعظ والحكم التي تدور حول الحب، والقضاء والقدر، واحترام الكبار الهادفة إلى ترويح النفوس، يرى بعض النقاد أن روايات تان تميل إلى ضعف المستوى.

وكان أحدهم قد استثنى هذه الأعمال على نحو يشير إلى الغطرسة على اعتبار أن تان «غير مبدعة»، أما هي فقد توقفت عن متابعة مراجعات الكتب بعدما كتب آخر يقول الواقع أنها مخطئة جداً باعتقادها أن حياتها ممتعة للغاية وأن الكل يرغب في قراءتها.

عندما رشحت روايتها «نادي السعادة والنجاح»، لجائزة، ناشيونال بوك وناشيونال بوك كريتكس سيركل، تمنى محررها الخاص التراجع في قائمة أفضل المبيعات لأن ذلك سيحول دون فوزها بالجائزة.

غير أنها لم تتراجع ولكنها لم تفز بالجائزة أيضاً. إلا أن هذه الرواية استطاعت أن توصلها إلى الشهرة الأدبية، بكل تأكيد. من حيث المستوى تقف تان جنباً إلى جنب مع كل من، الروائيين الأميركيين، ستيفن كنغ، وبربارا كنغ سولفر.

كما يمكن أن يضم إلى هذه القائمة، مات غروينينغ، مبتكر أفلام « عائلة سمسون » في حين أن تان نفسها كانت قد ظهرت كشخصية تمثيلية في إحدى حلقات المسلسل الذي تذهب فيه، ليزا، سمسون إلى أحد معارض الكتب لكي تلتقي بكتابها المفضلين.

بعد إتمام تان القراءة، ترفع ليزا يدها لتقول: «آنسة تان، إنني مغرمة فقط بالطريقة التي توضح من خلالها أعمالك الروائية العلاقة بين كل من الأم وابنتها».

وتجيبها تان: «لا علاقة لأعمالي بهذا الموضوع. هيا اجلسي. الواقع انني أشعر بالخجل تجاه كل واحدة منا». ومما وجدته تان ممتعاً أيضاً وجود، جون أبدايك، في تلك الاحتفالية، ولأنه كما يفترض لا يرغم على لعب دور في هذا المسلسل فقد ظلت الشخصية التي تمثله صامتة.

كان يوشك على التحدث عندما أسكته أحدهم قائلاً، «اسكت، يا أبدايك، اسكت». تضحك كما لو أنها المرة الأولى التي تستمع فيها إلى هذه النكتة. كانت تلك المرة الأولى كذلك التي لا تعترض فيها تان على تجسيدها «كملونة».

بخلاف ما يعرف عن ولعها الشديد بكتابة قصص تدور حول حياة أجدادها المنحدرين من أصول صينية، ربما اشتهرت تان على نطاق أوسع «بتوضيحها الذكي للعلاقة بين كل من الأم وابنتها». لكن لماذا لم تقرر كل من تان وزوجها الذين يعيشان معاً منذ أكثر من 30 عاماً عدم الإنجاب؟ تقول: «لم يكن القرار حاسماً في البداية.

كنت قد أرجأت التفكير في ذلك إلى وقت آخر. كنت أقول لنفسي، هل أنت بحاجة لأن تكرري نفسك جينياً؟ كانت الإجابة، كلا. هل تشعرين بأن زواجك لن يكتمل دون أطفال؟ كلا. هل أنت أنانية؟ ربما كنت كذلك.

على الرغم من أنني أعي الآن أنه لو كان لدي أطفال فإن من شأن ذلك أن يدخلني في تجربة نوع من الحب لا يمكن تحقيقه مع أي شخص آخر. إلا أنني عندما ألتفت إلى الماضي أتساءل، هل أشعر بالندم من أجل ذلك ؟ كلا. لأنني قادرة أيضاً على تجربة حب من نوع آخر من خلال الكتابة».

تضيف «لا يشترط أن تكوني خبيرة في الأمومة لكي تكتبي عنها، من يدري، قد لا تتسنى لك الكتابة عن هذه المشاعر بصدق، حتى لو كانت لديك ابنة. غير أن الصدق وحده هو ما يضفي على رواياتها تلك النكهة الأنثوية الكونية. فقد حققت رواية نادي السعادة والنجاح نجاحاً ملحوظاً في قائمة (كتب تحبها النساء)». وكما توضح ذلك: «هنالك الكثير من الأمهات. والكثير من البنات.

هذه هي الصورة التي يبدو عليها نصف العالم، في لحظة من اللحظات تقول جميعهن، أنهن لا يرتبطن بعلاقات طيبة مع أمهاتهن وأن هؤلاء الأمهات ربما رحلن في يوم ما عندها سيراودهن شعور رهيب يتعلق بعدم سعيهن إلى التعرف على أمهاتهن عن كثب».

رحلت أمها عام 1999، إثر معانات شديدة من مرض الزهايمر. ثم تلتها مباشرة صديقتها، فايث سيل، المحررة التي لازمتها فترة طويلة بعد معاناة صعبة من مرض السرطان. وعلى الرغم من فقدها أهم امرأتين في حياتها، إلا أن تان لا تزال قادرة على جعل الحياة تتمحور حولها هي، لا بالمعنى السلبي المرتبط بالتمحور حول الذات، وإنما من وجهة نظر واقعية.

أتت فكرة كتابة روايتها، «إنقاذ السمك من الغرق»، في أقل من ساعة من انشغالها بإتمام روايتها الرابعة «ابنة مجبر العظام» وانتقالها إلى نيويورك. وهو ما حدث بعد رحيل أمها مباشرة، عندما أصبحت تشعر بضرورة إعادة الجزء الأخير من الرواية.

أما تأخرها في إصدار هذا العمل فيعود إلى أسباب صحية.

توضح: «في سنة 2000 سيطرت عليّ هواجس، شعور قاتل بالخوف. كنت أفكر بسوداوية وكان يتراءى لي أن أحدهم كان يوشك على طعني من الخلف بسكين.

لم تكن لديّ الجرأة الكافية للخروج من المنزل بمفردي، ظل ينتابني شعور مستمر بالخطر وبقرب وقوع حادث رهيب».

إلا أنها شفيت وعلى الرغم من التأثير الجانبي للأدوية، إلا أنها كانت قادرة على إتمام الرواية.

حقائق عن إيمي تان

ـ ولدت إيمي تان عام 1952 في أوكلاند، كاليفورنيا، وهي روائية أميركية من أصل صيني.

ـ هاجر والداها إلى أميركا في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، تلقت تعليمها الأساسي في سويسرا حيث كان يتلقى كل من أبيها وشقيقها العلاج من مرض السرطان وأكملت دراستها في اللغة الإنجليزية وعلم اللغة في أميركا.

ـ بدأت حياتها العملية كمستشارة لغوية لأحد برامج تعليم الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة ثم محررة في مجال المال والأعمال.

ـ بدأت تان مشروعها الكتابي سنة 1985 بعد التحاقها بأحد برامج الكتابة الإبداعية.

ـ أول ما نشرته من أعمال قصة «لعبة النهاية» . صدرت روايتها « نادي السعادة والنجاح» سنة 1989 ورشحت لجائزتي، ناشيونال بوك، وناشيونال بوك كريتكس، إضافة إلى حصولها على جائزتي، كومونويلث غولد أوارد، وباي إيريا بوك ريفيوز.

ـ من أعمالها الروائية الأخرى «الحواس المئة السرية» (1995) «إبنة مجبر العظام»( 2001 ) «ضد الموت» 2003، «إنقاذ السمك من الغرق» (2005).

مريم جمعة فرج

طباعة Email
تعليقات

تعليقات