إنقاذ السمك من الغرق

إنقاذ السمك من الغرق

في روايتها السادسة «إنقاذ السمك من الغرق» الصادرة عن دار بوتنام أدلت للنشر في نيويورك، تفاجئ الروائية الأميركية «ايمي تان» قراءها بالابتعاد قليلاً عن موضوعاتها المألوفة التي تتمحور حول البحث في ديناميكية العلاقة بين الأم والابنة بتسليط الضوء على إشكالية مختلفة.

رواية « إنقاذ السمك من الغرق»، إطلالة فكاهية على ديناميكية السلوك الإنساني الجماعي والجمال والسياسة. في الوقت الذي يكاد البعد الأخلاقي أن يطغى على الأبعاد الأخرى.

بخلاف رواياتها السابقة التي تقع أحداثها في الماضي فإن رواية «إنقاذ السمك من الغرق»، تقع أحداثها في الزمن الحاضر، في بورما. تحتوي الرواية على قصة رمزية ذات مغزى أخلاقي، وهي تكاد تقترب في ذلك من « حكايات كانتربري » الشهيرة. أما تفاصيلها فتدور حول مغامرة 12 سائحاً أميركيا يفقد أثرهم على نحو غامض أثناء قيامهم بجولة سياحية في بورما.

وفي حين تبدأ فكرة القيام بهذه الرحلة في ذهن عضو بارز في مجتمع سان فرانسيسكو هي، بيبي شين، التي تقرر قيادة مجموعة من أصدقائها الأثرياء المثقفين المحبين للفن أثناء سفرهم إلى بورما لقضاء عطلة عيد الميلاد، تقتل هذه المرأة في ظروف غامضة قبل بدء الرحلة.

وبعد سلسلة من المشاحنات ينطلق الجميع بقيادة شخص يفتقر إلى الكفاءة ذاتها التي كانت تتمتع بها شين التي تقوم بدور الراوي. بوصول المجموعة إلى بورما يواجه أفرادها سلسلة من المتاعب الناجمة عن انعدام الخبرة والتبصر في عواقب الأمور.

لكي يقعوا في النهاية، أثناء توغلهم في الغابات الوعرة، في مصيدة الخاطفين دون أن يفقدوا الاعتقاد بأنه سيتم إنقاذهم بفضل إيمانهم الراسخ، في الوقت الذي يعتقد بقية العالم من حولهم أنهم قد فقدوا، أو ماتوا، أو أصبحوا رهائن في أيدي مقاتلين مناوئين للحكومة الأميركية.

لا شك في أن القارئ سيجد متعة حقيقية في هذه الحكاية الساخرة التي تقع لمجموعة من السياح الأميركيين في الخارج، لكي تبدو شبيهة بالهجاء الموجه إلى الإدارة الأميركية تجاه سياستها الخارجية المتخبطة. في حين يأتي اختيار تان لبورما بالنظر إلى ظروفها الطبيعية وتركيبتها السكانية والأخلاقية المختلفة وهو ما أرادت أن توصله لقارئها بأمانة.

تقول تان في إحدى مقابلاتها أنها استوحت العنوان الرئيسي لروايتها « إنقاذ السمك من الغرق»، من عبارة في كتاب إرشاد سياحي تستخدم لتوضيح المنطق الذي يبني عليه الصيادون البوذيون اعتقادهم بأن تجنب العواقب السيئة (الكارما السيئة) يحتم عليهم إخراج السمك من الماء، أو إنقاذه من الغرق.

ومما لا شك فيه فإن استخدام العبارة ينطوي على الكثير من المفارقة والمجازية ذات العلاقة بالإشكاليات والغموض. وتضيف بأنه على الرغم من تحريم قتل أي شيء في الدول التي تدين بالبوذية إلا أن هناك من يخترق المبادئ رغم معرفته الجيدة لها واضعاً لذلك تبريراً غير منطقي، وهو ما تعتقد أنه مألوف في أي مكان آخر من العالم.

وعلى الرغم من أن العالم مليء بالمحتاجين إلى المساعدة ، وإلى من ينقذهم من الكوارث الطبيعية والمشكلات الأخرى الصحية والسياسية والعسكرية، إلا أنه يتوجب على من يقدم المساعدة لهؤلاء، خاصة من الخارج، أن يتذكر أنه يضع نفسه أمام تحد أخلاقي، وإلا وجد نفسه في مأزق حقيقي لا يمكن الخروج منه.

وبالتالي ينبغي لنا أن نتساءل... ما الذي يمكنه أن يحدث عندما تخطيء نوايانا الطيبة أهدافها؟ ما الذي يمكنه أن يحدث إذا قتلنا الآخر بهدف تخليصه؟ أين يقع التزامنا الأخلاقي؟

إذا كان ما يميز رواية تان هذه المرة هو ملاحظة النقاد حول ابتعادها عن موضوع العلاقة الحميمية التي كانت تربطها بأمها على وجه التحديد، إلا أن الملاحظات التي تضاف إليها عديدة ومنها استخدامها الزمن الحاضر ما قد يوحي بأن نوعاً من التغيير ربما يكون قد طرأ على مشاعرها تجاه الماضي.

أما هي فترى كما يرد في تعليقها على هذه الجزئية أن الاثنين لا ينفصلان، الماضي لا يزال المكون الأساسي لما يتحقق في الزمن الحاضر والحاضر يستقي دروسه من الماضي.

«رغم أنني مغرمة بكليهما، في واقع الأمر. إلا أن ارتباطي بالماضي ليس ارتباطاً عاطفياً صرفاً. فرغم أن العاطفة موجودة، إلا أنها ليست السبب الذي يحملني على العودة إلى الماضي».

تشير تان كذلك إلى وجود إحالات إلى الماضي، حتى في هذه الرواية. هناك أشياء كانت تحدث في الماضي مثل هجرة الأفكار الفنية، والمعتقدات الدينية، خاصة ما يتعلق بالمعتقدات الروحية الصينية التي تسربت إلى بورما، البلد المعروف بتعلقه بالبوذية.

كما أن هناك معتقدات مسيحية هاجرت في الماضي بواسطة البعثات التبشيرية واختلطت بالمعتقدات الروحية. إن مثل هذا التأثير لابد من التطرق له إلى جانب ما تجسده بيبي التي تقوم بدور الراوي، أو الشخصية الرئيسية من ارتباط بالماضي وتأثيره في الحاضر.

بينما تقدم تان في رواية «إنقاذ السمك من الغرق»، شخصيات ملونة أميركية من أصل آسيوي أو آسيوية خالصة يلاحظ القارئ أن شخصياتها الرئيسية ليست كذلك، وأن بعضها من الرجال إلى جانب شخصياتها النسائية، وهو ما يمكن اعتباره تغيراً بالنسبة لروايتها، في حين تفضل أن تفسره هي من منظور مختلف تماماً هو أن طبيعة العمل الروائي هي التي تحدد شخصياته.

وقد أردت في هذه الرواية الوصول إلى صيغة روائية شبيهة بتقنية « حكايات كنتربري » التي تدور حول أحد عشر شخصية تقوم برحلة وفي أثناء سيرها تحكي كل واحدة منها قصة لكي تصل هذه الحكايات في النهاية إلى مسمع صاحب الحانة الذي يقوم بتجميعها.

في «إنقاذ السمك من الغرق»، تستعين تان ببعض عناصر الرواية الرومانسية، الناجحة وغيرها. كما تستعين ببعض عناصر رواية الجريمة والغموض، وبعض عناصر الواقعية السحرية، والكوميديا.

في الجانب الرومانسي منها هناك لحظات من التصادم وسوء الفهم ولحظات من التوحد والتكامل. في حين تكشف عناصر رواية الجريمة والغموض عن نفسها في حادثة مقتل شين المروعة التي تترك وراءها الكثير من الأسئلة. وهناك الأسطورة والغرائبية.

وعلى الرغم من أنه لا يمكن اعتبارها رواية سياسية، إلا أن رواية تان لا تخلو من البعد السياسي أو السياسي الاجتماعي على وجه التحديد. حيث تتبدى لقارئها أشياء مثل تسليطها الضوء على الهوة الثقافية والاقتصادية والسياسية الفاصلة بين الأميركيين من جهة والبورميين من جهة أخرى.

وعلى الرغم من أنها ليست رواية متحيزة للواقع، إلا أن لا تزال محتوية على شيء من الازدواجية. بدأت تان بكتابة روايتها سنة 2001، قبل اندلاع أحداث 11سبتمبر والحرب الأميركية على العراق. وحسب روايتها الشخصية فإن ما يمكن تأكيده هو «أن وجهة نظر العالم في الولايات المتحدة قد بدأت بالتغير منذ ذلك الحين».

لقد بدأ الآخرون بمساءلتنا حول نوايانا، هل هي نوايا طيبة تتضمن الخير للجميع أم لأميركا وحدها فقط؟ وبينما تنقسم بلادنا على نفسها من الداخل، أصبحت ترى أن الناس قد بدأوا بالتحيز تجاه هذه الجهة أو تلك مع بقاء قلة قليلة من الذين يحملون وجهة نظر معتدلة. أنظر كيف يختلف مفهومنا للحقيقة.

هل ننظر إلى الأشياء لمجرد أن نقر وجهة نظرنا؟ ربما كانت رواية تان الجديدة إطلالة فكاهية أكثر من أي شيء آخر. فهي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع المشكلات الصعبة التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية في وقتنا هذا. وهي من جهة أخرى الوسيلة الأضمن للفت انتباه القارئ المعاصر. تقول «الناس يقرأون من أجل المتعة والتسلية.

وهو جزء من مبررات القراءة بالنسبة لي». وفي روايتها تعترف، شين، أنها تفضل قراءة القصص الرومانسية، التي كانت تكتب في مرحلة ما قبل الاستقلال، وإن لم تكن تتضمن الحقيقة. بعكس ما يكتب اليوم من قصص الرعب المثيرة لمشاعر الخوف والقلق.

والواقع أن بعض هذه المشاعر التي تنتاب بطلتها هي في الأساس مما ينتابها أحياناً على الرغم من أنني أجبر نفسي على قراءة هذه النوعية من الكتب، إلا أنها هي التي تحرضني على قراءة الرواية الكوميدية، مثلاً، إنها الأعمال الوحيدة التي يمكن من خلالها تمرير موضوعات أخلاقية، واجتماعية، أو سياسية.

نبذة تاريخية عن حياتي المختصرة

يؤسفني أن أقول لكم إنها ليست غلطتي. لو أن أفراد المجموعة ساروا حسبما كان ينص عليه المخطط الأصلي للرحلة، الذي رسمته لهم دونما تغيير من قريب، أو بعيد، أو هنا وهناك، لو فعلوا ذلك لما وقعت هذه الكارثة. لكنهم لم يفعلوا، وها هم يدفعون الثمن.

كنت قد أطلقت على الحملة اسم «حملة اقتفاء آثار قدمي بوذا». وكان من المفترض لها أن تبدأ من الزاوية الواقعة إلى الجنوب الغربي من الصين، في مقاطعة يونان، بمشاهد من سلسلة جبال الهملايا وأزهار الربيع السرمدية ثم تكتمل فيما بعد شمالاً بالوصول إلى طريق بورما.

كان ذلك سيتيح لنا فرصة تتبع الأثر العجيب الذي تركته الثقافات الدينية المختلفة على الفن البوذي على مدى آلاف السنين وآلاف الأميال لاشك بأنها ستكون رحلة خرافية إلى الماضي.

وكأن تلك الإغراءات وحدها لم تكن كافية، فقد كنت أنوي القيام بمهمتي كل من المرشد السياحي والمعلم، لكي تكون للحملة قيمة أخرى تضاف إلى قيمتها الحقيقية. إلا أن حادثاً بشعاً وقع لي في الساعات الأولى من يوم الثاني من ديسمبر، قبل أربعة عشر يوماً فقط من مغادرتنا، لقد فارقت الحياة.

مقتطف من رواية «إنقاذ السمك من الغرق»

الكتاب: إنقاذ السمك من الغرق

الناشر: دار بوتنام ـ نيويورك 2006

الصفحات: 496 صفحة من القطع الكبير

Saving Fish from Drowning

Amy Tan

Putnam - N.Y 2006

P.496

طباعة Email
تعليقات

تعليقات