مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مصر والناقد الأدبي الذي أثرى المكتبة العربية بالعديد من الأعمال المتميزة والجدالية. والكتاب يأتي ضمن مشروع سلسلة كتب الفائزين التي تصدرها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية ويقوم على إعادة طبع أفضل كتاب لكل فائز بجائزة العويس.

وحسبما يشير المؤلف في تقديمه للكتاب فإن «آفاق العصر» يسعى إلى ما يعتبره ممارسة فعل الوعي النقدي في مجال من مجالات الفكر التي لا ينفصل فيها سؤال النقد الأدبي الخاص عن السؤال الثقافي العام ولا تتباعد فيها مساءلة الآخر عن مساءلة الأنا، أو تختلف فيها النظرة إلى الحاضر عن النظرة إلى الماضي.

أو يتناقض فيها الإيمان بخصوصية الهوية الثقافية مع الإيمان بالحركة الواعدة لنزعة الكوكبية الوليدة وذلك من منطلق البحث عن إجابات مغايرة وصياغة أسئلة جديدة تنبذ منطق التبعية والإتباع وتكشف عن المتحول لزحزحة جنادل الثابت انتماء إلى أفق واعد من آفاق العصر.

والهاجس الذي يسيطر على المؤلف من خلال موضوعات الكتاب هو أن ثقافتنا العربية تعيش لحظة تاريخية من لحظات التحول التي تتطلب حلولا استثنائية بذات القدر الذي تتطلب إعمال الخيال الابتكاري لرسم خارطة العهد الآتي.. ذلك العهد الذي تسعى إليه تيارات الطليعة من ثقافتنا التي تعاني في راهنها كل مشكلات التحول وهواجسه ومخاوفه وكوابيسه.

في سياق تناوله لسبل تفاعل الثقافة العربية مع ثقافة الآخر يشير الدكتور جابر عصفور إلى حيوية قضية الترجمة باعتبارها عملية تعرف وتفسير إعادة اكتشاف في آن، مشيرا إلى أنه ليس من المصادفة أن تزدهر هذه العملية المعقدة في اللحظات التاريخية لنهضة الأمة وتقدمها.

وفي إطار نظرته إلى الترجمة كوسيلة للتفاعل الحضاري يشير إلى أن الأنا التي تمتلئ بالرغبة في الخروج من عزلتها تتخذ من الترجمة نافذة تتطلع منها إلى العالم المتقدم الآخر ووسيلة للحوار معه.

ومن خلال مثل هذه العملية فإن هذه الأنا تعيد إنتاج صورة هذا العالم المتقدم بفعل الترجمة وتنقله من صورة الكيان المخيفة، الغريب الخطر الذي يتأبى على الفهم والذي يهدد الوجود، إلى صورة الموضوع الذي يمكن تفكيكه وتعرف أسراره والحوار معه، بما يقرب هذه الأنا من حلم مستقبلها الذي يرتهن بعلاقتها بهذا العالم.

ويعرض الدكتور جابر عصفور في إطار رؤيته بشأن الواقع الثقافي القائم والذي يستلزم التغيير لنزعة المركزية الأوروبية والتي تم مؤخرا خلخلتها، فقد كانت هذه المركزية تنبني على مركز يستبعد كل ما عداه إلى الأطراف في تراتب قمعي يعتمد على تأسيس تخيلي يطرح نموذجا وهمياً بوصفه النموذج الأكمل الذي يحل كل المشكلات ويواجه كل التحديات.

وتلازم هذه النزعة صيغة ثقافية تعتمد المونولوجية نغمة وحيدة الرجع تنفر من التعددية التي تتكافأ أطرافها وتستبدل بها نقيضها الذي يفرض المركز الأوروبي ويخلع الأهمية على هذا الطرف أو ذاك حسب درجة الامتثال إلى المركز الذي هو منبع القيمة.

وقد تجلى أثر هذه النزعة، حسبما يذكر في النقد الأدبي نوعا من أحادية المركز الذي انبسط ما بين أوروبا والولايات المتحدة في علاقة غير متكافئة بالعالم الثالث الذي ظل في موقع التابع طويلا ويأخذ دون أن يعطي، ويستهلك دون أن ينتج أو يسهم في الإنتاج.

وقد ظل هذا الوضع على هذا الحال إلى أن تغيرت علاقات القوى وأخذ التابع يعي بتبعيته فتمرد على وضعه واستهل ثوراته التحررية التي حلمت بالاستقلال وتطلعت إلى الانتقال من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية ومن أحادية المركز إلى تعددية المراكز.

ومن هذه الرؤية العامة ينتقل عصفور إلى تقديم رؤيته بشأن واقعنا العربي من خلال استعراضه لكتاب العروي بشأن «الأيديولوجية العربية المعاصرة» وهنا يشير المؤلف إلى أن البنية التسلطية لمشروع الدول القومية هي التي أدت إلى عرقلة التحديث الفكري والنمو الاقتصادي .

وانتهت إلى ما قامت به من أجله ودعت إليه وهو تحرير الوطن والمواطن، فهذه الدول التي تعمدت الانتقاء والتلفيق ساعية إلى تجسيد التناقض هي التي حاولت إقامة قشرة دولة حديثة مخالفة تمام المخالفة للذهنية العتيقة الموروثة التي ظلت قائمة تحت سطح القشرة الخارجية، الذهنية التي تجسدت في تسلطية الزعيم الأوحد وإلغاء التنوع وحق الاختلاف.

ويؤكد الدكتور عصفور في إطار الهدف العام من كتابه على الأهمية التي يحتلها الخيال في فتح الأفق طليقا أمام الوعي المتوثب وليؤكد قدرته على الخلق وإمكان إسهامه في صنع التاريخ. ومتسائلا حول ماذا جرى للخيال؟

يدعو إلى إعادة الاعتبار للخيال نظريا أو على الأقل رؤيته في ضوء جديد من حيث هو قدرة إنسانية على تحويل الغياب إلى حضور، والواقع إلى ممكن والموجود إلى غير موجود، مشيرا إلى قدرتنا بواسطة الخيال على تحويل الزمان والمكان اللذين نعيش فيهما إلى طراز إنساني واعد بالوجود المفعم بالحضور وتلك هي معجزة الخيال التي فتنت الفلاسفة والمبدعين.

وحسبه فإن غياب سؤال الخيال في خطابنا النقدي المعاصر وخطابنا الفلسفي بوجه عام شأن غياب سؤال المستقبل علامة على تحكم أنظمة تتشكل بها ثقافة لا تعرف الحلم أو المغامرة ولا تمارس التسامح أو الحوار وتخشى التجريب والاجتهاد وتستبدل الإتباع بالإبداع والتقليد بالابتكار والماضي بالمستقبل فتفقد قدرة الخيال على استنزال الغد الآتي بالنجوم الوضاءة على كفيه: الحرية والعدل والتقدم.

من الخيال يصحبنا الدكتور عصفور إلى المعرفة البينية الماثلة في تداخل كل دائرة من دوائر المعارف المختلفة مع غيرها تداخل يؤكد وحدة المعرفة الإنسانية في حضورها العلائقي الذي لا ينفي استقلال كل دائرة بحقلها النوعي الخاص. ويشير المؤلف هنا إلى أن مصطلح الدراسة البينية من المصطلحات المتولدة حديثا جدا نتيجة الثورة المعرفية المعاصرة .

وما يرتبط بها من تثوير جذري لتكنولوجيا الاتصالات وتبادل المعلومات فهو مصطلح حديث الولادة بالقياس إلى غيره من المصطلحات التي أخذت طريقها إلى الرواج المتوثب بالنظر إلى ما تحقق به من انجازات وواعد بما تؤكده دلالاته من إمكانات واحتمالات.

والفكرة التي يؤكد عليها من خلال استعراض هذا الجانب هو انتقاد الوهم الذي أشاعه من يسميهم دعاة أفكار النقد الجديد من العرب والذي مفاده أن دراسة الأدب ينبغي أن تستقل بنفسها استقلالا مطلقا يعزلها عن كل ما عاداها، مشيرا إلى أن الدراسات البينية المتتابعة تضيف إلى النظريات العلائقية المعاصرة كالبنيوية.

وما أشبه، ما يؤكد زيف هذا الفهم وبعده عن الصواب، مضيفا أن دراسة الأدب «النقد الأدبي» حقل مستقل من حقول الدراسة الإنسانية لكن استقلالها لا يمنع صلتها بغيرها أو صلة غيرها بها في مناطق التداخل أو مناطق التماس البيني.

وفي هذا السياق ينتقد الوضع القائم في جامعاتنا العربية بوجه عام وفي كليات الآداب بوجه خاص، مشيرا إلى أن واقع الحال يؤكد أننا نتعامل مع العلوم المختلفة على نحو تجزيئي يفصل كل علم عن غيره ويفصل مكونات العلم بعضها عن بعض ويفصل كل قسم عن غيره من الأقسام العلمية ويعزل كل كلية أو معهد عن غيرهما من الكليات والمعاهد.

وذلك على نحو تتحول فيه الجامعة إلى جزر منعزلة منفصلة لا علاقة بين كل جزيرة منها وغيرها، هكذا تحولت كليات الآداب إلى جزر لا علاقة بينها في أغلب الحالات وتحولت التخصصات إلى جزر أكثر عزلة وذلك على نحو يحسب معه دارس التاريخ أنه لا صلة بينه وبين دارس الأدب أو دارس الجغرافيا إلا صلة المجاورة المكانية بين الفصول والمكاتب.

ومن بين عيوب هذا الوضع أنه يدمر الجذر الأصلي الذي انبثقت منه الإنسانيات في وحدتها الأولى وهو وضع تساعد عليه بعض الأوهام المنهجية التي ما تزال شائعة في جامعاتنا العربية ومنها ذلك الوهم التقليدي الذي يرتب على ضرورة استقلال كل عالم بموضوعه ضرورة استقلاله بمنهجه.

ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى أفق آخر يتعلق بدلالات الخطاب مشيرا إلى أن تعدد الدراسات البينية التي يقع فيها تحليل الخطاب أدى إلى التكثر في مفاهيم الخطاب ومن ثم أدى إلى تعدد المناظير المنهجية في المقاربة وتعدد المداخل النظرية للمعالجة ذلك لأن العلوم المتفاعلة في المنطقة البينية التي يقع فيها تحليل الخطاب تسقط همومها الخاصة على المفهوم.

وتفرز من استراتيجياتها النوعية ما يتحول إلى عنصر تكويني من عناصره فيتصل تحليل الخطاب بالمجال النوعي لكل علم من هذه العلوم في الوقت الذي يصل العلم بغيره في شبكة العلاقات البينية التي يقع تحليل الخطاب في المركز منها.

ويخلص من تناوله لهذا الجانب إلى أنه إذا كان التقدم المتزايد لتكنولوجيا الاتصال يضع المعاني التقليدية للخطاب موضع المساءلة ويؤسس لتعقد مضاعف في المفهوم فإن هذا التقدم نفسه يلفت الانتباه إلى ضرورة وضع المعنى التقليدي للغة موضع المساءلة والبداية هي دلالة الاتصال نفسه الذي يظل في حاجة إلى دلالة إكمالية على الأقل، دلالة تضيف إلى المعنى الاتصالي للخطاب المعنى الأخر الذي يلازمه بالضرورة وهو الأداء.

وتحت عنوان «عمر من الموسوعات» يسرد لنا المؤلف جانبا من رحلته مع الموسوعات مشيرا إلى أن تعاقب الطبعات المنقحة لكل معجم من المعاجم الموسوعية فضلا عن كل موسوعة من الموسوعات الأدبية والنقدية يدل على تدافع المشهد الأدبي النقدي العالمي .

وتسارع إيقاعه في التغير والتحول وهو تسارع يفرض على المتابع لهذا المشهد قدرا من المرونة العقلية التي لا بد منها لاستيعاب التحولات المتلاحقة كما يفرض قدرا موازيا من التسامح الذي لا يفارقه الصبر على تغير المشهد.

ويشير إلى أنه اذا كان من المستحيل على الناقد أن يتابع ألاف الكتب الجديدة التي تصدر كل عام في مختلف أنحاء العالم وبمختلف لغاته فإنه يمكن التغلب على هذا الاستحالة بمتابعة الاتجاهات المتحولة التي تومئ إليها هذه الكتب بواسطة الموسوعات المتلاحقة في طبعاتها المتعددة وصياغاتها المتجددة.

ويوضح الدكتور عصفور في إطار تناوله لهذا الجانب أن الموسوعات التي يتسارع إيقاع طبعاتها كما يتزايد عددها بما يجعل منها في ذاتها عنصرا تكوينيا من عناصر المشهد النقدي العالمي المعاصر.

هي في نفسها دليل على التراكم المعرفي الهائل الذي يتزايد عاما بعد عام في مجالات النقد الأدبي على نحو أصبح يحتم حضور الموسوعة النقدية في ثقافة الناقد الذي لا بد أن يعي أهميتها التي لا غنى عنها في هذا العصر خاصة إذا أراد هذا الناقد أن ينظر نظرة الطائرة إلى التحولات المتدافعة في كل مكان بالعالم حوله قبل أن يتوقف عند كل تحول تفصيلا أو يتأتي عند هذا العنصر أو ذاك من المشهد جزئيا.

ونختم بالإشارة إلى حديث المؤلف عن سرعة إيقاع تحولات النقد الأدبي الحديث والذي يعتبر حسبما يذكر ظاهرة يلحظها كل مشتغل بهذا النقد وكل قارئ له على السواء.

وتفرض هذه المتغيرات الحاسمة نفسها علينا لأننا نعيش في هذا الكون معيشة المستهلك الذي يستجيب إلى تغيرات لا يسهم في صنعها ويستقبل تحولات ليس له دور حاسم في توجيهها وما ينطبق على التقدم العلمي والصناعي ينطبق على الاقتصاد والى حد كبير مع بعض الاحتراز بالطبع على المجالات الثقافية خصوصا إذا كانت علاقات إنتاج المعرفة في المجتمع .

وأدوات توزيعها لم تصل إلى الدرجة الكاملة من القوة الذاتية ولم تمتلك بعد مقدرة الإبداع الذاتي التي تمكنها من الاستقلال بنفسها ومجاورة موقع التابع والمستهلك إلى موقع المستقل المنتج.

مصطفى عبد الرازق

الكتاب: آفاق العصر

الناشر: مؤسسة سلطان بن علي العويس

الثقافية ـ دبي 2005

الصفحات: 217 صفحة من القطع الكبير