السيميائيات مفاهيمها وتطبيقها

السيميائيات مفاهيمها وتطبيقها

ت + ت - الحجم الطبيعي

الباحث والكاتب المغربي سعيد بنكراد يرى في كتابه هذا أنه في بداية القرن الماضي، بشر عالم اللسانيات السويسري ( دوسوسير) بميلاد علم جديد أطلق عليه اسم (السيميولوجيا) ستكون مهمته.

كما جاء في دروسه التي نشرت بعد وفاته في 1916 هي دراسة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، ذلك لتزويدنا بمعرفة جديدة تساعدنا ـ لا محالة ـ على فهمٍ أفضل لمناطق مهمة من الوجود الإنساني بأبعاده الفردية والاجتماعية، ظلت مهملة لوجودها خارج دائرة التصنيفات المعرفية التقليدية.

وفي الفترة التاريخية نفسها تقريباً، كان الفيلسوف الأميركي (شارل سندرس بورس) يدعو الناس إلى تبني رؤية جديدة في التعاطي مع الشأن الإنساني وفي صياغة تخومه وتحديد حجمه وقياس امتداداته فيما يحيط به وقد أطلق على هذه الرؤية اسم (السيميوطيقا).

وعلى الرغم من ذلك، فإن كتابة تاريخ علم ما ليست بالأمر الهيّن، خاصة إذا كان هذا العلم ينتمي إلى ميدان الإنسانيات المعروفة بتنوع جهات نظرها، بل بتناقضاتها الدائمة والمستمرة ولهذا فإن كتابة تاريخ للسيميائيات أمر بالغ الصعوبة، لأنها ليست تياراً واحداً منسجماً.

وليست فكرة معزولة كما أنها ليست نظرية، إنها على العكس من ذلك حالة وعي معرفي عرف بامتداداته في حقول معرفية متعددة إذ بالإمكان الحديث عن تاريخ للسيميائيات السردية، كما يمكن أن نكتب تاريخاً لسيميائيات الصورة.

وآخر لسيميائيات المسرح والسينما وهكذا، فلقد تطورت استناداً إلى مقترحات دوسوسير وبورس في مجال دراسة العلامة، توجهات سيميائية متعددة فالسيميائيات تهتم بكل مجالات الفعل الإنساني:

إنها أداة لقراءة كل مظاهر السلوك الإنساني بدءاً من الانفعالات البسيطة ومروراً بالطقوس الاجتماعية وانتهاء بالأنساق الأيديولوجية الكبرى.

ثم يذهب الباحث سعيد بنكراد إلى أن كل مظاهر الوجود اليومي ـ حسب رأيه ـ تشكل موضوعاً للسيميائيات، بل إن كل ما تضعه الثقافة بين أيدينا هو في الأصل والاشتغال علامات تخبر عن هذه الثقافة وتكشف عن هويتها فالضحك والبكاء والفرح واللباس وطريقة استقبال الضيوف وإشارات المرور والطقوس الاجتماعية والأشياء التي نتداولها فيما بيننا.

وكذلك النصوص الأدبية والأعمال الفنية، كلها علامات تقعيد، أي تحتاج إلى الكشف عن القواعد التي تحكم طريقها في إنتاج معانيها، مستندة في ذلك، وفي الكثير من الحالات، إلى ما تقترحه العلوم الأخرى من مفاهيم ورؤى.

فبالإضافة إلى دراستها للنسق اللساني، الذي يعد أهم الأنساق وأرقاها، فإن السيميائيات وسعت من دائرة اهتماماتها لتجعل من كل الأنساق التواصلية التي يستعين بها الإنسان في خلق حوار مع الآخر موضوعاً لدراستها، فجل التصنيفات الخاصة بالأنساق السيميائية لا تكتفي بإحصاء العلامات المشتقة من اللسان.

كما لا تكتفي برصد الأنساق البصرية التي خلقت تراكماً مهماً من الناحيتين النظرية والتطبيقية ـ الصورة في المقام الأول ـ بل تدرج ضمن حقل دراستها مجمل الصيغ التعبيرية التي يستعملها الإنسان بشكل مباشر في حواره مع ذاته ومع الآخر، كالشم واللمس والسمع والذوق، فالحواس تنتج صيغاً تعبيرية تتمتع بوضع إبلاغي خاص ونظر إليها دائماً باعتبارها دعامة أساسية في التواصل البيإنساني.

وما يمكن التنبيه عليه هو أن هذه الأنساق التواصلية مرتبطة في المقام الأول بالحواس وهنا يمكن على سبيل المثال الإشارة إلى الإرساليات الإشهارية الخاصة بالعطور الأنثوية فلأن الرائحة لا يمكن تصويرها فإن الإرسالية تقدم لنا حالة أقرب إلى السلوك الحيواني، فكما أن مجموعة كبيرة من الحيوانات تعبر عن رغبتها الجنسية.

أو التعرف على شريكها عن طريق الشم، فإن المرأة المضمخة بعطر عالي الجودة تستثير حاسة الشم عند الرجل فيتبعها ويهديها الورود أو يعرض عليها الزواج أو يسير وراءها في الشوارع.

وهذه حالة ضمن حالات أخرى متعددة يتحدد داخلها الشم باعتباره بناء ثقافياً يستمد قوته الإبلاغية والتدليلية من وضعه ضمن نسق من العلامات المالكة لقواعد خاصة في الاشتغال.

ومن هنا كان التركيز في السيميائيات على طبيعة التدليل لا على المادة التي تشكل سنداً للدلالة فكل شيء يمكن أن يعزل وينظر إليه باعتباره كياناً مستقلاً بذاته ويملك سياقاته الخاصة، وقادراً، استناداً إلى عناصر الثقافة على إنتاج معانيه فالمعنى المرئي لا قيمة له، أو هو هنا فقط لكي يدشن سيرورة لا تعطي نفسها بسهولة.

إن أهم ما يميز العلامة هو طابعها المزدوج: فهي صوت ومعنى، حامل ومحمول، قيمة في ذاتها وقيمة في علاقاتها بما تحل محله، إنها وحدة نفسية بوجهين وثيقي الارتباط بعضهما ببعض، ويستدعي أحدهما الآخر.

إن الدال عند دو سوسير صورة سمعية مشتقة من كيان صوتي، أو هي تمثيل طباعي ـ في حال وجود كتابة ـ إنه متوالية من الأصوات أراد لها الاستعمال الجماعي الناتج عن تعاقد لا تعرف له بداية، أن تكون كياناً يحل محل شيء آخر.

ويتميز بأنه نفسي وليس مادياً، وإنه مفروض وليس حراً ومن جهة ثانية ، فإن السيميائيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعمليات الإدراك التي تقود الكائن البشري إلى الخروج من ذاته لينتشي بها داخل عالم مصنوع من الماديات يجهل عنها كل شيء.

وفي هذا المجال يقترح (بورس) رؤية فينومينولوجية للإدراك ترى في كل الأفعال الصادرة عن الإنسان سيرورة بالغة التركيب والتداخل فكل ما يفعله الإنسان وكل ما يجربه وكل ما يحيط به يمكن النظر إليه باعتباره تداخلاً لمستويات ثلاثة، فالعالم يمثل أمامنا في مرحلة أولى على شكل أحاسيس ونوعيات مفصولة عن أي سياق زمني أو مكاني.

إن العلامة في تصوّر (بورس) هي الوجه الآخر لأوليات الإدراك، لذا لا يمكن تصور سيميائيات مفصولة عن عملية إدراك الذات وإدراك الآخر، إدراك «الأنا» وإدراك العالم الذي تتحرك داخله هذه «الأنا».

فالتجربة الانسانية تشتغل بكافة أبعادها كمهد للعلامات: لحياتها ولنموها ولموتها أيضاً. فلا شيء يفلت من سلطان العلامة.العلامة التي هي ماثول (REPE'SENTAMEN) يحيل على موضوع (OBJECT ) عبر مؤول (INTERPRE'TANT) وهذه الحركة ـ سلسلة الإحالات ـ هي ما يشكل في نظرية بورس ما يطلق عليه السميوز، أي النشاط الترميزي الذي يقود إلى إنتاج الدلالة وتداولها.

ولقد كان بورس أول من أدخل مفهوم السميوز إلى الدراسات السيميائية الحديثة، وهو الذي جعل منه الحجر الأساس الذي تبنى عليه التصنيفات السيميائية للعلامة. فالسميوز سيرورة منفصلة عن مادة الدلالة، إنها المبدأ الذي يتحكم في انتاج الدلالات وتداولها لا جوهراً مضمونياً.

ولذلك فهي لا تكترث لمادة الدلالة، كما لا تقتصر على الوقائع اللفظية، فكل الوقائع محكومة بقانون السميوز. ثم يذهب الباحث سعيد بنكراد إلى اعتبار أن السيرورة التدليلية ـ ما يطلق عليه بورس السميوزيس ـ لا يمكن حصرها ضمن حدود بعينها (يعتقد امبرتو ايكو أن السميوزيس لامتناهية نظرياً .

ولكنها في الممارسة محدودة، فالخطاب ـ الذي هو من طبيعة المتحقق ـ يقلص من حجمها وامتدادها ويضع لها حدوداً) فإن أية عملية إنجازية تروم بناء كون مستقل سينظر إليها باعتبارها انتقاءً خاصاً لجزئية دلالية تمتلك دلالتها من سياقها الخاص، فهو الذي يحدد لها موقعها ضمن محيطها المباشر، وهو الذي يحفظ لها في الآن نفسه، روابطها مع المادة المشتقة منها.

إن هذا السياق الخاص هو ما يجعلها قادرة على خلق معرفة جديدة، فعالم السميوزيس عالم دائم التطور. وافتراض بنيات لهذا العالم لا يعني القول إنه عالم قار وثابت. إن الأمر يتعلق فقط بالتعرف على الميكانيزمات البنيوية التي تحكم تحولاته.

إن هذه المعرفة الجديدة تتسلل خلسة إلى جميع مناحي الفعل الإنساني من خلال إحداث قطيعة مع الأسنن القديمة ـ أي التحققات السابقة ـ وتقوم بزحزحتها من مواقعها لإرساء مواقع جديدة. والأمر يتعلق بطريقة أخرى للقول إن المبدع لا يخلق القيم ولكنه يخلق أشكالاً جديدة للتحقق.

إنه يضيف أبعاداً ويقضي أخرى من خلال إعادة تنظيم هذه القيم وفق الاستراتيجية التي تمليها الأنساق التي يستند إليها في تحقيق هذه القيم.

أنور محمد

الكتاب: السيميائيات/ دراسة

الناشر: دار الحوار ـ اللاذقية 2005

الصفحات: 285 صفحة من القطع الصغير

طباعة Email