الصحافة الدّينية في إسرائيل

الصحافة الدّينية في إسرائيل

صدر في القاهرة كتاب «الصحافة الدينية في إسرائيل»، للكاتب والباحث أحمد فؤاد أنور، وتهدف الدراسة إلى التعرف على تاريخ وتطور الصهيونية والقوى الدينية في إسرائيل، وكذلك أهم الصحف الدينية في إسرائيل.

وأيضا خلفيات كل قضية من القضايا التي تناولها البحث، كما تهدف لرصد موقف الصحافة الدينية في إسرائيل في قضايا الشريعة والقضايا المتعلقة بالأيديولوجية السياسية تجاه مصر والفلسطينيين، والعرب.

في تسلسل منطقي بدأ الكتاب بعرض علمي موضوعي لجذور الصحافة الإسرائيلية بشكل عام، وكيف انتقلت إلى فلسطين مع موجات الهجرة الأولى من شرق أوروبا، ثم تعرض الباحث إلى إسهام الصحافة في الترويج لحركة التنوير.

ومن ثم الترويج لنشر اللغة العبرية التي كانت غائبة عن التداول آلاف السنين، تمثل الصحافة باللغة العبرية بوقاً إعلامياً، وتبشيرياً للسياسي الذي كان بدوره حامل رسالة وفكر الأيديولوجي الذي نضج بين أحضان التعاليم اليهودية.

لقد مثلت الصحافة الدينية مرجاً خصباً لازدهار ونماء الأبعاد الروحية للأيديولوجي المتشدد، الذي يحرم على اليهود انتهاك حرمة يوم السبت ، وقد ركز المؤلف على دور الصحافة الدينية في إسرائيل وإسهامها في تجنيد طلبة المعاهد الدينية، والفتيات لهذه الغاية المقدسة وعلى رأس تلك الصحافة كانت صحيفة (هتسوفيه).

تناول الكتاب بعمق الفكر الصهيوني الديني وركز على العلاقة بين الشريعة اليهودية والقانون المدني في إسرائيل موضحا أنها علاقة ممتدة ومتبادلة أدت في النهاية إلى تلاحم اليمين الديني المتطرف مع الأحزاب العلمانية كحزبي العمل والليكود.

وقد أكد المؤلف على أن أفراد المعسكر الديني الصهيوني ليسوا كلهم في توافق مع العلمانيين بل إن منهم من خدم الفكرة الصهيونية منذ البداية.

وآخرون أعلنوا رفضهم لها ونظروا إلى الفكرة وأصحابها على أنهم زنادقة وليس بإمكانهم تحقيق فكرة الخلاص، وأن المسيح المتدين لن يعود على أيديهم ولا الأرض المقدسة، المعسكر الأخير تبني موقفًا نفعياً من الدولة باعتبارها شراً لابد منه، كما أن الحركة الصهيونية استفادت من كل المعسكرين وأصبحت تغذي نفسها من الدين والأفكار التي تبناها الدينيون اليهود.

كما أكدت على أنه يوجد في الولايات المتحدة 65 مليون مسيحي/ يهودي يستخدمهم الصهاينة لتأييد دولتهم بأشكال معروفة لدى الجميع.

عاد أحمد فؤاد خلال كتابه المهم للجذور التي نبتت عليها الفكرة الصهيونية، وشكلت دفة التوجيه لسلوك الأفراد منهم ومن القضايا التي خصص لها المؤلف قسما كبيرا من كتابه: نفي اليهودي المتدين للآخر اليهودي العلماني.

والتحذير منه، والترهيب من الاختلاط بهم، بل ورفض كل قانون يضبط الحياة وفق رؤية العلمانيين، وهذا النفي للآخر يثير في القارئ الرغبة في المقارنة بين مستويات النفي في فكر اليهود!! فإذا كان اليهودي المتدين ينظر إلى اليهودي العلماني بهذا الازدراء، فكيف هي نظرته إلى غير اليهودي، سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو حتى بوذياً؟

كما أسهب في وصف الدور الذي لعبته الصحافة الدينية في إسرائيل لفرض قيود دينية على الإجراءات الديمقراطية المتبعة في إسرائيل، والتي طالما تباهى بها الإسرائيليون في منطقة الشرق الأوسط الذي يعيبون عليه خضوعه لحكم الفرد المطلق، لقد جهدت صحافة المتدينين اليهود على التنظير لفكرة التنكر لأي أغلبية في الكنيست الإسرائيلي تعتمد على صوت النواب العرب، وفي ذلك التفريق بين صوت عضو كنيست يهودي وآخر عضو كنيست عربي يمكن ملامسة العنصرية اليهودية الدينية بالأصابع.

ومن الأسئلة التي عنيت الدراسة بالتطرق إليها بشكل موضوعي علمي السؤال :كيف يرى اليهودي المتدين مصر بعد أكثر من 25 عاما على توقيع اتفاقية سلام ؟

ما زالت تظهر مصر في الصحافة اليهودية كدولة غريبة، يطلق عليها لفظة عبرية (جوييم) ومعناها بالعربية الأغيار، ولهذه التسمية دلالة بعيدة الأثر في الفكر اليهودي، فمصر لدى اليهود دولة تعمل على إضعاف إسرائيل، لأن مصر كما يحسبون تروج لكراهية إسرائيل.

ومصر ترفض التطبيع مع إسرائيل، ومصر تعيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، عن ذلك يضيف الباحث «من الركائز التي روجت لها الصحافة الدينية بشكل عام، و(الحريدية) بشكل خاص رفض الأغيار.

وهو ما يشكل عقبة حقيقية على طريق السعي للتوصل للسلام، إن رفض الثقة في الآخر لا ينبع من كونه يتحرك سياسيا بشكل مثير للقلق، بل لمجرد أنه آخر، لا يجب التطلع لسلام معه يؤدي لذوبان التقاليد اليهودية والشعب اليهودي، وتجدر الإشارة إلى أن التحذير من الذوبان في الأغيار يتعاظم.

ويكون أكثر منطقية تجاه الدول التي لها حدود مشتركة مع إسرائيل، وحيث ان كل هذه ـ الدول عربية، والحدود الوحيدة المفتوحة ـ لكونها أبرمت معها اتفاقية سلام أمام الزيارات المتبادلة وحركة التجارة، والنشاط الثقافي المباشر، هي الحدود مع مصر، فإن الحديث عن رفض الاندماج مع الأغيار ينطبق على مصر، بشكل خاص».

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل توغلت الصحافة الدينية في الرجوع إلى الماضي، وهي ترى مصر عدواً تاريخياً لليهود، وعملت في الماضي على استعبادهم، وإذلالهم، وطردهم من مصر، وفي هذا المقام يفاجأ المتتبع للتاريخ اليهودي في مصر حجم الكراهية والأحقاد التي يخزنها اليهود للمصريين، وما يبنى على ذلك من سلوك.

يأتي دور السلام مع الفلسطينيين في الباب الثالث من البحث، فقد ظهر الفلسطينيون لدى اليهود بعدة أوصاف؛ أقلها صفة الغدر، فالفلسطيني لا يحترم اتفاقيات السلام.

وكل يهودي يفاوض الفلسطينيين خائن لتعاليم الدين اليهودي، ولدولة إسرائيل، لأن الفلسطيني لص سارق، ولا هدف له سوى تدمير دولة إسرائيل والقضاء عليها، ولما كانت هذه هي أوصاف الفلسطينيين؛ فإن قتلهم وتصفيتهم عمل ديني ووطني، ولا حرمة في ذلك تقع على اليهود، ولا بريء بين الفلسطينيين.

تناول الباحث كذلك موقف صحافة اليهود المتدينين من القدس، المواقف التي باتت معروفة لكل متتبع للأحداث السياسية، فالقدس عاصمة أزلية لدولة إسرائيل، وهذا ما قد يجمع عليه كل اليهود وفق آخر استطلاع للرأي أجرته صحيفة هآرتس في 8/3/2005، ولكن الملفت في البحث ما يراه المتدينون من واجب بناء جبل الهيكل كما يسمونه، ونزع سيادة المسلمين الدينية عن بيت المقدس.

وهنا لا يتفهم اليهودي وجود القدس دون جبل الهيكل، ودون تواجد اليهود وسيطرتهم، وعليه يجب تهويد كل شيء في القدس، وشأن هذه المدينة خاص جداً لليهود، ولا يجب أن يتدخل أحد على وجه الأرض في نظام حياة القدس، وطبيعتها الخالدة لليهود، وهي خارج إطار التفاوض.

نجح الباحث في الوصول إلى ما أعانه على استكمال بحثه الذي اعتمد فيه على المنهج الوصفي التحليلي كما قال: «حيث ساعد المنهج الوصفي، في رصد المعلومات عن تاريخ وتطور الصهيونية وعن القوى الدينية في إسرائيل ، كذلك عن أهم الصحف الدينية، الصادرة باللغة العبرية في إسرائيل ـ بحكم كونها الأكثر انتشارا .

وتأثيرا وساعد المنهج الوصفي أيضاً في سرد المعلومات الخاص بخلفيات كل قضية من القضايا التي تناولها البحث، بينما ساعد المنهج التحليلي في رصد موقف الصحافة الدينية في إسرائيل من قضايا الشريعة والقضايا المتعلقة بالأيديولوجية السياسية.

كما ساعد في عملية التحليل النقدي، واستخلاص النتائج، هذا وقد لجأت إلى اختيار صحف معينة تتميز بطابع خاص في معالجتها الإعلامية بطريقة متعمدة، خشية ألا تمثل تمثيلا صحيحا في العينة العشوائية، كما اخترت أعدادا معينة صدرت في أيام معينة اختيارا متعمداً لأن هذه الأعداد تناولت القضايا موضوع الدراسة تناولا متعمقا مكثفا مقارنة ببقية الفترة الزمنية».

ومن النتائج التي توصل إليها المؤلف أن الصحافة الدينية في إسرائيل تحض على اتباع نظام عنصري قائم على التفرقة والتمييز بين السكان، فهي ترفض الديمقراطية بشكل عام، وإذا ارتكزت على أغلبية تضم أصوات من فلسطيني ال48 بشكل خاص.

وترفض القوى الدينية والصحافة المعبرة عنها في إسرائيل الديمقراطية على اعتبار أنها صنم، وأنها بالتالي تتعارض مع الشريعة اليهودية.

كما تنادي الصهيونية الدينية بإقامة حواجز تفصل بين العالم اليهودي الذي يجب الحفاظ عليه كما هو وبين العالم الخارجي المتغير، حيث ينظر إلى قيم العالم الحديث على أنها قيم سلبية مدمرة.

ولا تتورع الصحافة الدينية عن استخدام الديمقراطية والمطالبة بها إذا كانت تحقق مصالحها، من خلال الهجوم على من ترى أنهم لا يلتزمون بالديمقراطية من القوى العلمانية.

وتطالب الصحافة الدينية وتعلي من شأن «دولة الشريعة»، وبالتالي ترفض أو تشكك في مشروعية «دولة القانون» التي ينادي بها العلمانيون.

وأيضا ترفض الصحافة الدينية القانون العلماني وتتمرد على الانصياع له.

الكتاب: الصحافة الدينية في إسرائيل

الناشر: عالم الكتب ـ القاهرة 2006

الصفحات: 439 صفحة من القطع الك

طباعة Email
تعليقات

تعليقات