مؤلف كتاب «الغرباء من المؤمنين» هو «أبو بكر محمد بن الحسين الأجري. المتوفى سنة 360 ه، أصله من قرية غربي مدينة بغداد، تدعى درب الآجر، وكان مولده ونشأته فيها. وقد تتلمذ «الآجُرّي» رحمه الله على طائفة من العلماء الأجلاء، ثم كان له فيما بعد تلامذة صار منهم علماء كثر.
ترك لنا «الآجُرّي» كثيراً من الكتب، لعل من أهمها: أخلاق أهل القرآن، أخلاق العلماء، أخبار عمر بن عبدالعزيز، كتاب الأربعين حديثاً، كتاب الغرباء، الشريعة، أدب النفوس، الفوائد المنتخبة، وقد عد كثير من المحققين أكثر من أربعين كتاباً له.
قال «ابن خلكان» أخبرني بعض العلماء، أنه لما دخل الآجري إلى مكة أعجبته، فقال: اللهم أرزقني الإقامة بها سنة، فسمع هاتفاً يقول له: بل ثلاثون سنة، ثم مات بها في المحرم سنة ستين وثلاثمئة للهجرة، قال الخطيب: قرأت ذلك على بلاطة قبره بمكة.
والغربة في الإسلام ظاهرة حية باقية، نشأت وقت بعث النبي «صلى الله عليه وسلم» يدعو إلى الإيمان وعبادة الواحد القهار، وينبذ ما سوى ذلك ويبشر ببزوغ فجر جديد يطل بنوره على الإنسانية أجمع، وقبل بعثة النبي «صلى الله عليه وسلم» كانت البشرية ذات أديان شتى واعتقادات مختلفة.
فلما بعث رسول الله «صلى الله عليه وسلم» كان من أسلم من كل حي أو قبيلة أو طبقة، غريباً في حية وقبيلته وأهله وعشيرته ونبذوه وآذوه، فإذا هو بينهم مهان ذليل، محتمل لجفاهم، صابر على أذاهم، إلى أن هاجر المسلمون الأوائل، وأعز الله تعالى الإسلام، وجعل كلمته هي العليا، وساد أهله، وقهر أهل الباطل، ومن هنا أخذت صفة الغربة تزول عن المسلمين.
ومن وصف الغرباء: أنهم يرتاحون إلى الخلوة،ويميلون إلى الوحدة، ويستوحشون من جميع الناس، فلا تطيب نفوسهم إلا بصحبة أمثالهم من الغرباء، فإذا بهم ينعتون بالشذوذ تارة، وبالمخالفة تارة أخرى.
يعرض هذا الكتاب أمثلة من صور أولئك المؤمنين بالله، الذين لم يبالوا بما عز في الدنيا، حيث ارتفعت أرواحهم فوق الدنيا فرأوها صغيرة لا تعدل جناح بعوضة، وكرمت أخلاقهم وسمت فصارت شبه نبوية.
يبدأ الكتاب بذكر الغرباء من المؤمنين وأوصافهم في الدنيا، وعلى أي حال هم فيها، بادئاً بحديث رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ غريباً، فطوبي للغرباء قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذ فسد الناس.
ثم يأتي بأشعار تحمل معنى الحديث الشريف، ليعدد بعضاً من صفات هؤلاء الغرباء: ومن أهمها الصبر، فالغريب صابر على دينه حتى يسلم من الأهواء المضلة، ومن صفات الغرباء أيضاً التي نعت بها أهل الحق، أن يكون الغالب على الناس في جميع أمورهم، مثل مؤاخاة الأخوان، وصحبة الأصحاب ومجاورة الجيران، وصلة الأرحام، وعيادة المرضى، والمحبة والمزاورة.. الخ».
وهذا المؤمن يصبح غريباً في مجتمع يناقضه في كل شيء، فيصبح حزيناً، كثير الغمة، قليل الفرح، كأنه مسجون.
ثم يورد شعراً كقوله: أخبرنا محمد، أنشدنا إبراهيم بن محمد لبعض الحكماء في معنى سيد الغريب إلى الله عز وجل وحده ـ من البسيط ـ.
الطرق شتى وطريق الحق منفرد
والسالكون طريق الحق أفراد
لا يطلبون ولا تطلب مساعيهم
فهم على مهل يمشون قصاد
والناس في غفلة عما له قصدوا
فجلهم عن طريق الحق رقاد