روايات خالدة

أنوار الشمال

صورة

يصف الكاتب البريطاني فيليب بولمان الذي ولد في 19 أكتوبر عام 1946 في نوريتش، بدايات دخوله عوالم الكتابة وبالتحديد القصة بقوله، «بداية تجربتي مع القصص كانت من خلال المذياع، هذا الوسيط الرائع. أذكر بأنني كنت أستمع إلى مسلسلات عن العصابات ورعاة البقر. والأهم من كل ذلك قصص سوبرمان» ولا يتردد بولمان في القول إن القصص المصورة لسوبرمان ومن بعدها رجل الوطواط قد غيرت حياته منذ الطفولة.

والسبب في سماح والديه له بقراءة تلك القصص (ذات اللغة غير الصحيحة) هو كثافة قراءته للكتب وشغفه بها على حد سواء. ولزمن طويل وربما حتى يومنا هذا لا يزال بولمان محبا لقصص الأشباح.ويذكر أنه في طفولته كان وأصدقاؤه يستمتعون بإثارة مشاعر الخوف في أنفسهم سيما حينما كان يقرأ لهم بعضا من تلك القصص. كما كان يسرد عليهم قصصا من وحي خياله عن الشجرة المتواجدة في الغابة المجاورة لمكان إقامتهم.ويقول بشأن الكتابة، «كنت متأكدا من أنني سأكتب قصصا بنفسي حينما أكبر.

ومن المهم أن أعبر عنها بهذه الطريقة، وليس بقولي (أنا كاتب) ولكن (أنا أكتب القصص). فإن وضع أحدنا الدافع في داخله بدلا من العمل، فإن هذا يشكل خطرا على التفكير الذي يقود إلى الاعتقاد بأنه أهم شيء في الوجود وهذا ليس صحيحا. القصة هي الأمر المعني، والمرء مجرد أداة. وعمله يتمثل في إخراجها من داخله في الوقت اللازم وبصورة جيدة».

سافر بولمان في طفولته حول العالم وذلك بسبب عمل والده ومن ثم زوج والدته في القوة الملكية الجوية. وأمضى زمنا من طفولته في استراليا، حيث التقى هناك بالقصص المصورة، وفيها نما حبه لسوبرمان ورجل الوطواط.

في الحادية عشرة من عمره استقر في شمال ويلز في بريطانيا حيث أمضى جل وقته مع أصدقائه في اكتشاف مساحات الطبيعة من حولهم. وبعد تخرجه من الجامعة عمل مدرسا للمرحلة الوسطى لمدة اثني عشر عاما، وأصبح بعدها محاضرا متعاونا في كلية ويستمينستر.

كما درس دورات في الرواية الفيكتورية وحكايا التراث، ودورات للبحث في كيفية تلاؤم الكلمات مع الصور، وأخيرا ترك التدريس ليتفرغ للكتابة بشكل كامل.

أول رواية نشرها كانت للكبار، إلا أنه بدأ بالكتابة للأطفال منذ كان مدرسا وبعض رواياته تعتمد على المسرحيات التي كتبها لتلاميذه في المدرسة، مثل رواية «القرمزي في الدخان».

ويعتمد بولمان لدى البدء بكتابة رواية جديدة على قصاصات الورق اللاصقة الصفراء الصغيرة. ويذكر بأنها مفيدة في وضع تصور القصة.

فهو يكتب جملة مختصرة لمشهد على كل ورقة، ثم يضع القصاصات على الورقة البيضاء الكبيرة، ليقوم بعدها بكتابة المشاهد تبعا للقصاصات. ويقارب عدد تلك المشاهد المختلفة ما يزيد عن الستين، مع تبديل ترتيبها للحصول على أفضل تركيبة للعمل.

وبولمان من الشخصيات المسالمة المتواضعة والمنتجة، ويحب الاستمرار في عمله الحالي. وإن اعتبرت الكتابة في يوم ما خروجا على القانون، فإن بولمان لن يتردد لثانية في خرقه. ومن أشهر رواياته ثلاثية «أعماله القاتمة» وعدد من الكتب الأخرى. وتتضمن الثلاثية «أنوار الشمال» و«المدية الحاذقة» و«جاسوس الزجاج الكهرماني».

حاز على ميدالية كارنيغي لأدب الأطفال عام 1995 عن الجزء الأول من ثلاثيته، وعلى جائزة وايتبرد بوك للعام في يناير عام 2002 عن الجزء الثالث من الثلاثية، علما بأنه كتاب الأطفال الأول الذي ينال تلك الجائزة.

وقد حققت الثلاثية شهرة واسعة في أواخر عام 2003، كما حصلت على المركز الثالث في التصنيف الذي أجراه موقع البي بي سي لأكثر الكتب قراءة وعلى الرغم من أن ثلاثيته «أعماله القاتمة» موجهة لفئة الشبان والشابات في مرحلة المراهقة كما تذكر دور النشر، إلا أن نسبة قرائها من الكبار تتساوى مع نسبة الشبان.

ويرجع ذلك لاعتماد بولمان في معالجة شخصيات رواياته الثلاث على الواقع، إذ كان يتحاشى على الدوام تجسيد الشر في شخصية والخير في شخصية معاكسة. فخلال عمله كان يسعى لتذكير القارئ بحقيقة الحياة، التي تفتقر إلى الأبيض والأسود.

فهو يعتمد على الأفعال الجيدة والأفعال السيئة. فهذا أقرب إلى الحياة، فمن نعتقد بأنه أهل للثقة يخذلنا، ومن نعتقد بأنه قاس يتبين بأنه يتأثر بالحب وعلى استعداد للتضحية بحياته من أجل الآخرين.

وبطلة روايته «أنوار الشمال» طفلة تدعى لايرا في الحادية عشرة من عمرها، تعيش في كلية جوردان تحت رعاية وإشراف الأساتذة المقيمين، حيث يدرس عمها آسريل الذي ضمها إليه بعد وفاة والديها في حادثة تحطم طائرة، وإن ندر تواجده في الكلية بسبب كثرة أسفاره المرتبطة بأبحاث غامضة يقوم بها.

ولايرا الطفلة الذكية التي تعتمد في دراستها على ما يسمح به وقت الأكاديميين، تمتلك الكثير من الوقت الذي يتيح لها التواصل مع عدد كبير من الأطفال في أوكسفورد. وكانت تفضل صحبة الأطفال المشاغبين والفقراء، لتقودهم عبر مغامراتها كزعيمة لهم، وكثيرا ما كانت تقع في العديد من المآزق بسبب جرأتها وفضولها.

وفضولها هذا كان يدفعها إلى التورط في أمور تتجاوز قدرتها على الفهم. ففي إحدى زيارات عمها، صممت على معرفة ما يدور من نقاش بين هؤلاء الأكاديميين خلف الأبواب المغلقة.

وبذا حبست نفسها في إحدى الخزائن قبل بدء اجتماع لهم. وتستمع إلى خطاب عمها الذي يبين تحقيقه لاكتشافات مذهلة خلال سفره إلى الشمال، وتسمع عن مدن غامضة في السماء وعن مادة غريبة تدعى الغبار.

وبعد مغادرة عمها إلى الشمال، تبدأ الشائعات بالرواج بشأن اختفاء أطفال من المدينة. ويتحول قلقها إلى حقيقة حينما يختفي صديقها الأقرب إلى نفسها الصبي روجر العامل في المطبخ. حينها تصمم لايرا على إنقاذه، وتبدأ بالإعداد لرحلتها، برفقة آلة غريبة تدعى أليثيوميتر قدمت لها من قبل عميد الكلية. وتلك الآلة قادرة على الإجابة على أي سؤال يطرح عليها، إن تمكن المرء من معرفة كيفية استخدامها.

كل ما تعرفه لايرا بأن الوحوش هم من يختطفون الأطفال؟ وتتساءل من هم هؤلاء؟ وإلى أين أخذوا الأطفال والعديد من الأسئلة الأخرى. وهكذا ترحل لايرا بمساعدة الغجر شمالا وتصادف في طريقها الساحرات ودببة مسلحين يستطيعون الكلام لكنهم لا يملكون قرينا، مثل الإنسان.

ففي العالم الذي ابتكره بولمان يملك كل إنسان قرينا له يتمثل في حيوان يستطيع التحول إلى أي حيوان آخر أو حشرة وذلك تبعا للحالة النفسية لصاحبه، فالغضب يدفعه للتحول إلى حيوان مفترس، والمشاعر العذبة، تحوله إلى فراشة وغير ذلك. وهذا القرين إنما يجسد ضمير أو روح صاحبه.

ولا يتمكن من الابتعاد عنه إلا لمسافة محدودة. وحينما يصل صاحبه إلى سن البلوغ يتحول القرين إلى حيوان واحد يثبت بعدها. ويمكن الاستدلال على شخصية كل فرد من خلال نوعية حيوان قرينه. ويلعب قرين لايرا دورا بارزا في مغامراتها وقراراتها، كما يساعدها في النجاة من العديد من المصاعب.

وأخيرا تكتشف لايرا حينما تصل إلى مركز الأبحاث في الشمال حيث كان عمها معتقلا، بأن الأطفال تم خطفهم من قبل العلماء، الذين كانوا يستخدمونهم في تجاربهم في المختبرات.

وتأتي النهاية بصورة غير متوقعة، وفي ذات الوقت مربكة على عدد من الأصعدة، وإن كانت تشعر القارئ بالرضا بعيدا عن خيبة الأمل. ولكونه الجزء الأول من الثلاثية فإن القارئ يتطلع لمتابعة أحداث الرواية في الجزء الثاني ومن ثم الثالث.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات