قام بتأليف هذا الكتاب الباحث الفرنسي «جان لوك وانجيرت» المهندس والمختص في الشؤون البترولية. وقد قدم له الباحث الكبير جان لاهيرير، وهو عالم جيولوجيا (أي طبقات الأرض) وعالم فيزياء في ذات الوقت.
وله شهرة عالمية فيما يخص البترول والغاز الطبيعي وكيفية استكشافهما. ومنذ البداية يقول هذا الباحث في مقدمته العامة للكتاب مايلي: أول شيء يبحث عنه الإنسان هو ان يشبع حاجياته الأساسية كتروية عطشه.
وإشباع جوعه، وستر جسمه من البرد. وبعد ان يشبع هذه الحاجيات الأساسية تبرز حاجيات أخرى كمالية سواء أكانت مادية أم معنوية.
وفي المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة لم تعد المشكلة هي الجوع وإنما التخمة التي تؤدي إلى السمنة الزائدة عن الحد. هل نفهم بأنه يوجد ثلاثمئة مليون سمين وسمينة في العالم وبخاصة في الغرب الأميركي على وجه التحديد؟ ثم يردف البروفيسور جان لاهيرير قائلاً:
ان نمط الحياة الأميركية هو المسؤول عن هذا الاستهلاك المسعور الزائد عن الحد. فالاميركان يعتقدون بأن المصادر الطبيعية لا تنفد. وهذا غير صحيح بالطبع. انهم لا يشبعون من الاستهلاك وزيادة الاستهلاك إلى ما لانهاية، يحصل ذلك كما لو أن الاستهلاك يعني السعادة! فأنا استهلك أكثر من السلع وبالتالي فأنا أسعد منك!.
ينتج عن ذلك ان الشعب الأميركي يستخدم السيارة الفردية بشكل مفرط، كما ويسرف في استهلاك الطاقة. هل نعلم ان المواطن الأميركي يستهلك ثمانية أطنان من البترول سنوياً. أي ضعف ما يستهلكه المواطن الأوروبي الذي ينتمي إلى مجتمع متقدم مثله.
انه يستهلك أكثر من المعدل العالمي بخمس مرات وأكثر في المواطن الهندي بخمس عشرة مرة! في الواقع ان المواطن الأوروبي يستهلك الطاقة بشكل أقل من الأميركي لأن الضرائب على الطاقة البترولية مرتفعة جداً في أوروبا. والآن يعتبرون البترول غالياً في حين انه أرخص بمرتين عما كان عليه عام 1980 أو حتى عام 1860.
ان ارتفاع سعر البترول قاد بعض الدول الغربية إلى استخدام الطاقة الذرية للتقليل من اعتمادها على الذهب الأسود المستورد من الخارج. هذا ما فعلته فرنسا مثلاً أو بلدان أخرى عديدة. وفي هولندا نلاحظ انهم يستخدمون الدراجات للذهاب إلى عملهم أفواجاً أفواجاً.
وحتى الوزير أو رئيس الشركة يركب الدراجة عندما يذهب إلى عمله صباحاً ولا يجد في ذلك أي حرج، وهكذا يترك سيارته في البيت ويوفر البنزين أو الطاقة البترولية. وتخفّ عندئذ حاجة هولندا إلى البترول. وبما ان الشعب الهولندي حضاري منضبط فإنه يلتزم بالمصلحة العامة.
ثم يردف هذا الخبير قائلاً: ان البترول هو أفضل أنواع الطاقة للنقل. ولكن سوف ينفد يوماً ما بسبب الإسراف في استخدامه وبخاصة في أميركا، ثم في الصين أكثر فأكثر. وينبغي ان نبحث عن كل أنواع الطاقة التي يمكن ان تحل محله عندما ينفد أو يشحّ كثيراً.
وأهم طاقة يمكن ان تحل محله هي البترول الاصطناعي الذي يمكن استخراجه من الفحم والمفاعلات الذرية. ولكن أفضل طريقة لمواجهة الوضع هي ان نخفف من استخدامنا للبترول ومشتقاته.. وهذا الكلام موجه إلى مجتمعات الغرب بالدرجة الأولى وبخاصة المجتمع الأميركي.
فالناس كانت تعيش قبل خمسين سنة ببترول أقل بكثير دون ان تعاني من أي مشكلة. فلماذا إذن كل هذا الإسراف في استهلاك البترول ومشتقاته؟
وربما كان النقص المتزايد للسكان في أوروبا سيساهم في حل مشكلة البترول! فالتقديرات تشير إلى أن أوروبا سوف ينقص عددها عام (2050) مئة مليون نسمة. وذلك على عكس الولايات المتحدة التي سيستمر سكانها في التزايد بفصل موجات الهجرة المتدفقة عليها. نعم ان اوروبا المترفة سوف تصبح عجوزاً أكثر فأكثر..
ولكن المشكلة هي الصين والهند اللتان سيتزايد استهلاكما للبترول أكثر فأكثر بسبب انخراطهما في سياسة تصنيع ضخمة وعلى أوسع نطاق.
اما مؤلف الكتاب جان لوك وانجيرت فيقول منذ البداية ما يلي: منذ حرب الخليج الثانية التي ابتدأها بوش راح البترول يحتل الساحة ويعود إلى الواجهة من جديد.. وأصبح خبراء البترول يخشون من تناقص البترول مستقبلاً بل ومن حصول صدمة بترولية رهيبة اخطر من كل ما سبق.
ولا ريب في ان حرب العراق ساهمت في ارتفاع اسعار النفط. ولكن هناك شيئاً آخر، هناك خبر أخطر من كل ذلك الا وهو: ان البترول سوف يتناقص إنتاجه يوما بعد يوم حتى ينفد نهائيا يوماً ما. فهو طاقة غير متجددة.
ثم يردف المؤلف قائلا: نعم ان الطاقة الأفضل والأسهل في العالم الطاقة التي تتيح تشغيل كل اقتصادات العالم، سوف تنضب تدريجيا ويوما بعد يوم، لاريب في إنتاج البترول سيبلغ ذروته بعد عشر سنوات: أي عام 2015 وبعدئذ سوف يتناقض تدريجيا عاما بعد عام حتى ينضب كلياً.
وذلك لأن البترول طاقة غير متجددة على عكس ما نتوهم. فالذي نستهلكه منه لن يعود الينا وإنما سوف يذهب إلى الأبد، ويوما ما سوف نستيقظ ونجد أنه لم يعد هناك من بترول على سطح الأرض. ولكن نهاية البترول ليست قريبة على عكس ما يشيع بعض الغربان المتشائمين. ان حدث لن يحصلا فعلا قبل 2100 أي في نهاية هذا القرن وربما بعده بقليل.
ولكن الكميات المتوافرة منه سوف تتناقص كثيراً قبل ذلك التاريخ. هناك خبر سيئ أيضا وهو: ان الاحتياطي العالمي من البترول ليس كبيراً إلى الحد الذي صوره لنا. انه اقل من التقديرات الرسمية بنسبة الثلث.
ثم يقدم المؤلف الاحصائيات الرسمية لاحتياطي البترول في شتى دول العالم المنتجة. أكبر بلد بالطبع هو المملكة العربية السعودية «7 ,262» مليار برميل تليها إيران «2 ,133» مليار برميل، يليها العراق «115» مليار برميل.
تليه الإمارات العربية المتحدة «8 ,97» مليار برميل، تليها الكويت «96» مليار برميل، تليها فنزويلا «2 ,77» مليار برميل، تليها ليبيا «39» مليار برميل، تليها النيجر «2 ,35» مليار برميل، تليها قطر «2 ,15» مليار برميل، تليها الجزائر «8 ,11» مليار برميل، تليها اندونيسيا «7,4» مليارات برميل.
وتكون محصلة احتياطي العالم كله «981» مليار برميل. وهو الذي سنستهلكه حتى نهاية القرن. ولكن بعض الخبراء يقولون بأن هناك احتياطي بترولي آخر لم يكتشف بعد. وتقدر الولايات المتحدة الاحتياطي الحقيقي للعالم بألفي مليار برميل وليس «891» ملياراً فقط.
ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن عصر البترول، دام في تاريخ البشرية قرناً ونصف حتى الآن، ونحن ننتظر ان يدوم قرنا ونصف آخر على أكثر تقدير. وبعدئذ سينتهي نهائيا، ولكن المشكلة هي أن بعد ان يبلغ ذروته عام 2015 سوف يتناقص أكثر فأكثر كما كنا، وبالتالي فلن يكفي حاجيات البشرية كما كان يحصل سابقا.
ولهذا السبب نقول بأن على البشرية، ان تغير عاداتها وألا تستخدم سياراتها الفردية كثيرا. وإنما يكفي ان تستخدم وسائل النقل العام، وعلى هذا النحو نحد من عملية استهلاك النفط.
والواقع أن عصر البترول ابتدأ حوالي عام 1860، واستمر حتى الآن، وقد تميزت الفترة السابقة بالزيادة الضخمة للانتاج وأسرفت البشرية في استهلاك البنزين والكاز وكل مشتقات البترول. ولو اننا لم نسرف كثيراً لكان عندنا احتياطي أكبر الآن.
وقد كانت زيادة الانتاج هي السبب في انخفاض أسعار البترول على مدار القرن الماضي الا في فترات قليلة، فالعرض كان أكثر من الطلب في معظم الأحوال.
هل نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية كانت أكبر منتج للبترول في نهاية القرن التاسع عشر وفي الثلاثينات من القرن العشرين؟
بعدئذ ظهرت دول بترولية جديدة وبخاصة المملكة العربية السعودية والخليج العربي وأصبحت تحتل المرتبة الأولى عالمياً.
وأصبحت الشركات البترولية الانغلوساكسونية هي التي تهيمن على عالم النفط. فقد كانت أقدر من غيرها على التنقيب عنه واستخراجه بواسطة الآلات الضخمة التي تمتلكها فاستخراج البترول من باطن الأرض يحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة لا تمتلكها إلا الدول الكبرى.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي الستينات قررت الدول الشرق أوسطية أن تسيطر كلياً على بترولها عن طريق تأميمه أو قل تأميم الشركات الأجنبية التي تشتغل على أراضيها.
ثم يتحدث المؤلف عن منظمة الأوبك ويقول: لقد أسست في بغداد عام 1960 منظمة تضم البلدان المصدرة للبترول وتدعى الأوبك. وهي تضم احد عشر بلداً من أهم البلدان المنتجة للذهب الأسود.
هذه البلدان هي: المملكة العربية السعودية، ايران، فنزويلا، العراق، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، نيجيريا، الجزائر، ليبيا، أندونيسيا، قطر. وهدف هذه المنظمة الاتفاق على سعر البترول وتثبيته لكيلا ينزل أكثر أو يرتفع أكثر.
ثم انها تهدف أيضاً إلى تحديد نسبة معينة للانتاج بالقياس إلى كل بلد. وعليه أن يتقيد بها. فالسعودية لها نسبة انتاج معينة، وايران نسبة، الخ.
ولكن البترول على الرغم من أهميته ليس الطاقة الوحيدة الموجودة في العالم. فهناك أيضاً الغاز، والفحم، والطاقة الذرية، والطاقة المائية الهيدرولية، الخ. ولكن البترول وحده يشكل 41% من الطاقة المستهلكة في العالم كل سنة.
أما الغاز فيشكل 21%، وكذلك الفحم 21%. ولكن الطاقة الذرية المستخدمة لأغراض سلمية لا تشكل حتى الآن أكثر من 7%، أما الطاقة الهيدرولية فتشكل 3%.
ولكن العالم المتقدم سوف يعتمد أكثر فأكثر في السنوات المقبلة على الطاقة الشمسية والطاقة الذرية والطاقة الهيدرولية.
وهذا ما تفعله منذ الآن كندا. وهي بلد ضخم زوده الله بكل أنواع الطاقة الطبيعية والمصادر المعدنية. ولكن الولايات المتحدة بفضل قوتها العسكرية الضاربة هي التي تسيطر على بترول العالم في الواقع.
فبترول الخليج العربي تحت سيطرتها، وكذلك بترول آسيا الوسطى وبحر قزوين الذي سيصبح قابلاً للتصدير بوفرة قريباً. ولذلك أقامت القواعد العسكرية في الجمهوريات الإسلامية التابعة للاتحاد السوفييتي سابقاً. ويخشى أن يحصل صدام بينها وبين الصين مستقبلاً على بترول العرب لأن الصين أصبحت بحاجة ماسة للبترول الآن. ولكن ذلك مستبعد في المدى المنظور.
الكتاب: الحياة بعد البترول
الناشر: اوترمان ـ باريس 2005
الصفحات: 241 صفحة من القطع الكبير
LA VIE APRES LE PETROLE
JEAN - LUC WINGERT
AUTREMENT - PARIS 2005
P.241
