هذا الكتاب هو الكاتب والروائي الفرنسي الشاب مارك دوغان. وكان قد ولد في السنغال عام 1957 ثم دخل إلى بلاده الأصلية فرنسا لإكمال دراساته وتعليمه الجامعي، وبعدئذ أصبح كاتباً ونشر روايته الأولى عام 1998 تحت عنوان :
«غرفة الضباط» وقد نال عليها ثماني عشرة جائزة أدبية. وهو الآن ينشر رواية جديدة عن السياسة الأميركية، أو بالأحرى الاستخبارات الداخلية الأميركية المشهورة باسم (اف. بي. آي) ولكن هل هي رواية من صنع الخيال فعلاً أم أنها تعتمد على وثائق تاريخية وأرشيف سري؟
الاحتمالية الثانية هي الأرجح بدون شك، بل إنها مؤكدة، وما الصياغة الروائية للكتاب إلا تمويه، ثم من أجل المزيد من الإغراء والمتعة في قراءته.
الرواية من أولها الى آخرها مسرودة على لسان شخص يدعى «كلايد تولسون» مساعد «جون إدغار هوفر» على رأس الـ «اف. بي. آي» ومعلوم ان هوفر هذا كان الحاكم الفعلي لأميركا طيلة ما يقارب النصف قرن. فقد كان على رأس الجهاز من عام 1924 إلى عام 1972!
وكان مجرد ذكر اسمه يرعب كل أميركا. وفي أثناء هذه الفترة الطويلة تعاقب الرؤساء على حكم أميركا وظل هو صامداً في منصبه لا يحول ولا يزول. لقد شهد رئاسة روزفيلت، وترومان، وايزنهاور، وكندي ونيكسون، وجونسون وآخرين..
وكان يتابع تحركاتهم وحياتهم الشخصية بل واليومية بحذافيرها. وكل ذلك من أجل ان يعرف نواقصهم وثغراتهم لكي يهددهم بها إذا ما حاولوا مضايقته أو عزله من منصبه، فكل شخص كان يشكل عنه ملفاً كاملاً. وكذلك كان يفعل مع الشخصيات الأخرى التي يهمه أمرها.
المؤلف هو الجاسوس رقم واحد داخل حدود الولايات المتحدة الأميركية؟ أليس هو المؤتمن على أمنها وسلامتها بصفته مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالية (أف. بي. آي)؟
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد أصبح هوفر هذا الرجل المرعب لكل أميركا. وكل الشخصيات الكبرى كانت تهابه وتنحني أمامه. وقد أقام علاقة مع جوزيف كندي أب الرئيس جون فيتزجيرالد كندي. وجمع عنه كل المعلومات اللازمة لكي يستخدمها ضده أو ضد أبنائه اذا لزم الأمر.
ومعلوم ان كندي الأب كان يحلم بترشيح نفسه للرئاسة بعد انتهاء ولاية روزفيلت. ولكنه تراجع في آخر لحظة بسبب التمديد للرئيس فترة ثالثة بشكل استثنائي نظراً لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
وبدلاً من ذلك حظي جوزيف كندي بمنصب سفير للولايات المتحدة في انجلترا. وهو منصب مهم جداً لأن لندن آنذاك كانت المركز السياسي للعالم. ولكن الانجليز كرهوه ولم يرحبوا به كما ينبغي. فهو أولاً من أصل ايرلندي كاثوليكي حاقد على الانجليز التابعين للمذهب البروتستانتي العادي لمذهب آبائه وأجداده.
وهو ثانياً ذو عواطف جرمانية ومؤيد لهتلر لأنه يكره اليهود كرهاً شديداً بل ويفوق الوصف. وربما كان روزفيلت قد عيَّنه في هذا المنصب لإبعاده عن أميركا والتخلص منه وإحراجه لدى تشرشل «الانجليز. وهكذا يكون قد ضرب عصفورين أو ثلاثة بحجر واحد.
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كان جوزيف كندي لايزال سفيراً لدى صاحبة الجلالة في لندن. وأحسَّ بالحرج الشديد لان النازيين أخذوا يقصفون لندن. وبالتالي فما كان بالإمكان ان يظهر عواطفه تجاههم لكيلا يجرح المشاعر الانجليزية.
ثم ازداد موقفه حرجاً بعد دخول أميركا الحرب ضد ألمانيا. وعندئذ اضطر لإعلان عدائه للنازية ولو ظاهرياً. فهو لا يستطيع أن يقف في معسكر أعداء بلاده.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد جمع هو في رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية كل المعلومات الممكنة عن عائلة كندي لكي يستخدمها ضدهم في الوقت المناسب، وعرف كيف استطاع جوزيف كندي الذي كان فقيراً في البداية أو ذا حالة مادية متواضعة ان يجمع ثروة طائلة ويصبح أحد كبار أثرياء أميركا.
وقد جمعها بشكل غير مشروع عن طريق المضاربات المصرفية واستغلال الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد عام 1929. كما واستطاع تجميعها عن طريق علاقاته المشبوهة مع ألمانيا. وهي علاقات سوف تكلفه غالياً فيما بعد: أو قل سوف تكلف أولاده غالياً.
ويبدو ان انتخاب ابنه جون كندي كرئيس للولايات المتحدة عام 1961 قد حصل نتيجة لتدخل المافيا في بعض الولايات الأميركية.
ولولا ذلك لما استطاع التغلّب على منافسه ريتشارد نيكسون الذي كان مرشحاً عن الحزب الجمهوري. فقد زوَّرت المافيا أو اشترت مئات الآلاف من الأصوات لصالح جون كندي. وكان ذلك على أثر اتفاق سري حصل بين والد الرئيس وزعماء المافيا الكبار وعلى رأسهم: سام جيافكانا. وهو من أصل ايطالي كمعظم زعماء المافيا في أميركا.
ولكن المشكلة هي ان عائلة الرئيس لم تلتزم بهذا الاتفاق بعد الوصول إلى أرفع منصب في الولايات المتحدة الأميركية. واعتبرت نفسها في حل من الأمر.
بل أكثر من ذلك راح روبرت كندي وزير العدل في حكومة أخيه يلاحق المافيا بلا هوادة من أجل الحصول على سمعة طيبة في الأوساط الليبرالية واليسارية الأميركية. كما أنه أراد ان يغسل العار الذي أورثه والده للعائلة. فقد كان يخجل بوالده ويحاول التبرؤ منه أو التنصل من أعماله.
ثم يردف المؤلف قائلاً: بدءاً من تلك اللحظة أصبح اغتيال كندي أمراً وارداً، فالمافيا استشاطت غضباً عندما عرفت بأن روبرت كندي، أصبح يستهدفها ويلاحق جماعات الجريمة المنظمة في شيكاغو ونيويورك ولوس انجلوس وغيرها من المدن الأميركية. وأرسلوا عدة رسائل تحذير وتهديد إلى والده قائلين: لقد نكثت بعهدك معنا. وسوف نضطر للتحرك إذا ما استمر أولادك على ملاحقتنا بهذه الطريقة.
وقد حاول جوزيف كندي الضغط على أولاده ولكنهم لم يستمعوا له لأنهم كانوا يعتبرونه شخصاً رجعياً يسيء لسمعة العائلة. ثم أصيب الوالد بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الكلام. وأصبح مشلولاً يجلس في كرسي ولا يستطيع المشي على قدميه.
ويقال بأن شلله عائد إلى القلق النفسي الذي أخذ يرعبه ولا يتركه يرتاح لحظة واحدة. فقد عرف بأن المافيا ستنتقم من أولاده في لحظة ما. فالمافيا لا تلقي الكلام على عواهنه وإنما تنفذ تحذيراتها عادة وبشكل دقيق.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولم يفعل السيد هوفر شيئاً لإنقاذ آل كندي من براثن المافيا وجماعات الجريمة المنظمة. لماذا؟ لأن روبرت كندي راح يلاحقه أيضاً بعد أن أصبح وزيراً للعدل: أي رئيسه المباشر.
وكان يحتقر هوفر في كل مناسبة باعتباره شخصاً رجعياً ينتمي إلى الجيل القديم اليميني المضاد لأفكار التحرر والمساواة بين السود والبيض. ومعلوم أن روبرت كندي كان تقدمياً فعلاً ويمثل النسخة المضادة لوالده.
وكان يعرف أن مكتبه مليء بأجهزة التنصت السرية التي زرعها فيه إدغار هوفر اللعين. ولذلك فعندما كان يتكلم بصوت منخفض أو كان يعطيه موعداً في المصعد، وحتى خارج المبنى لكيلا يسمعه أحد أو لكيلا تسجل أجهزة التنصت كلامه.
ولكن روبرت كنيدي على الرغم من كل احتياطاته لم يكن يستطيع أن يفلت من جواسيس هوفر. فقد كان يجهل مثلاً أن هوفر وضع جاسوساً في حاشية الرئيس كندي بالذات، وفي البيت الأبيض.
ولذلك فإن كل المغامرات العاطفية للرئيس كانت تصله يومياً. وقد شكّل عنها ملفاً ضخماً لكي يستخدمه عند الحاجة. ولكنه لم يستطع أن «يمسك» روبرت كندي من هذه الناحية لأنه كان مخلصاً لزوجته التي أنجبت له عشرة أولاد وبنات!.
فقط خانها مرة واحدة، ولكن مع مارلين مونرو. وعندئذ أخذ إدغار هوفر يفتح له ملفاً خاصاً يجمع فيه كل المعلومات والمعطيات عن مغامراته الغرامية .. وكانت تلك هي الفرصة الذهبية للسيد هوفر، لكي يقبض عليه بالجرم المشهود، ولكي يشوه سمعته أمام الشعب الأميركي إذا لزم الأمر.
نقول ذلك ونحن نعلم أن منهجية هوفر كانت هي: جمع كل المعلومات عن الحياة الشخصية لأي رجل مهم في الولايات المتحدة، ومعرفة كل نواقصه وعيوبه لكي يستخدمها ضده في الوقت المناسب.
وعندئذ يمكنه أن يمارس الابتزاز عليه، وكذلك التهديد المبطَّن لكي ينفذ له رغباته. فمثلاً الشيء الذي كان يطلبه منه هوفر هذا من آل كندي هو ألا يزيحوه عن منصبه الذي يحتله منذ سنوات وسنوات.ولكنهم كانوا يهددونه بشكل صريح وضمني بأنهم سيعزلونه إذا ما أعيد انتخاب جون كندي مرة أخرى عام 1964.
وكانوا يقولون له: لقد شخت يا مستر هوفر، وينبغي أن تترك هذا المنصب الذي شغلته منذ سنوات طويلة. ويحق لك أن تتقاعد الآن وتستمتع بحياة الراحة والهدوء بعد أن خدمت الدولة عشرات السنين. أليس كذلك؟
ولكنه كان يغلي بالحقد عليهم عندما يسمع هذه الإشارات أو التعليمات. ولذلك فلم يفعل شيئاً لإنقاذ جون كندي من براثن المافيا عندما فكرت باغتياله.
بل لقد حذّر والد الرئيس بأنه سيحصل مصاب عظيم للعائلة، إذا لم يغيّر الرئيس وبالأخص، أخوه وزير العدل سياسته. وعندما كان جوزيف كندي لا يزال يستطيع الكلام تلقّى خبراً من هوفر بأن المافيا ستتحرك ضد أولاده.
وعندئذ اتصل هاتفياً بابنه جون كندي وقال له: جون، ماذا أصابك؟ هل جننت أنت وأخوك؟ لماذا تلاحقون المافيا بمثل هذا الشكل.
أتعرف ماذا تفعل يا جون! هؤلاء الناس قادرون على وضع مئتي كيلوغرام من المتفجرات أمام بيتك.. انتبه للأمر وقل لأخيك أن يكفّ عن ملاحقتهم. إنكما تلعبان بالنار يا جون. أنتما لا تعرفان من هي المافيا. أنا أعرف. هذه هي آخر مرة أحذرك فيها.. ثم أغلق سماعة الهاتف بكل نرفزة وغضب.
بعدئذ طلب الرئيس كندي مقابلة إدغار هوفر في البيت الأبيض لكي يبحث الموضوع معه شخصياً. وقد استقبله وجهاً لوجه دون حضور أي شخص آخر لكي تبقى المقابلة سرية بالكامل. وقد سأله الرئيس مباشرة: ما هي المشكلة يا مستر هوفر؟ لماذا تشتكي إلى والدي علينا؟ فقال له هوفر:
سوف أكون صريحاً معك يا فخامة الرئيس. أخوك شخص غرّ في السياسة ولا يعرف العلاقات السرية التي تربط والدك بالمافيا وزعيمها الموهوب سام جيانكانا . وأخشى أن يحصل ما لا تحمد عقباه إذا ما استمر في ملاحقة أعمالهم غير الشرعية..أخشى أن تكون هناك مخاطر على رئاستك.
فسأله كندي: وهل هناك مخاطر على شخصي؟ فأجابه رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية: ليست عندي أي معلومات دقيقة. ولكن المافيا خطرة ولا ينبغي التحرش بها أكثر من اللزوم. قل لأخيك وزير العدل أن يخفف من ملاحقتهم.. بعد ذلك بأسابيع قليلة اغتيل جون كندي في دالاس ووصلت صورة اغتياله إلى كل تلفزيونات العالم.
الكتاب: لعنة إدغار
الناشر: غاليمار ـ باريس 2005
الصفحات: 332 صفحة من القطع الكبير
LA MALEDICTION D' EDGAR
MARC DUGAIN
GALLIMARD-PARIS 2005
P. 332
