أما قبل

أفاعي الكهوف

عندما شهد الغرب قطيعة مع ماضيه الفكري أفرجت الكنيسة عن كتب كانت في قائمة المحرمات ومن خلال عملية المنع والإفراج أدرك الغرب مسافة الخطأ الذي عاشوا فيه طيلة أربعمئة سنة حيث كان الفاتيكان يرصد عبر لجنة التفتيش التابعة للكنيسة الكاثوليكية آلاف الكتب المحببة للنفس والتي اعتبرتها بمثابة اعتداء على اللاهوتية أو غير أخلاقية.

كان آخر إفراج طال الكتب الممنوعة قد حدث عام 1967 حيث أطلقت »لجنة التجمع المقدس للفهرسة« سراح رواية »أونكل توفر كابن« التي قرر أحد قارئي »محكمة التفتيش« عام 1853 انها دعوة محرضة على الفتنة لأنها عبرت عن العبودية في الولايات المتحدة.

قياساً على هذا المستوى من المنع والحجب تكدست ملايين الصفحات خلف الجدران أو التهمت النيران ملايين أخرى مما أدخل أوروبا في سبات عميق.لكن ثورة المعرفة التي انطلقت من بين الكتب هي التي قادت العالم إلى اكتشاف سعادة الحياة ومصادقتها بدلاً من التمرد عليها.

في تراثنا يوجد عدد هائل من الكتب التي تعاني من الإهمال والنسيان والتي دخلت عالماً من السبات بسبب عدم دراية الرقيب أو لأنه ينتمي إلى عصر آخر غير العصر الذي يعيش فيه، فقد أهملت كتب في تراثنا تضاهي ما منعته الكنيسة ذات يوم وتتفوق من حيث المحتوى الفكري على مئات غيرها، جميعها ذهب أدراج النسيان.

عشرات من الكتب التراثية الممنوعة بأوامر مجهولة المصدر تعرض على مكتبات الرصيف وقد تآكل ورقها ونال منها الزمن وتباع بأسعار عالية لأن بائعها يدرك قيمتها .

وكذلك مشتريها، كلاهما يعلمان أن هذه النوعية من الكتب هي التي تقدمت في عصرها، وكانت في موقع الصدارة ذات يوم، تراجعت في عصر العلوم الحديثة بحجة مخالفتها للرأي أو عدم نيلها رضى الرقيب، والرقيب يومذاك كان يقسم الناس إلى أشرار وأخيار.

في عصر هذا التفوق العلمي الهائل تقوم محاكم تفتيش، تراقب الكتاب وتقلل من شأنه، وفي عصر التفوق هذا يذهب أعظم مؤلفات التراث »ألف ليلة وليلة« إلى المحرقة، أليس عصراً غريباً أن تقوم الدنيا ولا تقعد لأن صورة مشوشة..

مشوشة جداً على غلاف كتاب شعري في معرض للكتاب تثير حفيظة عابر سبيل.. فيحجب الكتاب، ولكن تبقى جوقة مومسات في عشرات المحطات الفضائية يشطن شرقاً وغرباً في عقول الناس، ولا أحد يعترض على سررهن المكشوفة أو سراويلهن الضيقة أو حركاتهن التي تشبه أفاعي الكهوف.

قطعاً الذي يعيش في عصر الكهوف لا يقرأ الكتب وإذا قرأها لا يفهمها.. لذلك يمنع الكتاب ويغض النظر عن الأفاعي.

hussin@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات