بشّار ابراهيم باحث وناقد سينمائي فلسطيني مقيم في دمشق وهو عضو اتحاد الكتّاب العرب، وعضو اتحاد الصحافيين الفلسطينيين في سوريا. له العديد من البحوث والمقالات المنشورة في الصحف والدوريات العربية. من مؤلفاته «ألوان السينما السورية»، «ثلاث علامات في السينما الفلسطينية الجديدة»، «السينما الفلسطينية في القرن العشرين». » رؤى و مواقف في السينما السورية». «عبد الناصر والسينما».
في كتابه الجديد «فلسطين في السينما العربية» يرى الباحث أن كل ما كان يريده السينمائيّون العرب، من الأفلام التي كانوا يضعونها، قراءة القضية الفلسطينية وتحليلها والتعمق في فهمها، أو مخاطبة الرأي العام العالمي ومناشدته والتأثير به، فقاموا بالذهاب فوراً لرؤية الحلّ الذي يحلمون به مجسّداً على الشاشة، بنوا الانتصار الساحق وساروا على طريق التحريروبدت فلسطين عند حدود الأصابع. يتألف الكتاب من مقدمة وعددٍ من العناوين.
عن «السينما العربية في فلسطين» يشير الباحث إلى ان الرواية التي اعتمدها المؤرخون للتأريخ لولادة السينما في فلسطين، ويرى ان ذلك قد تمّ في العام «1935»، عندما قام ابراهيم حسن سرحان بتصوير فيلم تسجيلي قصير مدته «20 دقيقة» يُقال انه كان عن زيارة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود لفلسطين، وتنقّله بين القدس ويافا.. ويُذكر ان مَن رافق الملك سعود في تلك الرحلة، كان الحاج محمد أمين الحسيني، نفسه، مفتي فلسطين، والزعيم الديني الروحي والسياسي في فلسطين خلال سنوات طويلة من القرن العشرين.
تعود هذه الرواية إلى المخرج العراقي «قاسم حَوَل» الذي كان قد غادر العراق للدراسة، وعمل في (سينما الثورة الفلسطينية) منذ مطالع سبعينات القرن العشرين، وقدّم عدة أفلام تسجيلية قصيرة مهمة، منها فيلمه التسجيلي «النهر البارد» عام «1971»، كما أنجز فيلم «عائد إلى حيفا «الروائي الطويل الوحيد في سينما الثورة الفلسطينية، لصالح الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عن رواية لغسان كنفاني بذات العنوان.
وأعلن «قاسم حَوَل» انه اكتشف أول سينمائي فلسطيني هو ابراهيم حسن سرحان، وقد التقاه في مخيم «شاتيلا» في بيروت.. وأجرى معه حوارات مطولة وأخذ عنه شهادات تاريخية، بصدد ولادة السينما الفلسطينية. وفي هذا السياق، يروي «سرحان» انه أنجز فيلماً بعنوان «أحلام تحقّقت» وهو فيلم مدته «45 دقيقة» كان بمثابة دعاية لرعاية الأيتام، كما حقّق فيلماً عن « استديو فلسطين».
ويقول ابراهيم حسن سرحان انه بعد وقوع النكبة الفلسطينية عام «1948»، ذهب إلى الأردن حيث قام بإنجاز فيلم روائي طويل عنوانه «صراع في جَرَش» من انتاج «شركة أفلام الأردن للتمثيل والسينما» عام «1957»، وقد عُرض هذا الفيلم ( بعد ممانعات ) في دور سينما الأردن، واعتبر بمثابة الفيلم الأردني الطويل الأول.
ويؤكد الباحث على ان أول فيلم فلسطيني روائي هو الفيلم الذي حقّقه «صلاح الدين بدرخان» عام «1946» وكان بعنوان «حلم ليلة» الذي عُرض في كلٍّ من القدس ويافا وعمّان.. قبل ان يجد طريقه إلى القاهرة. كما ان السينمائي الفلسطيني «محمد صالح الكيالي» كان قد سافر إلى ايطاليا ودرس الإخراج هناك، بعد ان كان قد أسّس استديو للتصوير الفوتوغرافي في يافا عام «1940»، أي في فترة ما قبل النكبة الفلسطينية. ويخلص الباحث إلى ان السينما العربية في فلسطين، قبل عام «1948»، هي محض روايات متضاربة، خاصة دون توفّر وثائق صريحة وحاسمة.
وعن «فلسطين والصراع العربي الصهيوني في السينما المصرية» يذكر الباحث ان الفيلم الروائي المصري الأول الذي تناول موضوعاً فلسطينياً، لم يظهر حتى عام «1948»، وهو تاريخ متأخر نسبياً عن السينما المصرية وشؤون القضية الفلسطينية على السواء. وكان ذلك عبر فيلم «فتاة من فلسطين» للمخرج محمود ذو الفقار، عن سيناريو لرائدة السينما المصرية «عزيزة امير» ومن إنتاجها. وفي عام «1949» يقدّم فطين عبد الوهاب فيلم «نادية» وهو يتحدّث عن نادية المدرِّسة في إحدى مدارس البنات والتي تعيل إخوتها.
يتخرّج اخوها من الكلّية الحربية ويستشهد في ميدان الحرب في فلسطين، وتستمرّ في تضحيتها مترافقة مع قصة حب، ملفقة أيضاً.. والفيلم لا يتناول الحرب أو فلسطين على نحو مباشر وواع، بل من خلال ميلودراما مصرية لا تتميز إلا بالحديث عن سقوط أول شهيد مصري، سينمائياً، في حرب فلسطين. ولن يخرج فيلم «أرض الأبطال» لنيازي مصطفى عام 1953 عن الدائرة ذاتها،
وذلك عندما يدفع بطله بسبب صدمة عاطفية للتطوع في الجيش والمشاركة في حرب فلسطين. وقضية الأسلحة الفاسدة ذاتها ستكون موضوعاً في فيلم «الله معنا» لأحمد بدرخان عام «1954» حيث نشاهد قصة الضابط احمد الذي يشارك في حرب فلسطين ويُصاب خلال الحرب، ويتم اكتشاف جريمة استيراد الذخيرة والأسلحة الفاسدة، وتكتشف الخطيبة ان والدها هو احد هؤلاء المستوردين.
وفي عام 1957 يقدم نيازي مصطفى فيلمه «سجين أبو زعبل» الذي يتناول فيه الاعتداء على سجن أبو زعبل خلال العدوان الثلاثي على مصر عام «1956» من خلال سيناريو كتبه «السيد بدير» حول بطل الفيلم الذي بدأ مهرِّباً للمخدرات وجاسوساً، ولكن الأحداث التي يشهدها ستجعله ينضم إلى قوات الحرس الوطني ويشارك في المقاومة.
ويأتي فيلم «أرض السلام» لكمال الشيخ في عام «1957» ليحكي قصة «احمد» الفدائي المصري الذي يختفي داخل قرية فلسطينية، فتكون مناسَبة للفيلم، لكي يعرض واقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين والمعارك التي تنشب من اجل تحرير فلسطين. وفي عام «1957» ذاته، يقدّم عزّ الدين ذو الفقار فيلمه «بورسعيد» عن صمود هذه المدينة الباسلة والذي يُعتبر من أنضج الأفلام التي تناولت العدوان الثلاثي. ومع مطلع السبعينات يقدم سعيد مرزوق فيلمه «الخوف» عام «1970» وهو فيلم يحاول ان يناقش تأثيرات نكسة يونيو عام «1967» وما تلاها من عدوان صهيوني على حياة الشعب المصري.
كما قدمت جماعة السينما الجديدة في مصر عام «1973» فيلم «الظلال على الجانب الآخر» للمخرج الفلسطيني «غالب شعث». ويُعتبر هذا الفيلم محاولة جادة وحقيقية لطرح القضية الفلسطينية. أما فيلم «الوفاء العظيم» لحلمي رفله عام «1974» فينتمي لرصد التغييرات التي حصلت في مصر إثر حرب اكتوبر التحريرية. عن «فلسطين والصراع العربي الصهيوني في السينما السورية» ينظر الباحث نظرة متأنية وموضوعية،
لما حاول القطاع الخاص في السينما السورية ان يقدّمه فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، ويكشف الباحث مدى البؤس الفني من جهة، والنوايا الحسنة من جهة أخرى، في الأفلام التي انجزت منذ نهاية الستينات من القرن العشرين على قلّتها. ففي عام «1969» قام القطاع الخاص في السينما السورية بتقديم فيلمين روائيين طويلين هما « ثلاث عمليات داخل فلسطين» من اخراج الفلسطيني محمد صالح كيالي و«عملية الساعة السادسة» من اخراج سيف الدين شوكت. وفي الفيلمين كانت ثمة مشاركة واسعة من أبرز نجوم الفن في سوريا. وفي جانب آخر تماماً،
وعلى اعتبار ان البداية الحقيقية للسينما السورية بدأت مع المؤسسة العامة للسينما، فإن المسيرة التاريخية للإبداع السينمائي بصدد القضية الفلسطينية في سوريا تؤكد ذلك، ففي هذا الاطار يُعدّ «إكليل الشوك» للمخرج نبيل المالح عام «1969» بداية مناسبة للحديث عن القضية الفلسطينية في السينما السورية، وهو فيلم ينتمي إلى السينما الروائية القصيرة مدة الفيلم «20» دقيقة، في «إكليل الشوك» يرصد المخرج نبيل المالح احد المخيمات الفلسطينية وهو مخيم «القابون» الذي كان قرب دمشق. ينطلق نبيل المالح من حلم انساني صغير وبسيط، يشتعل في وجدان فتاة فلسطينية،
لكن الدبابات الاسرائيلية ستسحق هذا الحلم. ويجد الباحث ان نبيل المالح، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز السنة فقط، يطوّر أساليبه الفنية ويعمّق من فهمه للقضية الفلسطينية من خلال مشاركته في انجاز ثلاثية «رجال تحت الشمس» عام «1970» مع المخرجين محمد شاهين و مروان المؤذن، حيث كانت مشاركته عبر فيلمه الروائي القصير الذي جاء بعنوان «المخاض» والذي يدور حول ولادة الثورة الفلسطينية، وانبعاثها من قلب المعاناة.
وفي ذات العام «1970» سنشهد فيلمين سوريين قصيرين هما فيلم «الزيارة» لقيس الزبيدي وفيلم «اليد» لقاسم حَوَل، وهما مخرجان عراقيان عملا في إطار السينما السورية والفلسطينية. اما المخرج خالد حمادة، فقد عمد إلى الاتكاء على رواية «ما تبقى لكم» للروائي الفلسطيني غسان كنفاني ليقدم لنا فيلم «السكين» 19721971،
وقد التزم المخرج فيه بحدود العمل الروائي ولكنه لم يستطع، كمخرج، ان ينازع الرواية ذات الأهمية أو يوازيها. وفي العام التالي «1972» ستنتج المؤسسة العامة للسينما في سوريا احد اهم الافلام العربية التي تناولت القضية الفلسطينية وهو فيلم «المخدوعون» الذي اخرجه المصري المتميز توفيق صالح.
والفيلم كما هو معروف مأخوذ عن رواية «رجال تحت الشمس» للروائي غسان كنفاني. وسيحقق فيلم «مائة وجه ليوم واحد» لكريستيان غازي جائزة نقاد السينمائيين في مهرجان دمشق الدولي الاول لسينما الشباب عام «1972»، وهو فيلم نظيف يستند على قصة عاملين فلسطينيين ينتظمان في صفوف الثورة الفلسطينية، ومن خلال قصتهما يدين الفيلم الشرائح البرجوازية ويمجّد الطبقات الكادحة.
وبعيد حرب تشرين «1973» ستقدّم المؤسسة العامة للسينما عام «1974» بالتعاون مع مؤسسة السينما اللبنانية، فيلماً على غاية من الأهمية والبراعة، هو فيلم «كفر قاسم» من اخراج اللبناني برهان علوية، وهو يتناول المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الصهاينة ضد أهالي قرية كفر قاسم عام «1956».
أما المخرج مروان حداد فيقدم فيلمه «الاتجاه المعاكس» عام «1975» وفيه مناقشة جادة، ولأول مرة في السينما السورية، لانعكاسات هزيمة « يونيو وأثرها على الشباب العربي عموماً والفلسطيني في سوريا تحديداً. وفي «الأبطال يولدون مرتين» للمخرج صلاح دهني عام «1977» نجد فيلماً يقدم الواقع الفلسطيني مباشرة، إذ تدور احداث الفيلم في مخيم فلسطيني، من المفترض أنه موجود في قطاع غزة، بعد ان وقع تحت الاحتلال الصهيوني.
يستند الفيلم على قصة «سرّ البري» لعلي الزين العابدين الحسيني، ومحورها الجوهري فتى فلسطيني على بوابة نضوج الوعي يرتبط بعلاقة متميزة مع جدّه. ويتصل فيلم «حادثة النصف متر» للمخرج سمير ذكرى كذلك بالشأن الفلسطيني من خلال الخلفية التاريخية التي تدور في ظلالها حياة بطل الفيلم الدمشقي صبحي الحلونجي. كذلك الأمر بشأن فيلم «أحلام المدينة» لمحمد ملص عام «1984» حيث نرى ان احداثه تدور بين مدينتي دمشق والقنيطرة بدءاً منذ مطلع الخمسينات في القرن العشرين.. وسنجد في خلفية المشهد حضوراً متكرراً ولكنه غير مؤسَّس عميقاً للشأن الفلسطيني.
ففلسطين حضرت غائبة، وغابت حاضرة في هذا الفيلم، وهو الامر ذاته الذي تكرّر في فيلم «الليل» لمحمد ملص ايضاً عام «1992». وينهي الباحث بشار ابراهيم حديثه عن السينما العربية والقضية الفلسطينية والصراع العربي والصهيوني بمجموعة من الملاحظات نذكر منها : أن السينما العربية اقتصرت بإنتاجها السينمائي بصدد القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني على ما قدمته السينما المصرية والسينما السورية،
ومع نهاية عقد الستينات من القرن العشرين، بدأت بعض الافلام القليلة بالظهور في هذا البلد أو ذاك، حيث بدأ بإمكاننا الحديث عن وجود فيلم سينمائي عربي يتناول قضايا متعلقة بالموضوع الفلسطيني أو الصراع العربي الصهيوني.
د. وانيس باندك
الكتاب: فلسطين في السينما العربية
الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2005
الصفحات: 160 صفحة من القطع الكبير
