تعتبر الكاتبة والشاعرة الأميركية الشابة نيكول كرواس التي تبلغ الثلاثين من عمرها من رواد الرواية الحديثة في الغرب، واستطاعت أن تأخذ مكانها في عالم الأدب الروائي من خلال نشرها لروايتين فقط إلى جانب مجموعة من قصائدها. وعلى الرغم من احتفاء الأوساط الأدبية بها سيما النقاد، فإنها تصر على التغريد خارج السرب ،

وفي هذا الإطار تعقب في إحدى المقابلات معها بقولها، «في الحقيقة أنا أتحاشى اللقاء مع كتاب آخرين. عندما كنت أصغر سنا، كنت أنظر إلى الكتاب بهالة من الإعجاب. وكنت أعتقد أنهم نوع من الملائكة. إلا أنه للأسف تبين لي أن الكتاب عندما يجتمعون، لا يتحدثون عن القضايا الفلسفية المعاصرة، بل يسأل أحدهم الآخر: من هو ناشرك ؟ وهل قرأت العرض السيئ ذاك؟ وهكذا دواليك. وهذا أمر مخيب للآمال».

كانت بدايتها مع القصيدة، حيث نشرت بعضا من أشعارها في مجلة «بويتري» البريطانية حينما كانت في التاسعة عشرة من عمرها. ومنذ ذلك الحين بدأ طموحها يكبر باطراد. وأول عمل روائي لها تمثل في كتابها «رجل يدخل إلى الغرفة»، وقد لفتت أنظار النقاد إليها وحظيت بكم كبير من العروض لروايتها إلى جانب الإشادة بموهبتها ومهاراتها.

وعن صدى هذه التجربة المبكرة تقول، «ليست فكرة جيدة أن يصرف المرء الكثير من طاقته في القلق بشأن النشر مبكرا. أو التفكير بمسألة أن يلقى عمله قبولا أم لا. الأفضل أن نكتب، كمغامرة، وأن لا نقلق كثيرا في البداية عما سيفكر فيه أي كان بشأن عملنا». وتتحدث في روايتها هذه عن شريحة من المجتمع، يعمد الجميع إلى تجاهلها، هي فئة المسنين. أما الحبكة فتتناول قصة رجل يفقد ذاكرته بعد دخوله غرفة العمليات لاستئصال ورم من جسده.

أما روايتها الثانية «تاريخ الحب» فقد أثارت اهتماما فاق عملها الأول وقد تحدث عنها النقاد حتى قبل صدورها هذا العام. ولا أدل على نجاح عملها وأهميته بعيدا عن دور دار النشر في التسويق للكتاب، من قيام بعض الإذاعات ومنها البي بي سي، بتقديم قراءة لبعض فصول الكتاب عبر حلقات أسبوعية.

وأبطال كراوس في روايتها الآسرة «تاريخ الحب» يجمع بينهم الكثير، على الرغم من الفارق الكبير في السن. فليوبولد غورسكي البالغ من العمر ثمانين عاما، الذي هرب من معسكر اعتقال النازيين في بولندا، قد أمضى معظم حياته وحيدا في الجانب الأسفل من شرق مدينة نيويورك حيث كان يعمل في صناعة الأقفال. وعليه فإن صورته لا تظهر في الصور الفوتوغرافية، ويشغل ليو وقته في محاولة «عدم الموت في يوم لا يراه فيه أحد».

ولتحقيق ذلك كان يسير في الحي الذي يعيش فيه مسقطا بعض الأشياء المعروضة في المخازن أو بعض النقود المعدنية أو طلب تبديل قهوته عدة مرات في مقهى ستارباكس كي يلفت الانتباه. وقد ذهب في طلبه هذا إلى حد الوقوف عاريا كموديل للرسامين.

أما ألما فهي فتاة في الرابعة عشرة من عمرها من سكان بروكلين. ويبدو أنها وجدت مهربا لنفسها في قصة جي دي سالينغر. كان يسكنها هاجس جمع النباتات والأشياء ودراستها وإن كانت لن تفيد منها حينما تكبر. ومثل ليو لم تكن ألما تشعر بأنها مرئية، على الأقل بالنسبة لوالدتها. كانت تتجول على الدوام في المدينة في مهمة خاصة بها.

إن كل من ليو وألما يصارعان للبقاء أحياء. ليو الذي نجا من مجزرة، وألما التي تدرب نفسها على عدة تقنيات، كي تتمكن في يوم ما من العيش في البراري. الاثنان يعتبران نفسيهما كاتبين. وتوثق ألما في دفتر مذكراتها تاريخ العائلة وتحلل حياتها.

وهذه البدايات كانت بمثابة مدخل لأخذ كل منهما دوره كراو يسرد الأحداث، بانتقالات بين الماضي والحاضر.

ففي بولندا، كتب ليو حينما كان شابا رواية عن فتاة تدعى ألما ميريمنسكي. وقد ضاعت تلك الرواية منذ زمن بعيد، إلا أنها مازالت تسكن أفكاره.كل من ليو وألما يعيشان فقدان حب كبير، مرتين. فألما الخاصة بليو، وهي المرأة الوحيدة التي أحبها طيلة حياته، تغادر القرية إلى أميركا قبل الدمار النازي. وهو لا يعلم أنها كانت حاملا بولده الذي سيكبر كابن لرجل آخر. وقد علم ليو بذلك لاحقا.

وابنه اسحق أصبح كاتبا مرموقا ومحاطا بهالة تقدير لتعاطفه الإنساني. يراقبه ليو عن بعد، ويعلق على هذا الأمر بصفته عامل أقفال: «لم أستطع أبدا أن أفتح أي شيء أريده».أما ألما فقد توفي والدها بمرض السرطان حينما كانت في السابعة من عمرها. كما افتقدت وجود والدتها شارلوت سالينغر أيضا، التي لم تخرج من قوقعة حزنها إلا لتعمل كمترجمة للكتب. ويتضح من بداية القصة أن شارلوت استلمت عملا من زبون مجهول يتمثل في ترجمة قصة اسبانية بعنوان «تاريخ الحب».

يتبادل كل من ليو وألما الأدوار في سرد قصصهما المعقدة. وقد كتبت كراوس ببراعة أصوات تلك الشخصيات، ولم تفقد سيطرتها على دوامة الأحداث المتشابكة، أو على تفرد الأصوات واختلافها. فهناك على سبيل المثال، صوت الأخ الأصغر لألما ويدعى بيرد الذي يتميز بغرابة أطواره وقلقه وتصوره بأنه سيصبح مسيحا آخر.

وعلى الرغم من العزلة الداخلية لعائلة ألما، إلا أن الحب كان يجمع بينهم ولم تمنع مأساة فقدان الأب أن تعيش الأسرة أوقاتا سعيدة ومشرقة. وتتعامل الكاتبة مع الأحداث التي تسردها بذكاء مع الاحتفاظ بعنصر التشويق لدى القاريء، فكل حدث يأتي ما يبرره في فصل لاحق، ومثال على ذلك أن ألما كانت من بين الطلبة الرسامين الذين كانوا يرسمون جسد ليو الواقف أمامهم، وبالطبع من دون أن يعرف أحدهما الآخر أو دور القدر في جمعهما بعد مضي زمن.

وتتلخص الحبكة في كونها كتاباً داخل كتاب ، حيث تحتل شخصيات الرواية الأولى الرواية الثانية وبالعكس. وهذا يشبه كما تذكر الناقدة باربرة ليس أسلوب بول اوستر في اعتماده على عالم واسع يجمع أو يخلط الماضي بالحاضر من خلال الواقعية السحرية التي تمثل الدافع لتحريك الأحداث.وما يجمع ليو وألما في النهاية، هو الرواية الضائعة «تاريخ الحب». ويمكن القول بأن هذا الكتاب يحمل بحد ذاته حياة مذهلة، من خلال متابعة رحلة ليو.

أما قصة الكتاب الضائع، فتبدأ عام 1941، حين أعطى ليو صديقه زفي ليتغينوف كتابه قبل مغادرته بولندا، ليحتفظ به كأمانة. وحينما استقر زفي في تشيلي لم يتردد في نشر الكتاب باللغة الاسبانية وينسبه إلى اسمه كمؤلف، وذلك بعد أن غير أسماء جميع الشخصيات باستثناء اسم البطلة ألما.

وبعد مضي ستين عاما، يلتقي ليو بكتابه، ويتساءل بدهشة، «هل يمكن أن أكون مشهورا وأنا لا أدري؟». بالتأكيد لا، فتاريخ ليو لا يترك أثرا في عالم الأدب، إلا أن شخصيات كراوس تترك أثرا عميقا في ذهن القراء.يكتشف والد ألما هذه الرواية في مخزن للكتب يعلوه الغبار في بوينس آيريس، ويعطيه لوالدة ألما في بداية تعارفهما. وقد اسميا ابنتهما تيمنا باسم بطلة الكتاب ألما. وتتذكر ألما بسعادة حينما كانت والدتها تقرأ من ذاك الكتاب، سيما ذاك السطر «المرأة الأولى هي حواء، إلا أن الفتاة الأولى ستكون دوما ألما».

وفصول رواية كراوس تحفل بعناوين تعكس تلك المراحل، منها «عهد الزجاج» و«عهد الصمت» و«ميلاد المشاعر». ويبدو هذا الكتاب أقل تعقيدا لدى قراءته من محاولة تلخيصه. وتصف المحررة ماري ماونت المشرفة على تدقيق الكتاب وهي من دار نشر بنغوين هذا الكتاب بقولها، «إن تاريخ الحب هذا إنما هو رحلة لقوة وصراع البقاء».

وفي هذا المجال تذكر الناقدة نورا بيهل،«إن سرد كراوس متنوع بصورة مميزة، وقد استخدمت بمهارة أساليب مختلفة لتمييز أصوات شخصياتها العديدة سيما التي قامت بدور الراوي. بالإضافة إلى إتقانها ببراعة صياغة حبكة القصة الغامضة. كما أن روايتها تجمع ما بين الكوميديا والأسطورة والأسى الذي يفطر القلب».

أما رون تشارلز من صحيفة «واشنطن بوست»، فيقول أن كراوس استطاعت في أكثر اللحظات غرابة أن تلمس أدق مشاعر قلب القاريء. ليو المهووس بموته الذي يصارع ليكون مرئيا، وألما التي تدخل في طور نمو شخصيتها إنما المأسورة بحزن والدتها، يدفعهما الإصرار على الحب إلى تواصل مدهش.

وقد استلهمت كراوس قصة روايتها الاستثنائية من أجدادها الأربعة من طرف الأم ومن طرف الأب، وأيضا من كتابها المفضلين الذين أعمالهم مسكونة دوما بمشاعر الفقدان، ومنهم برونو شولز وفرانز كافكا واسحاق بابيل. وهي حقا قصة عن تاريخ الحب مجدولة بالضحك والقوة والمشاعر وقوة الخيال المحركة دوما باتجاه البقاء على قيد الحياة.

ومن الكتاب الذين تعتقد أن على محبي الأدب قراءتهم، الكاتب اليوغسلافي دانيلوكيس الذي ولد عام 1935 وتأثرت به كثيرا، ومن أهم أعماله «حديقة، رماد»، والكاتب التشيلي روبرتو بولانو الذي توفي قبل بضع سنوات، وعمله «في ليل تشيلي»، ورواية «آخر ساموراي» لهيلين ديويت، ورواية «بودابست» للكاتب البرازيلي شيكوبارك، وقد صدرت حديثا.

حقائق عن نيكول كراوس

ـ درست نيكول كراوس البالغة الثلاثين من العمر الأدب وتاريخ الفن في جامعة ستانفورد وتابعت دراستها بعد التخرج في جامعة أكسفورد ومعهد كورتولد في لندن.

ـ تم اختيارها ضمن القائمة الأخيرة لمسابقة يال للشعر الخاصة بالشبان الصغار، ونشرت قصيدتها في عدة مطبوعات مثل باريس ريفيو، بلوشيرس ودبلتيك. وتعيش حاليا في مدينة نيويورك.

ـ بدأت بكتابة الشعر حينما كانت في الثالثة عشرة، وبعد ست سنوات نشرت أول قصيدة لها.

ـ تحولت من الشعر إلى الرواية بعد عملها في إذاعة البي بي سي على مشروع وثائقي طويل عن جوزيف برودسكي.

بعد انتهائها من المشروع، أحست بفراغ كبير دفعها إلى التفكير في كتابة رواية.

ـ نشرت روايتها الأولى «رجل يدخل إلى الغرفة» حينما كانت في السابعة والعشرين من عمرها وحققت نجاحا كبيراً.

ـ متزوجة من كاتب الرواية الذي يوازيها شهرة جوناثان سافران فور

الكتاب: تاريخ الحب

الناشر: فايكينغ ـ لندن 2005

الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط

The History of Love

Nicole Krauss

Viking - London 2005

P. 272