مؤلف هذا الكتاب العالم المصري الدكتور علي حبيش، صاحب الدور البارز في مجال البحث العلمي، له العديد من الدراسات والأبحاث والكتب من بينها: استيعاب التكنولوجيا وتحديات العصر، نقل التكنولوجيا، نقل وتنمية التكنولوجيا، مصر والتكنولوجيا في عالم متغير، الإنماء المعرفي منطلق مصر للتحديث، التكنولوجيا والصناعة في ضوء التنافسية العالمية، البحث العلمي والتنمية التكنولوجية في مصر - نظرة مستقبلية.

يشمل هذا الكتاب وهو بعنوان «الموجة الثالثة وقضايا البقاء» على ستة فصول هي: التعليم في القرن الحادي والعشرين، التنمية والتقدم العلمي والتكنولوجي، المكون التكنولوجي في النمو الاقتصادي، جودة البيئة بالإنسان وللإنسان، الإنسان المصري والموجة الثالثة، نحو مجتمع المعرفة.

في الفصل الأول: التعليم في القرن الحادي والعشرين، يشير المؤلف إلى أن إنسان اليوم يوصف بأنه وحدة اقتصادية منتجة لنفسه ولأسرته ولمجتمعه، فهو قادر على أن يتعلم كل ما يدفع حياة التطور إلى الأمام عبر تفاعله وقيادته للكون الخزان اللانهائي للمعرفة، وبقدر ما يكتشف الإنسان وينتج ويولد المعرفة من هذا الكون ويستخدمها في الإنتاج وتوليد السلع والخدمات بقدر ما يحقق الإنماء المعرفي،

والمقصود بالإنماء المعرفي هنا التنمية القائمة على المعرفة التكنولوجية المتقدمة التي تسفر عنها العلوم الحديثة والاختراعات والابتكارات المرتبطة بها، فكلما زادت كثافة تلك المعرفة في مكونات العملية الإنتاجية، زاد النمو الاقتصادي والقدرة على المنافسة. وبالمثل فزيادة كثافة المعرفة في الوسائل المستخدمة في الخدمات وسهولة التعامل معها تؤدي إلى ارتقاء المجتمع وإزدهاره.

ويرتبط الإنماء المعرفي في المقام الأول بالإنسان صاحب العقلية التي تصنع التقدم من خلال تحكمه في نمو وتآزر مكونات ثلاثة: تعليم وتدريب وممارسة مستمرة ومجودة، وبحث علمي متميز ومبتكر، وصناعة دائمة التغيير فائقة التطور.

وكلها أمور لن يكتب لها الإزدهار إلا في إطار ثقافي سوي من القيم والأخلاق والسلوك والإنتماء للوطن والولاء له. من هنا يرى المؤلف أنه لن يكون هناك تنمية أو تقدم في عصر الموجة الثالثة دون تربية وتعليم وتأهيل للإنسان المصري ولن يتم ذلك إلا بمفهوم الشجرة التعليمية بمعنى البناء المستمر المرتبط برؤية معينة في التربية والمرتكز على جذع أساسي واحد هو التعليم الأساسي، والمتفرع عنه فروع عديدة ومتعددة تسمح بالتغذية المستمرة من الجذع للأفرع والإنتقال أفقيا من فرع إلى فرع.

ويختلف هذا المفهوم عن السلم التعليمي الذي له بداية وله نهاية وتسلسل محدد. وحتى ننجح في تطبيق هذا المفهوم لابد من التركيز على المعلم القدوة، قدوة فكرية، ونفسية وتربوية، واجتماعية، فإذا لم يعد هذا المعلم إعدادا جيدا للقيام بهذا الدور، فلا أمل في التعليم، وبالإضافة إلى ذلك لابد من ربط التعليم بالتدريب والممارسة.

في الفصل الثاني: التنمية والتقدم العلمي والتكنولوجي يوضح المؤلف أن المجتمع الإنساني المعاصر يشهد تطورات وتحولات كبيرة بسبب التقدم التكنولوجي السريع وغير المسبوق في مجالات تكنولوجيا الإنتاج والتوزيع والمعلومات والاتصالات حيث أدى التطور في العلم والتكنولوجيا خلال الثلاثين سنة الأخيرة من القرن العشرين، إلى تراكم معرفي رهيب، وواكبت الدول المتقدمة نموها الاقتصادي بدعم البحث العلمي مما جعل التراكم الرأسمالي في هذه الدول مرتبط بالتراكم المعرفي والتنمية المستمرة للبشر.

من هنا فنحن نريد كفاءات وقدرات بشرية تنقلنا من الصناعات التقليدية إلى صناعات جديدة، أي من النمطية إلى التميز، من الخيار الواحد إلى العديد من الخيارات.

ولكي تعمل منظومة العلم والتكنولوجيا بكفاءة عالية فإن عليها أن تمتلك.. أولا نخبة من العلماء والتكنولوجية والقوى البشرية الماهرة من أجل إبداع وابتكار المستوى التكنولوجي المطلوب وتطويره.

ثانيا: امتلاك القدرة على تعبئة العلماء، ثالثا: ان تمتلك الدولة أو يمكنها تدبير الموارد الكافية لإحراز التمكن من التكنولوجيا المتقدمة، رابعا: حتمية وجود سوق محلية وخارجية لتصريف المنتجات التكنولوجية المتميزة. خامسا: ضرورة توافر إرادة سياسية واعية لدعم تسخير العلم و التكنولوجيا لأغراض التنمية. سادسا: أن يكون للعلم والتكنولوجيا مكانة في المجتمع وتأييد شعبي من الجماهير.

وإذا كانت الثورة الصناعية الأولى قد زودت الإنسان بإمكانيات عضلية مثل الروافع والماكينات، والثورة الصناعية الثانية قد أعفته من القيام بالأعمال الروتينية المتكررة، حيث أصبح هناك الإنتاج الضخم، فإن الثورة الصناعية الثالثة (ثورة الطاقة الذرية والفضاء الالكترونيات والمواد الجديدة والهندسة الوراثية والمعلومات) أو ما يسمى بالموجة الثالثة قد فرضت السيادة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للدول التي احتكرت معطيات ومقومات هذه الثورة.

لذا يوضح المؤلف أن هناك عددا من المجالات العلمية والتكنولوجية الجديدة والمستحدثة التي تبذل فيها جهود خاصة نظرا للاحتمالات المتقدمة في التطوير التي تنطوي عليها. مثل التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، تكنولوجيا صناعة الدواء، تكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات، تكنولوجيا المواد الجديدة، تكنولوجيا الليزر، تكنولوجيا الفمتوثانية، تكنولوجيا النانو.

ينتقل الباحث بعد ذلك إلى الفصل الثالث: المكون التكنولوجي في النمو الاقتصادي ويشير إلى أن المكون التكنولوجي في الآلات والمعدات والأجهزة التي تستخدم في الإنتاج السلعي والخدمي والعلمي. يوصف بأنه المعرفة والخبرة اللازمة للإنتاج وإدارته وتسويق وتوزيع منتجاته.

ويتولد أساسا من البحث والتطوير، ومن ثم فهو المسؤول عن المنتج وكذلك عن دوام تطويره ليساير كل تقدم علمي وتتوقف كفاءة وفاعلية المكون التكنولوجي على ست ركائز هي:

التنمية البشرية (المعلومات والفكر ـ الإدارة ـ التأهيل والتدريب)، القدرة الإنتاجية المنافسة، قدرة المجتمع على رفع مستوى الفرد والحفاظ على البيئة، إرسال التميز العلمي العالمي (علوم الصدارة: المعلوماتية ـ الإلكترونيات ـ الفوتونات الضوئية ـ الطاقة النووية ـ الفضاء ـ المواد الجديدة)، استيعاب وتوليد التكنولوجيا، النهوض التكنولوجي ويرى المؤلف أنه لابد من تناول المكون التكنولوجي لخطط التنمية القومية في إطار رؤية استراتيجية تمثل مجموعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وأخيرا وفي الفصل السادس «نحو مجتمع المعرفة» يتناول الباحث بالتفصيل ما تناوله في الفصل الرابع والفصل الخامس من جودة البيئة والإنسان والإنسان المصري والموجة الثالثة. حيث أشار إلى أن مجال البحث والتطوير التكنولوجي ومجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يحظى بأهمية متزايدة في عالم اليوم كثيف المعرفة، ومن ثم فلابد من تناولهما في إطار رؤية استراتيجية تمثل مجموعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المترابطة،

ومن هذا المنطلق لابد من سياسة تكنولوجية تحدد أولويات المبادرات التكنولوجية، كما نحتاج أيضا إلى سياسة معرفية خصوصا والعالم ينتقل حاليا من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة. حيث ستصبح هي الأساس في توليد الثروة وليست المواد الخام، وإدارة المعرفة هي التحدي الحقيقي لكي نصل إلى مجتمع المعرفة.

الكتاب: الموجة الثالثة وقضايا البقاء

الناشر: كتاب الأهرام ـ القاهرة 2005

الصفحات: 225 صفحة من القطع المتوسط