مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور أحمد عبد الله الحاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة القاهرة ودكتوراه العلوم السياسية من جامعة كامبردج بإنجلترا، عمل كنائب رئيس لجنة بحوث الشباب بالجمعية الدولية لعلم الاجتماع، ويعمل حالياً مديراً لمركز الجيل للدراسات الشبابية والاجتماعية. صدر له من قبل العديد من المؤلفات في قضايا الحركة الطلابية، الديمقراطية، حقوق الإنسان والطفولة العاملة وغيرها.
ويقوم د.عبد الله من خلال هذا الكتاب بمحاولة لرصد أحوال فئة عمرية محددة من فئات المجتمع المصري وهي فئة الشباب، ويقصر تناوله في الكتاب على من هم في المرحلة الجامعية منطلقا في ذلك، حسبما يشير، من أنه خلال هذه المرحلة فإن الحركة الطلابية تتبلور بشكل واضح المعالم بالشكل الذي يلقي بتأثيراته على المجتمع من الناحيتين السياسية والإجتماعية.
ومن هذه الخلفية يعرض للتفاصيل المتعلقة بموضوع كتابه على مدار العقد المنصرم والتحديات التي من المتوقع أن تواجه هذه الفئة العمرية خلال القرن المقبل «القرن الواحد والعشرين» والسبل المختلفة لمواجهة مثل هذه التحديات.
يقوم د. عبد الله بتقسيم جيل الشباب زمنيا إلى أربعة أجيال هي: شباب ما قبل ثورة 1952، شباب ما بعد الثورة، جيل 1967، وجيل ما بعد 67 حتى نهاية القرن العشرين.
ثم يطرح أهم مميزات كل جيل من هذه الأجيال والتحديات التي واجهته وكيف قام بمواجهتها سواء كانت نتيجة هذه المواجهة الفشل أو النجاح. عن جيل شباب ما قبل الثورة يعرض الكاتب له من خلال توضيح المكانة التي كان يحظى بها الطلبة خلال هذه الفترة سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية وتأثيرهم في كلا المجالين.
ففي المجال السياسي يقول د. عبد الله ان تأثير الطلبة في الحياة السياسية في مصر في فترة ما قبل الثورة كان واضحا جدا، الأمر الذي ظهر من خلال عدة محاور أولها حرص القصر الملكي في مصر على علاقة طيبة مع الطلبة وكسب تأييدهم بل واستخدامهم أحيانا كإحدى أدوات الضغط في يد الملك في صراعه مع الحكومة الوفدية الأمر الذي كان واضحا عند قيام بعض الطلبة المؤيدين للملك بالتظاهر ضد الحكومة الوفدية برئاسة «سعد زغلول» عام 1924 وبرئاسة النحاس عامي 1930، 1936 وإبان الأزمة الدستورية عام 1937.
و لم يقتصر الأمر على طلبة جامعة القاهرة فقط بل امتد الأمر ليشمل طلبة الأزهر حيث كان حرص الملك على كسب تأييد طلبة الأزهر وشيوخه أمرا واضحا للغاية.
جاء هذا في الوقت الذي حرصت فيه الحكومة «حكومة الوفد» على كسب ود الطلبة بطريقة أو بأخرى سواء من خلال تخفيض بعض المصاريف الدراسية أو غيرها من الأمور التي من شأنها أن تيسر على الطلبة وفي الوقت ذاته تكسب بها الحكومة تأييد الطلبة أو على الأقل تحيدهم بالشكل الذي يتم به إبعادهم عن تأييد القصر.
أما المحور الثاني فهو علاقة الطلاب بالأحزاب السياسية حيث جاءت هذه العلاقة لتعكس المواقف المختلفة للأحزاب السياسية التي كانت موجودة آنذاك إزاء قضية استقلال مصر حيث كانت الساحة الطلابية كلها بمثابة ساحة مهمة للتنافس الحزبي.
وكان هذا الأمر بمثابة التحدي لهذا الجيل من الشباب، حيث تولدت أول محاولة للتخلص النسبي من الوصاية الحزبية خلال انتفاضة 1936. وظهور شعار «الوحدة الوطنية » الذي رفعه الطلبة في مواجهة الحزبية والذي كان ـ كما يقول د. عبد الله ـ شعارا مبهما، حيث فهمه بعض الطلبة على أنه يعني القضاء الكامل على الحزبية،
وفهمه آخرون على أنه يستلزم الاتحاد في ظل الحكومة القائمة بينما فهمه فريق ثالث على أنه يعني الوحدة تحت ظل الأغلبية الوفدية، وبالتالي كان التخلص النسبي من سيطرة الحزبية والصراعات السياسية التي حكمت التيارات المختلفة للحركة الطلابية هو أهم التحديات التي واجهت جيل شباب ما قبل الثورة على الصعيد السياسي ـ حيث ظلت الحزبية حاكما رئيسيا للصراعات داخل الحركة الطلابية حتى قيام ثورة 1952.
إلا أن الأوضاع على الرغم من كل هذه الصورة التي يرسمها المؤلف لم تؤد إلى اختفاء الوجود الطلابي من على الساحة السياسية المصرية والسماح بالمشاركة المنظمة للطلاب في الحياة السياسية الشرعية في ظل الأمراض الاجتماعية التي كانت متفشية في ذلك الوقت وفي ظل الاستقلال الاسمي للبلاد مع تطور النفوذ السياسي للطبقة الوسطى .. وقد وفرت كل هذه المعطيات وزنا خاصا للطلاب خلال تلك الحقبة الليبرالية من تاريخ مصر.
أما عن جيل الشباب بعد ثورة يوليو 1952 فيقول د. عبد الله إن الحركة الطلابية خلال هذه الفترة كانت تمثل طموحات قطاع مهم جدا من الطبقة الوسطى فيما يتعلق بحق ممارسة النشاط السياسي المستقل وإتاحة الفرصة العملية لاتخاذ خطوات أولية تجاه إيجاد معارضة سياسية منظمة.
وعلى الرغم من التأييد الذي حظيت به المبادرات الطلابية من المهنيين والمثقفين بوجه عام في هذا الصدد إلا أن التحدي الأكبر كان يكمن في محاولة النظام في مصر في ذلك الوقت القيام بقمع الحركة الطلابية، وهى المحاولة التي كانت مصحوبة ببعض محاولات التهدئة والتي ـ حسبما يذكر المؤلف ـ لم تختلف كثيرا عن تلك التي استخدمت قبل 1952 من قبل الحكومة تحت ضغط سلطات الاحتلال مستخدمة اللغة نفسها «وهي لغة عاطفية ودعائية في الوقت ذاته ».
و هنا يتطرق د.عبد الله الى توضيح الفارق في الوضع السياسي للحركة الطلابية في فترتي ما قبل وبعد الثورة حيث يقول إنه خلال فترة ما قبل الثورة وفي ظل النظام الليبرالي الذي كان قائما آنذاك فإن الحركة الطلابية كانت تمثل سلاحا مساعدا ـ وإن كان ذا حدين ـ للحكومات والأحزاب السياسية، غير أنه في فترة ما بعد الثورة كانت هذه الحركة الطلابية تمثل تهديدا مباشرا للنظام كله .
وعن وضع الحركة الطلابية الداخلي في هذه الفترة يوجه د. عبد الله انتقادا إلى الطلاب فيما يتعلق بالسطحية التي كانوا يناقشون بها مشكلات البلاد وما ترتب على ذلك من تشدد في نشاطهم الدعائي، غير أنه يعود ليشير الى أن هذه السطحية والتشدد في النشاط الدعائي كان يمثل انعكاسا مباشرا للمناخ السياسي في البلاد المتمثل في غياب التقاليد الديمقراطية في الجدل والنقاش والرفض العميق للتعاون بين الأيديولوجيات المختلفة،
الأمر الذي بلغ حد اعتبار الطلاب الإسلاميين الأصوليين لزملائهم الماركسيين كعملاء لدول أجنبية، وقد كان هذا التصور يلقى الدعم من سلطات الدولة حتى أنها في بعض الأحيان كانت ترجع النشاط الطلابي في بعض الأحيان إلى محاولات أجنبية للتخريب والتجسس !!
وينتقل بنا د. عبد الله بعد ذلك إلى الجيل التالي وهو جيل 1967 أو كما يسميه «جيل رد الفعل الشبابي على الهزيمة القومية»، فقد جاءت هزيمة 67 على المستوى القومي للأمة العربية لتقوم بإيجاد جيل من الشباب الثائر الرافض للهزيمة، فظهر إحساس الطلاب بقوتهم الذاتية بعد 1967 وبكونهم أصبحوا عمليا وحدهم في مواجهة السلطات القائمة.
وقد تجلى هذا الإحساس أيضا من خلال إصدار الطلاب لبيانات نخبوية صارخة مثل البيان الصادر عن طلاب كلية الهندسة إبان الانتفاضة الطلابية 1968 والذي طالبوا فيه بفرض احترام الحريات على السلطات الحاكمة، كما أن هناك أيضا البيان الصادر عن طلاب كلية الصيدلة بالاسكندرية والذي طالبوا من خلاله بنقل توصياتهم المنصوص عليها إلى رئاسة الجمهورية مباشرة، وبلغ الأمر ذروته حيث كان الطلاب يستمتعون بالسخرية من مسؤولي الحكومة كلما سنحت الفرصة للقاء بهم.
وعن الوضع السياسي والاجتماعي للطلاب في فترة ما بعد 1967 يقول د. عبد الله إن الحركة الطلابية المصرية لعبت بالأساس كقوة سياسية اجتماعية في الفترة ما بين 1967 ـ 1973 دور عنصر الضغط على السلطة الحاكمة من أجل استعادة كرامة البلاد باستعادة أراضيها المغتصبة.
و يتابع د. عبد الله أنه على الأقل تمتع الطلاب خلال هذه الفترة بالتأييد الوجداني للأغلبية الصامتة سياسيا من الشعب المصري ،في الوقت نفسه الذي أبرزت فيه عملية إعادة البناء القومي التي فرضتها هزيمة 67 الحاجة إلى وجود قدر من الديمقراطية السياسية، حيث لعب الطلاب دورا رائدا في تشجيع الحركة الديمقراطية للقوى الاجتماعية الأخرى خاصة الطبقة الوسطى التي يشكلون جزءا أساسيا منها، وبالتالي فقد كانت اسهامات الحركة الطلابية مؤثرة بدرجة كبيرة فيما وقع من تغييرات كبرى في هيكل النظام السياسي تدريجيا بعد حرب يونيو 1967 وبصورة أسرع في أعقاب حرب أكتوبر 1973.
يعرض المؤلف بعد ذلك الى آخر الأجيال ضمن تقسيمه للطلاب وهي الأجيال التي شبت في آواخر أو كما يسميها د. عبد الله «الجيل الحرج» أو «جيل البناء أو الإنكفاء» ويفسر هذه التسمية بأن دخول مصر للقرن الواحد والعشرين يعتمد بشكل شبه تام على هذا الجيل من الشباب، فإما أن تدخل مصر هذه الحقبة الزمنية وهي مستعدة ومهيأة تماما «بناء» أو تدخل هذا القرن غير مهيأة وليس لها مكان به «إنكفاء»، وبالتالي فإن تهيئة مصر للدخول للقرن الواحد والعشرين تمثل التحدي الأول والأكبر لهذا الجيل من الشباب.
وفي النهاية يقول د. عبد الله إن الإجابة على سؤال التحدي بالنسبة لأي جيل من الأجيال الشابة لن تكون إلا بأن يفهم هذا الجيل نفسه أولا وموقعه وفرصه بادئا بفهم الجيل الوسيط الذي يسبقه مباشرة في تعاقب أجيال المجتمع وكذلك الأجيال الأكبر التي صنعت تاريخ الشباب منذ المراحل المبكرة للقرن الواحد والعشرين.
ويؤكد المؤلف في هذا الصدد أن كتابه لا يعدو أن يكون أكثر من كونه بذرة ضمن بذور إنماء حقل الفهم والوعي بقضية الأجيال في المجتمع المصري ،وأنه على ذلك يبقى القدر الأعظم من الجهاد والاجتهاد في مواجهة التحديات منوطا بأجيال الانتقال إلى القرن الواحد والعشرين وفي القلب منهم جيل الشباب.
ألفت عبد الله
الكتاب : قضية الأجيال
تحدي الشباب المصري عبر قرنين
الناشر : الهيئة المصرية للكتاب القاهرة 2005
الصفحات: 196 صفحة من القطع المتوسط
