لماذا يبدأ المرء بالكتابة؟ أفي سبيل الشهرة أم بهدف اكتساب مهنة أم للشعور بالتميز؟ العديد امتهنوا الكتابة سواء كصحافيين أو إعلاميين أو مترجمين. ولكن ما الذي يدفع المرء ليكون شاعر أو كاتبا؟ تجيب على هذا السؤال نيكول كراوس من خلال قناعتها الشخصية بقولها، ان المرء يكتب حينما يشعر بأنه يساء فهمه.

لأنه يشعر بأنه لا يستطيع مطلقا التعبير بوضوح عن أفكاره حينما يتحدث. لأنه يريد إعادة صياغة العالم، ليأخذه ومن ثم يعيده بصورة مختلفة، بحيث أن كل شيء يستخدم ولا شيء يضيع. ولأنه عمل لتمضية الوقت حتى يتقدم العمر بالمرء ويختبر ما كتب عنه. وحول موضوع روايتها الثانية الجديدة «تاريخ الحب» أجرت معها مجلة «بيغ بوك» الشهرية التي تقدم عروضا للكتاب مقابلة تلقي الضوء على تجربتها في إنجاز هذا الكتاب.

وضعت نيكول كراوس قبل البدء بكتابة روايتها «تاريخ الحب» قاعدتين أساسيتين لم تحد عنهما. الأولى في إصرارها على عدم القيام بأية بحوث أو دراسات خاصة بكتابها، وفي ذلك تقول، «لم أكن أريد ذلك على الإطلاق». ذلك ما صرحت به نيكول لألدن مادجي خلال لقائهما في المقابلة في منزلها في بروكلين بارك سلوب، حيث تعيش مع زوجها الكاتب الشاب الذي حقق شهرة توازي شهرتها جوناثان سافران فور.كتبت كراوس في روايتها الأولى الناجحة أيضا «رجل يدخل إلى الغرفة» عن تجاربها في مشفى سامون غرين، حيث تمحى ذاكرة رجل بعد إجراء عملية جراحية له لاستئصال ورم من دماغه.

وعن ذلك تقول، «لقد تطلب من هذا الكتاب القيام بكم هائل من البحوث والدراسات».وعن جولتها الثانية تقول، «سألت نفسي، أي نوع من الكتاب أريد أن أكون. لم أكن أريد أن أكتب رواية لمجرد كتابة رواية، أو لمجرد أن أكون كاتبة. قررت أن أكتب شيئا لنفسي. أردت أن أستخدم عمليا ما أعرفه».

أما قاعدة كراوس الثانية، فتتمثل بأنه يجب عليها أن لا تشعر أبدا بأية لحظة ملل خلال عملها على الكتاب، «شعرت لدى كتابتي للرواية الأولى، بأنه كان من الضروري أن أكتب على الرغم من مواجهتي للحظات من الملل في تحريك الشخصيات من ألف إلى باء. هذه المرة وضعت نفسي في مواجهة أخرى، فإن أحسست بالملل، فهذا يعني بأن القارئ أيضا سيراوده ذات الشعور.

لذا قررت أنني حينما أشعر حتى ولو بقليل من السأم، على أن أخترع قصة جديدة، حدثا أو شخصية». وتعقب الصحفية على ذلك بقولها «إن وضعت قاعدتا كراوس بين يدين أقل خبرة، فإن اعتمادهما أو مزجهما سيكون مثل خلط الزيت بالماء. إلا أن كراوس في «تاريخ الحب» تمكنت من تحقيق مفاجأة لقرائها من خلال خلطتها السحرية».

وكانت النتيجة عمل يهيمن على فكر القارئ وحياته لزمن طويل. وكراوس التي تبلغ الثلاثين من عمرها، خريجة جامعة ستانفورد إلى جانب دراستها في جامعة أكسفورد. وحققت وجودها في عالم الشعر قبل تحولها إلى عالم الرواية عام 2002 لدى نشرها أول رواية لها.

وعلى الرغم من أن زواجها من فور (مؤلف رواية «عاليا جدا وقريبا بصورة لا تصدق») هو عامل فضول لدى الكثيرين من مختلف الأوساط سيما في حلقات الأدب، إلا أن كراوس تفضل التزام الصمت أن يكون حضورها بعيدا عن ظلال شهرة زوجها ككاتب.

وتبرهن كراوس من خلال روايتها تلك أن مكانتها وسمعتها في عالم الأدب مرتبطة بإبداعها وتميزها الشخصي. وتسلط في روايتها الضوء على تتابع الأحداث والقصص من خلال ليو والما بإيقاع بطيء، حيث يقوم ليو وألما والعديد من الشخصيات الأخرى في هذا العمل بنسج أحداث الرواية وتشابكها عبر ارتباط أقدارهم من خلال الزمن والمكان.

وتصف كراوس المرحلة التي سبقت تأليفها للكتاب بقولها، «في البداية كان الكتاب يتمحور بالمجمل حول الكتابة. وكنت أفكر بأن هذا أمر حسن، وتساءلت كم عدد القراء الذين يحتاجهم المرء حقا؟ إن وصل العمل إلى شخص واحد فقط وغير حياته، هل هذا يكفي؟ أم شخصان أفضل؟ الفكرة في أن عدد النسخ التي تطبع من الكتاب عددها 2000 ولا يقرؤها أحد. ولكن في النهاية نسخة واحدة منه تحقق التواصل المنشود وتغير حياة الجميع. كان هذا الأمر محفزا وشيقا بالنسبة لي».

«أنا أكتب لأنني أريد الوصول إلى الناس، والتمكن من خلق حوار معهم، ولا يمكنني تحقيق ذلك إلا من خلال الكتاب فقط. والكتاب يحقق أجمل الحوارات كما أعتقد. وهكذا بدأت بعملي، وأدركت بعد حين بأنني أعمل على الكتابة من خلال منظورين، الأول بصفتي كاتباً والثاني بصفتي قارئاً. وهكذا لم أعد أتردد بشأن وضعي لبعض السطور التي تخص العديد من كتابي المفضلين الذين أحبهم».

وفيما يتعلق بوصفها لكتابها توضح قائلة، نعم، إن كتاب «تاريخ الحب» مرآة للكتابة والقراءة، ولكن الأهم والأكثر ضرورة كونه عن الحب والفقدان، الذي أعطى العمق والإطار لوحدة العمل.

«الكتاب هو عن ضرورة التخيل في مساحة الفقدان، والإحساس بالصمت في خضم أشياء وأفكار، مشاعر وصور. كل فرد في الكتاب يبتكر لنفسه العديد من الصور لضمان استمراره في الحياة».

ومن الجدير بالذكر أن كراوس كما أوضحت قد وجدت سهولة أكبر في ابتكار شخصية ليو مقارنة بشخصية ألما، الفتاة التي كانت تجاربها الحياتية محدودة بعكس مؤلفتها. «لقد عانيت في رسم شخصية وصوت ألما، أعتقد، لأنني أذكر جيدا كيف كنت في سن الرابعة عشرة، وبصورة مختلفة عنها. تطلب من الأمر زمنا طويلا للشعور بأني أستطيع التخلي عن بعض الظروف المملة من تجاربي الشخصية، وتخيل تلك الشخصية بحرية».

«مع ليو العكس صحيح، فمنذ البداية شعرت مباشرة وبالكامل بأنني على دراية تامة بشخصيته. لم أتساءل مطلقا بشأن ما الذي يمكن أن يفعله رجل عجوز من بولندا. كان التواصل سلسا كأنني أكتب عن نفسي، على الرغم من غرابة الأمر».

كما أهدت كراوس الرواية لجديها «الذين علموني عكس الاختفاء»، وقد ضمنت الكتاب صورا لهما. وأسوة بشخصية ليو فقد هرب جداها من أوروبا قبل بداية الحرب العالمية الثانية.

لقد وضعت الصور والإهداء بسبب مشهد من الكتاب، حينما يدرك ليو بأنه فقد قدرته على أن يكون مرئيا من قبل الآخرين. إنه شخص يفكر كثيرا في اختفائه. ولهذا السبب أردت استخدام صور جوازات سفر جدي وجدتي.

«وفي رأي، نقيض الاختفاء هو صراع البقاء. والكتاب حافل بالغرائب لأجل الاستمرار في الحياة. إن استمرار الذين نجوا من المأساة في الحياة والعيش بسعادة، إنما مرهون بقوة صراع البقاء.

إن جديّ يحبان الحياة. وأذكر بأن كل محادثة تمت معهما في طفولتي كانت حول الحياة وليس المأساة، ولا التاريخ، ولا ما حدث لعائلاتهم. ولكن ببساطة حول العيش في الحاضر».

وتأتي النهاية بما يرضي القارئ وبصورة غير متوقعة حيث ترتبط حياة كل من ليو وألما. وهكذا فإن هذه الرواية لا تمثل مجرد قصة حب وفقدان بل تاريخ مؤثر لصراع البقاء مع رؤيا للسعادة في الحياة.

الكلمات الاخيرة على الارض

عندما سيكتبون كلمة تأبيني غدا، أو في اليوم التالي. سيذكر فيها أن ليو غورسكي خلّف وراءه شقة في منتهى القذارة. وأنا متفاجيء بأنني لم أدفن فيها حيا. المكان ليس بكبير. عليّ أن أجاهد كي أتمكن من الاحتفاظ بممر بين السرير والحمام، والحمام وطاولة المطبخ. أما إن أردت السير من الحمام إلى باب الشقة فهذا أشبه بالمستحيل. عليّ أن أمر أولا بجانب طاولة المطبخ.

أحب أن أتخيل أن السرير صحن البيت، الحمام أولا ثم طاولة المطبخ ثانيا، وباب الشقة ثالثا. وإن رن جرس البيت وأنا مضطجع في سريري، عليّ الذهاب حول الحمام وطاولة المطبخ للوصول إلى الباب.

وإن كان القارع برونو، فأنا أدعه يدخل دون كلمة، لأقفز عائداً إلى سريري، وصوت الازدحام غير المرئي يرن في أذني. غالباً ما أتساءل ترى من هو آخر شخص سيراني حيا. وإن كنت سأراهن، فسيكون ذلك على الفتى الذي يحضر لي طلبي من المطعم الصيني. وأنا أطلب منه وجبتي أربعة أيام في الأسبوع.

وحينما يأتي بكيس الطعام الموشى بالزيت، أقوم باستعراض كبير مدعياً بحثي عن محفظة نقودي، في حين ينتظر الفتى أمام الباب، وأنا خلال بحثي أتساءل إن كانت هذه الليلة وبعد تناولي لآخر لفافة من السبرينغ رول، سأصاب بأزمة قلبية خلال نومي.

أحاول دائما أن أكون مرئيا. وفي بعض الأحيان وحينما أكون في الخارج، أشتري العصير وإن كنت لا أشعر بالعطش. وفي حال كان المخزن مزدحما، أسقط بعض النقود المعدنية التي تفر على الأرض بمختلف الاتجاهات. عندها أنحني على ركبتي على الرغم من أن هذا يتطلب مني جهدا كبيرا، وأضعافاً مضاعفة للنهوض مجددا.. ربما أبدو كمغفل.

في أحد الأيام كنت أنظر من النافذة متأملا السماء، وربما ضغطت وجهي على الزجاج كي أصنع وجها مضحكا لمهرج.

مقتطف من كتاب «تاريخ الحب»