الروائي الجنوب إفريقي ج.ام كويتزي هو الفائز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2003 وإثر هذا الفوز كتبت مقالات عدة حول سيرته الذاتية والإبداعية وعوالمه الروائية وتجربته في عالم الكتابة وقيل إن رواياته ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وهو فاز من قبل بجائزة بوكر مرتين الأولى عام 1983 عن روايته «حياة وأوقات مايكل.ك».،
والثانية عام 1999 عن روايته «خزي». كتبت هذه الرواية بعد زوال نظام التمييز العنصري (الابارتيد) في جنوب افريقيا حيث ولد الكاتب سنة 1940 وهي تتناول في خطوطها الرئيسة شخصية ديفيد لوري الأكاديمي البارز والوقور الذي يعيش بمفرده، بعد أن طلق مرتين، في مدينة كيب تاون حيث يدرّس في جامعتها، ورغم تجاوزه الخمسين بيد أنه «كان يعيش فورة قلقة من التشوش العارم».
كان يقيم علاقات جنسية مع زوجات زملائه ويلتقط سائحات من الحانات على الشواطئ أو من نادي إليتاليا، «وبدافع من هذا المزاج الغريب يغوي هذا العالم اللغوي ذات مرة إحدى طالباته الصغيرات وهي ميلاني ايزاكس التي سرعان ما ترفع شكوى ضده بتحريض من عشيقها ووالدها فيحاكم لوري رافضاً طلب الرحمة أو استجداء العطف ليكون مصيره الطرد من الجامعة واللجوء مكللا بالخزي إلى حيث تعيش ابنته الوحيدة لوسي في مزرعتها في إحدى مناطق الريف الإفريقي».
وهنا تأخذ الرواية مساراً آخر فبعد صفحات عن الحياة في المدينة ينتقل الراوي مع بطله ليتخذ لحكايته مسرحاً جديداً هو الريف الذي، رغم بساطته وسهولة الحياة فيه، يمور بالمفارقات والصراعات التي خلفتها عهود من السياسات الاستعمارية، وقمع السلطات المحلية ونظام التمييز العنصري الذي لم تزل ذكرياته طرية في الذاكرة.
ويجدر القول، هنا، بان كويتزي ينأى بنفسه عن الحديث صراحة عن هذا الإرث التاريخي المؤلم وتفاصيله بل يكتفي بقراءة الهواجس التي تسيطر على شخصياته الهشة والمستسلمة لأقدارها الغامضة بطريقة تقود إلى مثل هذا الاستنتاج.
في هذا الجو المحاط بالأقنعة العديدة تعيش الفتاة الشابة البيضاء السحاقية ابنة الأكاديمي بمفردها وسط مجموعة من الفلاحين والمزارعين السود، وهي لا تبدي تذمرا بل راضية بهذه الحياة، فهي تكسب رزقها من مزرعتها ولها صداقات مع الوسط الذي تعيش فيه، غير أن الحضور غير المتوقع للأب الهارب من العار يفرض إيقاعا آخر للحياة وتزداد المسألة تعقيدا حين تتعرض ووالدها لعملية سطو واغتصاب من قبل عصابة من السود مؤلفة من ثلاثة أشخاص لتخلق هذه الحادثة شرخا واسعا في العلاقة بين أب عاجز وابنة آثرت العيش هنا كي تعبر عن مفهومها الخاص للحياة.
وعلى الرغم من محاولات والدها المستمرة بعد هذه الحادثة لحث ابنته على ترك المكان غير أنها ترفض بل تفصح عن رغبتها في الزواج من جارها الفلاح الأسود «بتروس» كثمن لبقائها وحرية اختيارها وكأنها تحاول التكفير عن ذنب لم ترتكبه حيال السود رغم شكوكهما بأنه متواطئ مع المجرمين الثلاثة وهذا ما يستغربه الأب الذي يكاد لا يصدق بل يدعو بحماس لمعاقبتهم
غير انه ينصاع لرغبتها بل يوافق على العمل لدى إحدى صديقات ابنته في مستوصف يقوم فيه بدور «اليد اليمنى لهذه المرأة المتخصصة في التعقيم والقتل الرحيم ، والتخلص من الحيوانات الهرمة والمريضة، فيشعر ولأول مرة بمعنى «أن يكون الرجل عجوزاً منهكا حتى العظام بلا آمال ولا رغبات، ولا مبال بالمستقبل. متراخياً على كرسي من البلاستيك وسط زنخ ريش الدجاج والتفاح العفن يشعر أن اهتمامه بالعالم يستنزف منه قطرة فقطرة».
إن هذه الرواية المكتوبة بضمير الغائب تبدو وقائعها وكأنها تصفية حساب مع ميراث التمييز العنصري الذي ساد جنوب افريقيا والذي افرز نوعا من العلاقات الاجتماعية يشوبها الحذر والتوجس، وهي وبنظرة اكثر عمقا ترصد المصير الإنساني البائس حيث لا سلطة قادرة على تغييره وإنقاذه المرء من الجحيم، فالفرد هو محض كائن هش عليه أن يتحمل ألاعيب القدر وأن يكون مسؤولا عن خياراته، وقبل هذه وتلك مسؤولا عن نزواته ورغباته،
فقضية بطل الرواية كما يعبر عنها بنفسه «ترتكز على حق الشهوة، على الرب الذي يجعل حتى اصغر طائر يرتعش»، وتبعا لهذا الفهم فان بطل الرواية يرضى بالعقاب المتمثل في شعور بالعار لا يفارقه بل انه لا يسعى إلى التخلص من هذا الشعور ومع ذلك فهو في قرارة نفسه لا يعتقد بأنه يستحق العقاب «فقد كان خادما لإله الحب» كما يكرر.
وما يلفت الانتباه هو أن القارئ لا يستطيع أن ينبذ هذه الشخصية التي تترك انطباعا بأنها ضحية لمجموعة من التقاليد والقيم التي ينبغي على المرء التأقلم معها حتى وإن خالفت طبيعته ككائن له نزوات ورغبات، فرغم أن سلوك البطل مدان إلا انه يبدي قدرا من الدراية والاتزان بحيث يستطيع أن يخلق نوعاً من التعاطف تجاه نفسه مثلما يتعاطف هو مع الكلاب والقطط والخراف المقبلة على الموت الرحيم محاولا الغوص إلى أعماقها المنذورة للموت دون احتجاج أو تردد،
وفضلا عن هذه النزعة الإنسانية فهو من المعجبين بالشاعر الإنجليزي وورد زوورث، ويحضّر لتأليف كتاب عن بايرون، ويحاول أن يبدو وقوراً رغم ما لحق به من خزي فقد معه، لا سيما بعد تعرض ابنته للاغتصاب، الأمل وراح يفشل في العثور على جدوى للحياة «لقد نضب معين استمتاعه بالحياة. بدأ يطفو نحو نهايته كورقة نبات يجرفها جدول ماء، كزورق في مهب الريح»، ينتظر،على مضض ووفق مشيئة ابنته، حفيداً لا يعلم من هو والده لا بد انه سيجلب له مزيدا من العار.
يرسم كويتزي شخصياته بمهارة ويدعها تقدم نفسها على صفحات الرواية عبر الحوار المحكم، فهو يجهد في تلقين شخصياته حوارات تناسب مستواها الاجتماعي والثقافي، وهي حوارات معمقة توحي بالقلق حينا، واللامبالاة أحيانا، ومليئة بالهواجس والمرارات، وهذه من سمات أعمال كويتزي،
فأعماله الروائية ـ حسب تعبير أحد النقاد ـ يمكن وصفها بطرق مختلفة كالقول بأنها «كئيبة أو باعثة على الشعور بالكآبة أو ساخرة أو صارمة أو شديدة المرارة أو جارحة أو شائكة، وما إلى ذلك إلا أن تكون جذابة على الإطلاق«. ويستعين كويتزي كذلك بالمونولوج المقتضب الذي يظهر كومضة خاطفة تعري في كل مرة جانبا من الجوانب الملتبسة للشخصية،
والجميل في هذه الرواية التي تعد إحدى أهم روايات كويتزي هي تلك اللغة السلسة دون ابتذال، والهادئة دون فتور، والتي تسعى لان تستجلي دواخل الشخصيات ومحنهم وقلقهم بنبرة حيادية باردة دونما فلسفة أو استطراد أو إسراف بل بتكثيف يهدف كويتزي من خلاله إلى اختيار المفردة الدقيقة والعبارة المناسبة وكأنه يخشى على اللغة من النضوب.
وهو، إلى ذلك، يتمتع بشفافية في الوصف رغم المسحة السوداوية التي تكتنف مناخات هذه الرواية إذ لا يخفى على القارئ ذلك المذاق الكئيب والحزين الذي يطغى على الرواية، وهذا مرده إلى ما تعانيه الشخصيات من آلام ومعاناة وكآبة في «أرض الغسق» ـ بتعبير الرواية ـ وفي مجاهل الأرض الافريقية التي ركز كويتزي هنا على جغرافيتها البشرية.
إبراهيم حاج عبدي

