حامد عبدالقادر باحث مصري، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة، يرى أن المؤرخين من القدامى والمحدثين قد اختلفوا في أمر زرادشت؛ فمنهم من ينكرون وجوده، ويعدون كل ما ورد عنه من القصص والنوادر من قبيل الخرافات والأساطير، ومنهم من يقولون إن زرادشت شخصية تاريخية واقعية ولا سبيل إلى إنكار وجوده، ومن أصحاب هذا الرأي من مؤرخي اليونان «أفلاطون» الذي يسميه ابن أورمازديس أرمزد، ويذكره بلوتارك فيتحدث عن كلامه مع الرب،

وقد اختلف أصحاب هذا الرأي في تحديد الزمن الذي ظهر فيه زرادشت فمنهم من جعل زمن ظهوره بداية القرن السادس ق.م، ومنهم من جعله حوالي سنة ألف ق.م، ومنهم من أوصله إلى القرن الستين ق.م. لكن ما تم استنتاجه من هذه الآراء أن أمر زرادشت قد ذاع وازدهر في النصف الثاني من القرن السابع ق.م ـ أي في عصر الميديين قبل ظهور الدولة الحاخمنشية، وإنه وُلد حوالي سنة 600 ق.م، وتوفي حوالي سنة 523 ق.م وعمره 77 سنة.

وإنه «ميدي» الأصل، ووُلد في مقاطعة «أتروبانتين» أي ـ أذربيجان الحالية ـ إحدى مقاطعات ميديا، على مقربة من بحيرة أرومية. إلا أنه اختلف في تحديد المنطقة التي انتشرت فيها الزرادشتية، فبعض ـ وهم قليل ـ يرون أن هذه المنطقة كانت «ميديا» وما حولها، وبعض ـ وهم كثير ـ يرون أنها انتشرت بادئ ذي بدء في بختر (باكتيريا) ثم انتقلت منها بالدعاية والتبشير إلى سائر أنحاء إيران.تروي الأساطير أنه لما وُلد زرادشت أحاط بالدار التي وُلد بها نور قدس وهّاج، وهبط من السماء نجم عظيم ودنا من الأرض، وظهر في عرض الأفق في السماء كوكب عظيم ملأ ضياؤه جميع أنحاء الفضاء. وتحيط الأساطير الإيراني�� طفولة زرادشت بسياج من الخرافات الخيالية مثل ما فعلت الأساطير الهندية بطفولة كريشنا.

لما بلغ زرادشت الخامسة عشرة من عمره كان أمره قد ذاع بين الناس وانتشر. وفي هذه السنة من عمره أدخل بصفة رسمية في دين آبائه وأجداده، وطبقاً للطقوس الدينية التي كانت تتبع منذ القديم بين الشعوب الآرية، شدّ على وسطه الحبل المقدّس (الزُنَّار) وتقضي التعاليم الدينية بأن يبقى مشدوداً على وسطه المتين طوال حياته.

وقد أبقى زرادشت ـ فيما بعد ـ على هذه الطريقة وجعلها من طقوسه الدينية، فكان الحبل المقدس المسمى «كوستي» يُعطى للشاب عند بلوغه المراهقة، فيشده على وسطه للدلالة على أنه دخل في دين آبائه بصفة رسمية.

وكان الحبل المقدس يتألف من 72 خيطاً، ترمز إلى أجزاء «الياشتا» أحد أسفار الأبستاق المكوّن من 72 فصلاً، وكانت ستة من هذه الخيوط تُترك غير معقودة من الطرفين، أما الستة فترمز إلى الأعياد الدينية الرسمية الستة، وأما الأطراف الاثنا عشر فترمز إلى المنازل الفلكية الاثني عشر. وكان الحبل يشد حول الوسط ثلاث مرات، إشارة إلى مبادئ الزرادشتية الثلاثة وهي:

1ـ التفكير الطيب أو حسن النيّة.

2ـ الإحسان أو العمل الطيب

3ـ الحق الأسمى. وكان الحبل يُعقد مرتين من الأمام، ومرتين من الخلف، إشارة إلى العناصر الطبيعية الأربعة (الأسطقات) وهي التراب والماء والنار والهواء. وكان الحبل أجوف بداخله فضاء يمتد من أوله إلى آخره، إشارة إلى الفضاء الممتد بين السماء والأرض.

وكان من الضروري أن يحل الحبل ويُعقد مع تلاوة الأدعية قبل تناول الطعام، وقبل النوم، وبعد الاستيقاظ، وفي غير هذه من الأوقات المحددة.

ومن المعروف أن زرادشت تزوج ثلاث مرات، وأنه أنجب من الأولى ابناً وثلاث بنات، وزُفَّت إحداهن هي (بورشستا) إلى رجل اسمه (جاماسبا) أحد حواريي زرادشت، وأنجب من زوجته الثانية ولدين: أورفاتاتنارا وهفاريكثيرا اللذين صارا فيما بعد رئيسين لجماعتين كوَّنهما أبوهما وهما: جماعة الفلاحين وجماعة المحاربين.

وكانت زوجته الثالثة (هقوقي) بنت فراشا أوسترا ثاني حواريي زرادشت، وبنت أخي جاماسبا حواريه الأول، وكان كلاهما من حاشية الملك كشتاسب الذي قدّر أن يدخل في دين زرادشت ويصير من أشد أنصاره تحمساً للزرادشتية. ومع أنه لم يكن لهذه الزوجة الثالثة أولاد، فإنه قد شاعت عن مصيرها نبوءة هي أنها ستكون أماً لثلاثة من أبناء زرادشت الروحانيين.

وكذلك لساؤوشيانت الذي سيخلف زرادشت ويظهر بين الزرادشتيين مسيحاً أو مهدياً ينقذهم مما سيعانونه من محن وأهوال بعد وفاة زعيمهم. إن دخول الملك «كشتاسب» في الزرادشتية كان في مقدمة الأسباب التي أدت إلى انتشارها، فقد كرّس هذا الملك جهوده فيما بقي من حياته لتأييد زرادشت ونشر دينه في جميع أنحاء مملكته، وبناء بيوت للنار في جميع أرجاء إيران، وفي بلاد الهند أيضاً كما روى الثقات من مؤرخي العرب.

ويقال إن زرادشت قد برهن على اغتباطه بإيمان الملك بأن غرس شجرة من أشجار السرو أمام معبد النار في كشمار (كشمير). وقد نمت هذه الشجرة وطالت، وكان لها ظل وارف مديد يستظل به جميع من يفدون عليها. ويؤخذ مما رواه بعض مؤرخي العرب أن (كشتاسب) سلك سبيل العنف والشدة في نشر الدين الجديد، الذي أقيمت له هياكل النار في كل مكان في إيران.

ويروى أن الوحي نزل على زرادشت ينبئه بمصير عقيدته، وبشَّره بظهور السيد المسيح عيسى ابن مريم، وأن زرادشت سافر إلى بابل وبلاد اليونان، وأن فيثاغورث فيلسوف اليونان دخل في الزرادشتية. ويروى أن فيلسوفاً يونانياً اسمه (توتيانوس) وفد على زرادشت وأقام عنده مدة يجادله ويناقشه، ويتعلم منه شتى العلوم والمعارف، ثم استأذنه في العودة إلى بلاده، ليذيع في قومه الدين الجديد، ويدعوهم إلى اتباعه والإيمان به.

ويعتبر (الأبستاق) الكتاب المقدس لدى الزرادشتيين، الذي أتى به زرادشت ليكون مرجعاً لأتباعه لمعرفة عقائدهم وأحكام شريعتهم، وهو يتضمن مع ذلك ما يكاد أن يكون تاريخاً للزرادشتية، ووصفاً لحياة زرادشت في كثير من مواقف حياته، ويسمى بالعربية أبستلق أو وستاق، وبالسريانية أبستاكا، وبالفارسية أبستا أو أوستا، وقد أشار إليه الطبري وذكر أنه كتب في جلد اثنتي عشرة ألف بقرة، حفراً في الجلود ونقشاً بالذهب.

ثم يذهب الباحث حامد عبدالقادر إلى أن الزرادشتية دين توحيدي تعتبر الوثنية والإشراك جريمة كبرى لأنها تتضمن إنكار مبدأ وحدة الواحد (أهورافردا) الذي هو قوة روحانية عليا مجردة من جميع شوائب المادة منزهة من جميع أدران النقص، لا يقدر على إدراكها على حقيقتها عقل بشري، ولا يستطيع استحضارها على صورتها الواقعية خيال إنسان.

ومن أهم التعاليم الدينية الخلقية للزرادشتية:

1 ـ اجتناب الكذب.

2 ـ الوفاء بالعهد وحفظ كلمة الشرف.

3 ـ اجتناب الاحتكاك بالموتى. ولرجال الدين منزلة رفيعة دينية ودنيوية وأعلاها وظيفة (الموبذموبذان) أي رئيس الموابذة وكان يشرف على الشؤون الدينية جميعها، ويوجه رجال الدين على اختلاف درجاتهم، ويوليهم ويعزلهم.

وقد أخذت المرأة في الديانة الزرادشتية مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة إذ ان (جماعة الأرواح المقدسة) تتألف من ستة ملائكة ذكور، وستة ملائكة من الإناث، وتبيح الزرادشتية أن تتولى النساء وظائف الكهنوت. والمثير في هذه الديانة أن زرادشت فرض على أتباعه خمس صلوات في اليوم والليلة: واحدة منها عند بزوغ الشمس، وواحدة عند الظهر، وواحدة عند غروب الشمس.

والصلاة عنده دعاء يوجه إلى (أهورافردا) في شتى المناسبات، وخلاصة ترجمة دعائه المأثور قول: أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات، وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قول أو عمل غير صالح. إلهي؛ إني أرجو منك أن تباعد بيني وبين الخطايا حتى أُحشر يوم الدين مع الأطهار الأخيار.

مع ذلك ـ لابد من الإشارة إلى أنه تكاد الطقوس والتعاليم الدينية للزرادشتية تدور على محور واحد هو تقديس النار.

فقد حمل زرادشت أنصاره تبعة الاحتفاظ بالشعلة النارية مضطربة بالمعنيين الرمزي والروحاني، والحرفي المادي معا ، ولذلك كان من الواجب عليهم أن يطيعوا هذا الأمر، ويظلوا يوقدون النار الخالدة، ويجعلونها تتأجج في صدورهم ومعابدهم. وكان زرادشت نفسه في أثناء سنوات رسالته يجول في البلاد ليقيم هياكل النار، فكان يحمل الشعلة الموقدة من هيكل إلى آخر.

أنور محمد

لكتاب: زرادشت الحكيم/ دراسة

تأليف: حامد عبدالقادر

الناشر: مركز الإنماء الحضاري حلب 2005

الصفحات: 144 صفحة من القطع الكبير