في روايته الجديدة «إنقطاعات الموت»، يترك الكاتب خوسيه ساراماغو الجانب الأكثر تسلية وسخرية في شخصيته يتدفق كالنبع، مع أن هذه الرواية تعكس حالة تأملية حول الحياة والموت والطبيعة البشرية تصب في أطروحة نهائية تقول: «دفاعنا الوحيد ضد الموت هو الحب».
هذه الرواية صدرت بشكل متزامن في شهر نوفمبر الماضي في كل من إسبانيا وبلدان أميركا اللاتينية والبرتغال والبرازيل وإيطاليا وباللغة الكتالونية، كما أنها تترجم الآن إلى اللغة الفرنسية ولغات أخرى حول العالم. كما قام المؤلف بالتوقيع عليها في حفل رسمي جرى في العاصمة البرتغالية لشبونة بتاريخ 11 نوفمبر.
كتاباً تلو آخر، راح ساراماغو، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1998، ينسج عالماً روائياً خاصاً به وكتاباً تلو آخر، راح الكاتب يثبت مدى السهولة التي يتمتع بها في سرد أوضاع غير محتملة أو مستحيلة. ويكفي في هذا السياق، تذكر الشخصيات الأصيلة في رواية «الرجل المنسوخ» أو نسبة الـ 83% من سكان ذلك البلد، التي تقرر التصويت بالأبيض في «بحث حول الوضوح»، الرواية السابقة للكاتب.
أوضاع مستحيلة تعود للحدوث في «إنقطاعات الموت»، التي لا يمكن لبدايتها أن تكون أكثر دهشة حين تباغت القارئ بالعبارة التالية: في اليوم التالي لم يمت أحد، وذلك بالضبط ما حدث في الرواية: بين عشية وضحاها، يتوقف سكان بلد بلا اسم عن الموت ويتمكنون من الخلود المنشود،
لكن من كان في حالة خطيرة أو قاب قوسين أو أدنى من الموت، يبقى على حاله كما هو لأن صحته لا تتحسن.في القسم الأول من روايته الصادرة في إسبانيا وأميركا اللاتينية عن دار النشر «ألفاغوارا»، يشرح ساراماغو بروح فكاهية وتهكمية وساخرة تبعات اختفاء الموت على حياة الناس في بلد ما.
وما يبدو في البداية نبأ رائعاً، سرعان ما ينظر إليه عكس ذلك تماماً: الحكومة لا تعرف كيف ترد أمام ذلك الوضع غير المألوف ونظام المعاشات يتداعى والمستشفيات ومقررات العجزة لا تقدم مؤونة ومؤسسات دفن الموتى ليس لديها من تدفنه.
كما تمضي الكنيسة مفجوعة لأنه «من دون موت ليس هناك قيامة ومن دون قيامة ليس هناك كنيسة».
ويؤكد الكاتب في إحدى المقابلات الصحافية ان «غياب الموت هو الفوضى بعينها وهو أسوأ ما يمكن أن يحدث للجنس البشري وللمجتمع»، لكنه في الرواية يهرب من نبرة الفصاحة التي يتم من خلالها أحياناً التعامل مع هذا النوع من القضايا ويعترف أن كتابه «سيكون طارئاً على المذهب الرومانسي، الذي يمثل الموت فيه أمراً مرعباً ورهيباً ويتم تناوله بطريقة فيها الكثير من البلاغة».
في القسم الثاني من الكتاب وحين بدأ الجميع بالتكيف مع الوضع الجديد، يقرر الموت تجديد نشاطه، لكنه يفعل ذلك بصورة مذهلة، بحيث يرسل رسائل للذين عليهم الموت ويبلغهم بأن لديهم مهلة سبعة أيام للاستعداد.
ومن جديد، تعود الفوضى وتسود الحيرة.في الحبكة النهائية للرواية، يصير ساراماغو شخصاً أكثر شاعرية وحميمية وينحي جانباً لغة القدح والهجاء والتهكم، التي تكتسح جزءاً لا بأس به من الكتاب. ولكن خلف تلك السخرية وذلك التهكم تختبئ انتقادات لاذعة لسلوك الحكومات والكنيسة ووسائل الإعلام وطبقات أخرى من المجتمع.
الموسيقى تكتسب دوراً بالغ الأهمية في تلك الوصفة النهائية للرواية وهذا هو الجزء الأكثر روعة من الكتاب، من وجهة نظر بعض الذين قرأوه ويقتحم هذا الجزء أيضاً إحدى «الشخصيات» المفضلة لدى الكاتب: الكلب. ويذكر في هذا السياق، ان الكاتب فقد أخيراً أحد الكلاب التي تعيش في بيته في «لانزاروتي»، وعندما يشار إلى هذه المسألة، فإن علامات الحزن تبدو على محيا ساراماغو، الذي يقول راجياً: «لا تكلمني عن ذلك».
مؤلف «بحث حول العمى» و«الكهف»، من بين عناوين أخرى كثيرة، يصل في روايته الى نتيجة مفادها أنه «من أوضح ما هو موجود أن الحياة لا يمكن ان تعاش من دون موت.ولابد من قبوله كنتيجة منطقية للحياة»، على حد قول ساراماغو، الذي يتذكر في اللحظة المناسبة كم هو مؤلم أحياناً أن «يمتلك المرء وعياً بالموت»، خاصة وأن ذلك حدث له عندما كان عمره 17 أو 18 عاماً «وذلك أسوأ الموجود».
كتاب ساراماغو الجديد هو «قصة حب» أيضاً، وإذا كانت ثمة «اطروحة نهائية، لم يحسب حسابها من حيث المبدأ، فإن تلك ستكون اطروحة أن دفاعنا الوحيد ضد الموت هو الحب». ويعتقد الكاتب ان «إنقطاعات الموت» ربما تمثل روايته الأكثر تسلية، إذ ان الفكاهة تغمر صفحات الكتاب الـ 280 والمؤلف يأمل « أن يضحك الناس، لا بل أن يضحكوا حتى القهقهة في مسألة على هذه الدرجة من الأهمية مثل الموت».
وحين يطلب إليه وجهة نظر حول روايته، يجيب برصانة وحكمة: «ليست سيئة»، ذلك أنه لا يريد «استباق حكم القراء والنقاد». لكنه يعترف بأنه «سعيد جداً» بالكتاب لأن «أحداً لم يكتب رواية حول موضوع كهذا». رواية خوسيه ساراماغو «إنقطاعات الموت» تستدعي إلى الذاكرة رواية كافكا «سور الصين»، التي عالج فيها أيضاً موضوعات الخلود والزمن والموت، لكن الفارق بين كافكا وساراماغو، في هذا الجانب ومن دون خداع،
يكمن في أن كافكا لجأ إلى أسلوب اجتزاء الظواهر ووضعها تحت المجهر وانثروبولوجيا الروح، اذا صح التعبير، هناك حيث يبدو ساراماغو متعمقا في قراءة الجرائد ومدعوماً بأطلس الواقع الراهن. في عمل كافكا، يعيد المجتمع البشري تنظيم نفسه وتسلط الأضواء على الخلط بين الفلسفات الجديدة وقوانين الايمان، في الوقت الذي تعرى فيه الرؤية القديمة.
بينما يستعرض ساراماغو سلسلة من التطورات اللاحقة، التي تبدأ من التحولات الفاسدة لحكومة الأمة إلى محن الكنيسة التي تبقى من دون حقيقة مسلم بها، مروراً بتقلبات بعض النقابات والمؤسسات المتورطة بصورة مباشرة، مثل دور دفن الموتى والمستشفيات وشركات التأمين. ثمة استعارة في ذلك بالطبع، لكنها استعارة ذات مناخ قائم على وجهة نظر وليس على النفس البشرية أو المجتمع الانساني، سواء كان هذا المجتمع أم أي مجتمع آخر.
(يعود ليحدث الأمر نفسه عندما يعود الموت في الرواية).
لكن هذا لا يعني بالمرة ألا تؤخذ في الاعتبار استحقاقات اخرى في نص الكاتب البرتغالي مثل براعة الكتابة والتهكم الذي يصل إلى حد الفكاهة أحياناً والذي يهاجم فصولاً كثيرة من الرواية. من جانب آخر، فإن الخرافة والاستعارة أو ما يمكن تسميته أي شيء آخر، يمكن ان يرتفع في السماء كما يروق للقارئ، لكن شرط الرحيل أو التحليق يكمن في ان الانسان مشدود إلى الأرض دائماً. وبهذا المعنى، فإن شرط الرحيل في «إنقطاعات الموت» فيه شيء من حلم مستغرق فيه ومن خداع الخيال وجموحه، الذي يحلق كثيراً، لكنه لا يتوقف عن الاتصال بالأرض.
الكتاب: إنقطاعات الموت
الناشر: دار الفاغوارا للنشر ـ مدريد 2005
الصفحات: 280 صفحة من القطع القياسي
Las intermitencias de la muerte
Jose saramgo
Ediciones - alfaguara - Madrid 2005
