يدرس المساهمون في هذا الكتاب مفهوم «الإنسان الجديد» الذي برز في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى واثر تجربتين استبداديتين شهيرتين تمثلت إحداهما بالنازية في ظل هتلر والثانية بالفاشية مع موسوليني.

وتتم الإشارة بداية إلى أن فكرة «صناعة الإنسان الجديد» قد ترافقت تاريخياً مع مشاريع أرادت خلق واقع جديد وباسم مبادئ مختلفة جعلت كلها من الإنسان «هدفاً» لها وتبدت في أوروبا بحرمات مثل الإصلاح اللوثري، الذي نادى به مارتن لوثر، وبالثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، لكن مفهوم «الإنسان الجديد» وجد صداه، وتم تبنيه أيضاً من قبل أنظمة استبدادية عرفتها أوروبا خلال سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي مثل الهتلرية والفاشية.

هذا «الإنسان الجديد» أرادوه دائماً «شاباً وسيماً وقوياً».. وأضاف له هتلر صفة أن يكون «آرياً» بناء على تفوق العرق الجرماني على غيره من أعراق البشر، لكن قبل هذه الصفات كلها كان هذا «الإنسان الجديد» جندياً في خدمة النظام الذي أراد إنتاجه. لكن بكل الأحوال كان رفع شعاره يرى للسيطرة على الآخرين. هكذا لم يتردد النظام الفاشي الإيطالي مثلاً في تحديد هدفه في إجراء نوع من الثورة باسم «النزعة الإيطالية التحديثية»،

وهذا ما عبّر عنه موسوليني بـ «إعادة صياغة الشخصية الإيطالية»، وهذا ما يرى به الباحث الإيطالي ايميلو جانتيل نوعاً من «الدين السياسي يكون موسوليني فيه بمثابة البابا». ذلك على اعتبار أن موسوليني نفسه يجسّد «الإيطالي الجديد».. ولكن هذا «الإنسان الجديد» لم يظهر أبداً بأنه «إنسان خارق» أو «سوبرمان» حسب التعريف الفلسفي لنيتشه، وإنما بالأحرى إنساناً «عادياً» وإنما عرف واستطاع من خلال إرادته وحدها أن «يرتفع إلى مصاف الأبطال» كما يعبر الباحث بيير ميلزا، المشرف على إنجاز هذا الكتاب.

ويؤكد الباحث في دراسته للنموذج الهتلري لـ «الإنسان الجديد» بأن هذا النموذج قد أعطى الأولوية لـ «النقاء العرقي» وذلك عبر الخلط بين مفهومين هما «العرق النقي» و«العرق الأسطوري» للوصول من خلال هذا إلى تأكيد «تفوق عرق جرماني ـ أوروبي شمالي يمثل الإنسان الجديد رمزه المطلق».

لكن بالمقابل هناك مشاريع أوروبية أخرى برزت خلال الفترة المدروسة لـ «الإنسان الجديد» مثلها نظام فرانكو في إسبانيا وسالازار في البرتغال وحيث بدت أهم ملامح هذا «الإنسان الجديد» في كونه «ذا نزعه قومية وكاثوليكية ومتمسكاً بالتقاليد». وهكذا مثله إلى حد كبير الريفي الذي يحرث حقله ويذهب القداس في أيام الآحاد ويسهر على زوجته وأطفاله (العديدين إذا أمكن).

وكتاب يسمح بفهم أنظمة أوروبية سادت ومادت لفترة من الزمن.. وفهمها تحديداً من خلال تعريفها لـ «الإنسان الجديد».

الكتاب: الإنسان الجديد في أوروبا 1922 ـ 1945

الناشر: فايار ـ باريس 2005

الصفحات: 365 صفحة من القطع المتوسط

L'homme nouveau dans

L'europe 1922 - 1945

Pierre milza ET.

Fayard - Paris 2005

p. 365