عبر الهاتف جاء صوت محمد الماغوط متعباً أثقلته الأيام وذهبت به بعيداً في قسوتها، قلت له مبروك فوزك بجائزة العويس لقد تأخروا عليك، ولكنهم لم ينسوك، بل زادوا قيمة الجائزة أكثر ربما أرادوا أن يعتذروا بهذه الطريقة.

قال بصوت واهن أرجو أن تساعدني صحتي على الحضور لاستلام الجائزة.

كان واضحاً أن الماغوط كما علي الجندي، كما عبدالسلام العجيلي يقرأون صفحات أخيرة من كتاب الحياة.

ذات يوم حمل الماغوط أشعاره وذهب إلى «خميس» مجلة شعر، وراح صديقه أدونيس يقرأ للحاضرين أشعاره دون أن يسميه وكان حاضراً يوسف الخال وأنسي الحاج وفؤاد أبي شقرا وغيرهم، تخبطوا بداية لشدة إعجابهم بهذا النمط الجديد من شعر عفوي فيه تفاصيل مهملة في الحياة وراحوا يقولون رامبو، بوبا، بريفير..

لكن أدونيس أشار إلى شاب خجول بعينين خضراوين في الركن قائلاً إنه الشاعر. مذاك انطلقت مغامرة الماغوط الشعرية مع ديوان حزن في ضوء القمر (بيروت 1959) لتدخل القصيدة الجديدة طوراَ من التحول ستمشي على منواله معظم الأجيال اللاحقة.

ماذا فعلت بالشعر يا محمد الماغوط.

لقد أخرجت القصيدة من زنزانتها الذهبية وأرسلتها إلى الحقول لتكون صديقة السابلة والفلاحين.

لقد أعطيت صكاً في يد المئات ليكتبوا ملايين الصفحات وليقولوا انها شعر.

بين شعرك وملايينهم توجد وديان سحيقة، وبين عفويتك وبساطتك وسخريتك نبتت قامة فارهة لقصيدة مغايرة بينما، كانت قصيدتهم صحراء لا يتحملها بشر.

ذات يوم اعترف الماغوط أنه مع القضايا الخاسرة حتى الموت، تلك القضايا التي جعلت منه صديقاً لعالم غير مبهرج، فيه الهزيمة واضحة وفيه الوطن المنتصر، والقائد الضرورة، والحياة الخالدة.

بمنظار ساخر رأى محمد الماغوط عالمه الرث، عالم مليء بالذين يلوحون للحياة من شدة الألم.

اليوم ومحمد الماغوط يتوج على رأس أرفع جائزة أدبية عربية، لا أحد يعرف كم لديه من الأحلام ليسقيها بماء الحياة، ولا أحد يملك أن يقول ان الماغوط سنراه غداً، إنه رجل أعطى لأمته ما يجعلها تفخر به أسوة بهؤلاء الذين تأسست قبلهم تواريخ وبعدهم تواريخ، فإذا كان الشعر الفرنسي يصنف قبل رامبو وبعد رامبو، فإن الشعر العربي المعاصر هو بامتياز قبل الماغوط وبعد الماغوط.

وحتى الاعتراف بهذه الحقيقة علينا التذكر ان الشعر أصبح قليلاً، والشعراء أصبحوا أكثر من الكتب.