يمثل هذا الكتاب لمؤلفه الكاتب الصحفي سليمان الحكيم محاولة لإثبات هوية مصر العربية على مر العصور حتى خلال حكم الأسر الفرعونية لمصر. كما يمثل الكتاب كذلك محاولة للرد على البعض ممن يشككون في صحة هذه الهوية والدعوة التي يرددها هذا الفريق إلى التجرد من الهوية العربية لمصر وقول بعضهم «إحنا مالنا ومال العرب إحنا فراعنة ».
وينتقد المؤلف هذا الفريق باعتبار أن أفراده لم يكلفوا أنفسهم أي عناء للنظر في تاريخ أجدادهم الفراعنة والذين كانوا - على حد قول المؤلف - أول دعاة « الوحدة العربية » وأول من كان لهم التزاماتهم نحو الأمة العربية. ويقوم المؤلف من خلال الكتاب برصد الأدلة التاريخية على ثبات رؤيته هذه للهوية العربية لفراعنة مصر! في محاولة تحقيق هذه المهمة يقوم المؤلف سليمان الحكيم بإجراء ما يشبه المقارنة بين ما أسماه « فرعونيتنا العربية أو عروبتنا الفرعونية »
فيقول : إنه لاشك أن للمصريين تعبيراتهم الخاصة والمختلفة التي يستخدمونها في حياتهم اليومية والتي لها جذورها الثابتة في قاموسهم الفرعوني القديم ، ولعل هذا ما أغرى الكثير من دعاة الفرعونية أو - كما يطلق عليهم سليمان « المتفرعنين » بالتصلب في مواقفهم الرافضة للعروبة والعربية. ومن هنا فإنه يرى أنه وإن كان هؤلاء لهم الحق في التمسك بفرعونيتهم غير أنهم ليس لهم الحق في رفض العروبة ذلك لأن الفرعونية ليست نقيضا للعروبة وإنما العروبة والفرعونية شيء واحد! .
فعلى الصعيد اللغوي مثلا يقول المصريون « فلان وشه نحس » إشارة إلى التشاؤم وإذا ما بحثنا عن تعبير « نحس » في اللغة المصرية القديمة سنجد أنه يستخدم للدلالة على اللون الأسود ولا شك في ارتباط هذا اللون بالتشاؤم لدى العرب جميعا ويبدو ذلك من خلال تعبير مثل « اليوم الأسود » أو الأغبر .....» وهو تعبير معروف لدى العرب إشارة إلى سوء الطالع وحرج الموقف .
وهناك أيضا العديد من التعبيرات الأخرى مثل قول المصريين « فلان عامل نفسه فنط » إشارة إلى التعالي والتكبر فإذا بحثنا عن معنى كلمة « فنط » في اللغة المصرية القديمة سنجد أنها تعني الأنف وبالتالي فهي ليست بعيدة عن كلمة « الأنفة » التي يستخدمها العرب عادة للتعبير عن التعالي والشموخ .
وبالتالي فعلى الصعيد اللغوي سنجد أن التعبيرات « الخاصة » التي يستخدمها المصريون في حياتهم اليومية ليست سوى انعكاس مباشر لشيء واحد فقط وهو « فرعوبية » اللغة المصرية . وعن التأثير المتبادل بين كل من الفراعنة وأشقائهم من البلاد المجاورة والتي عرفت فيما بعد ـ ومصر أيضا ـ « بالدول العربية » يبدأ الحكيم برصد الأدلة التاريخية على هذا التأثير المتبادل بين كلا الطرفين مستشهدا بآراء كبار المؤرخين الذين انصب عملهم على تاريخ الحضارات القديمة .
وعن هذا التأثير بين الحضارات التي نشأت في مصر القديمة من ناحية والحضارات التي نشأت في العراق من ناحية أخرى يستعين المؤلف بما جاء في كتاب العلامة برستد « العصور القديمة » من أن السومريين في بلاد الرافدين كان قد انتقل إليهم القمح والشعير بواسطة المصريين القدماء، حتى أنهم ـ السومريين ـ كانوا يسمون هذه الأشياء بأسمائها المصرية، ومن خلال هذا يتضح أن انتقال السومريين من طور حضاري إلى آخر أكثر رقيا كان على أيدي المصريين .
وفي المقابل فإن المصريين كانوا قد أخذوا عن السومريين الأختام الأسطوانية المصنوعة من الحجر والتي كانوا يختمون بها الصكوك والعهود وكل الوثائق المهمة في معاملاتهم التجارية والإدارية حتى أن الناس في مصر ما زالوا يستخدمونها حتى الآن ، وكذلك فقد أخذ المصريون عن السومريين طريقة البناء بالطوب وما يزالون يبنون بيوتهم في الريف بالطوب اللبن الذي أخذوا فكرته عن أخوانهم العراقيين .
وعن الترابط الذي شهدته العلاقات بين فراعنة مصر وأصحاب الحضارات المختلفة التي قامت في شبه الجزيرة العربية والذين أسماهم المؤلف « بالعرب الآسيويين » ، فقد عرف الفراعنة الخيل والعجلات الحربية على يد « الأسيويين العرب » في نهاية عصر الإقطاع وبعد عصر بناة الأهرام ،
بل وعرف المصريون أيضا السيف والرمح والحربة والبلطة على يد هؤلاء « العرب الأسيويين » حتى أن المصريين احتفظوا بالأسماء العربية لهذه الأدوات كما هي ولم يقوموا بتغييرها، ويضيف سليمان الحكيم « أنه إذا كان فراعنة اليوم يفخرون بالإمبراطورية التي حققها فراعنة الأمس ، وبالحروب التي خاضوها منتصرين فإنه يتعين عليهم أن يتذكروا بأن الفراعنة ما كان لهم أن ينتصروا من دون هذه الأدوات والآلات التي عرفوها على أيدي إخوانهم العرب في الحضارات السابقة ،
وأيضا إذا كانوا يفخرون بالأسطول المصري الذي جاب بحار العالم محاربا ومتاجرا فعليهم أن يتذكروا أنه من دون أخشاب الأرز اللبنانية والسورية ما كان لهؤلاء الفراعنة أن يبنوا أسطولهم الضخم ليجوبوا بحار العالم بتجارتهم أو غزواتهم الحربية ، كما قام اللبنانيون أيضا « الفينيقيون » ببناء أسطول ضخم لتحتمس وحملوه برا إلى الفرات ومنه إلى خليج السويس عبر الخليج العربي ثم بحر عمان .
وعلى الجانب الآخر فقد كان أثر الحضارة المصرية الفرعونية واضحا لدى أصحاب الحضارات القديمة في سوريا ولبنان « عرب بلاد الشام » وخير دليل على ذلك أن من يقوم بزيارة لمتحف بيروت الوطني سيجد أن أثمن ما فيه من مجوهرات وصناعات مصرية نفيسة كان المصريون قد أهدوها لأمراء مدينة جبيل أو « بيبلوس الفينيقية » وقد دفنت معهم على الطريقة المصرية في توابيت صنعها المصريون ، كما أن معبد بعلبك شاهدا آخر على التأثير المتبادل بين كلا الحضارتين المصرية والفينيقية حيث أن أعمدته الجرانيتية أقيمت على الطريقة المصرية وبأحجار تم جلبها من مدينة أسوان عبر النيل ثم البحر المتوسط .
ولم يتوقف الأمر عند حد التأثير المادي بل امتد إلى التأثير الثقافي خاصة من جانب الفراعنة إلى الحضارات القديمة للبلاد العربية المحيطة بهم ، وفي ذلك يستشهد الأستاذ سليمان بكتابات أحد الملوك السوريين قديما قائلا « لما كنت صغيرا أحضرني مندوب مصر حيث قمت على خدمة مولاي الملك حيث كنت مستشارا لدى الباب العالي » ويقول « لا أبي ولا أمي ولكن يد الملك القوية أجلستني على عرش آبائي »
وكلها كلمات تعبر عن مدى تأثر الجانب الثقافي لدى قدامى الملوك والأمراء في المنطقة بالحضارة الفرعونية وبحياة الفراعنة أنفسهم والأمر ذاته بالنسبة للفراعنة ولكن بدرجة أقل في الجانب الثقافي خاصة ، وذلك لأن الجانب الثقافي كان أكثر نموا بدرجة ما لدى الفراعنة مما هو الحال عليه في أي من الحضارات المحيطة بها والدليل على ذلك ،
أن صناعة الورق هي صناعة مصرية أصيلة ثم أخذها الفينيقيون « سوريا ولبنان » حتى برزت أشهر مدينة لهذه الصناعة في ذلك الوقت وهي « بيبلوس » ثم انتقلت منها إلى أوروبا ، بل ويؤكد المؤلف على هذا الرأي بأن أصل كلمة « بيبر» في الإنجليزية والتي تعني ورقة مأخوذ عن الكلمة المصرية القديمة « بيبروس » والتي تعني أوراق البردي.
والأجدى من ذلك أنه من المعروف أن الفراعنة كانوا أول من عرف الكتابة غير أن الفينيقيين كانوا قد أخذوها عن الفراعنة وطوروا فيها ومنها جاء الخط العبري والقبطي والسرياني والذي تطور إلى الخط العربي المعروف لدينا الآن ، وبالتالي كان الفراعنة هم أساس الكتابة العربية التي نكتب بها الآن وندين لها بثقافتنا ،
وكان الفينيقيون هم من طوروها حتى وصلت إلينا كما نعرفها الأن، إذن فقد شاءت الأقدار أن تكون الكتابة وهي الركن الركين في أي حضارة من الحضارات، اختراعا مصريا ـ عربيا أو إن شئت فقل عربيا ـ عربيا . ونتيجة لكل ما سبق ذكره من أدلة على الانتماء العربي لمصر الفرعونية كان لابد من أن تكون مصر الفرعونية ملتزمة بشكل ما تجاه القضايا التي يواجهها محيطها الإقليمي والمتمثل حاليا في الدول العربية ،
ويقول سليمان إن دليلا على أمر كهذا يمكن استخلاصه من خلال قراءة البرديات التي وجدت في منطقة تل العمارنة والتي كانت عاصمة مصر في عهد إخناتون ، حيث تحتوي على رسائل من ملوك العراق وسوريا يطلبون فيها من فرعون مصر نجدتهم من غارات الحثيين من الشمال والعبرانيين من الجنوب ، وفيها يذكرون الفرعون « اخناتون » بما لهم من حقوق بمقتضى العهود والمواثيق التي بينهم.
وهنا يوضح المؤلف أن هذه الإمارات العربية لم تكن قديما مستعمرات فرعونية ولم يكن حكام هذه البلاد من المصريين بل كانوا من الحكام المحليين وما كان يربطهم بمصر إنما علاقة مودة مبنية على احترام كل واحد منهم لسيادة الآخر .
وفي نهاية كتابه هذا يعلق سليمان بأن : «الفرعونية هي دعوة وحدوية وليست كما يتوهمها البعض عن جهل أو سوء نية بأنها دعوة شعوبية بالتقوقع والانكفاء على الذات» منتقدا من يفهمون الفرعونية على هذا النحو ومتهما إياهم بالإساءة إلى مصر وإلى الفرعونية كحضارة سمتها الأولى هي الانفتاح على الآخرين والتفاعل معهم أخذا وعطاء .
ألفت عبد الله
الكتاب : مصر الفرعونية
الناشر : الهيئة المصرية للكتاب القاهرة 2005
الصفحات : 86 صفحة من القطع المتوسط
