مؤلف هذا الكتاب هو الخبير في شؤون الإخراج الصحفي سمير صبحي، الذي تخصص لأكثر من أربعين سنة، في مجال الإخراج الفني الصحفي، إلى أن صار أحد كبار المسئولين عن الأقسام الفنية بمؤسسة «الأهرام» الصحفية، التي تشهد العديد من إصداراتها مقالات للمؤلف في مجالات معلوماتية متباينة، من بينها موضوع هذا الكتاب، الذي جاء تبويبه على هيئة زوايا، يتناول المؤلف من خلالها أسرار الحرف العربي، كتابة وصوتا، وعلاقاته باللغات السامية القديمة،

وكذا باللغة الحديثة، أي «لغة الكمبيوتر» بكل ما تتضمنه من رموز ورسوم مؤثرة على اللغة، على طرائق استخدامنا للكلمة. في مقدمته للكتاب، يشير المؤلف إلى إشكالية تعلم الأجانب للغة العربية، كما عبر عنها مؤلف كتاب «اللغة العربية الحديثة»، الأميركي «عبود»، والتي تتمثل في المراحل الأولى في تعليم الكتابة، بكل تعقيداتها وقوانينها،

وقضاء ست ساعات يوميا ولمدة ستة أسابيع لتعلم الخط العربي وهو ما دفع العديد من الطلاب الأميركيين للإحجام عن مواصلة دراستهم لهذه اللغة (...).بيد أن زوجة الأستاذ الأميركي ـ وهى أيضا مختصة بتدريس العربية في بلادها ـ لاحظت أثناء محاولتها اكتشاف طريقة لشد انتباه طلابها لدروسها، كما يقول المؤلف ـ غياب تصميم بياني لنقل «الخط العربي» إلى «لغة الكمبيوتر»، فضلا عن التعارض بين بداية كتابة اللغتين حيث تكتب العربية ـ كما هو معلوم ـ من اليمين إلى اليسار،

والعكس صحيح بالنسبة للغة «الكمبيوتر» وهو ما استطاعت السيدة أن تتغلب عليه، عبر تصميم برنامج خاص، يتكيف «الكمبيوتر» ـ بمقتضاه ـ على اسلوب الكتابة العربية.

وأن يقوم ـ كذلك ـ بإنتاج الحروف العربية الدقيقة، وما يترتب على ذلك من ضرورة «تشفير» كل «حرف عربي» بكل أشكاله على نظام «آي. بي. إم»، لبيانات التدريب، وهو ما يتطلب كما يذكر المؤلف ـ برمجة أكثر من 64 من هذه البيانات في تصميم درس واحد، واستنادا إلى أن 22 حرفا من الأبجدية العربية الـ 28 يتسم كل منها بثلاثة أشكال، وهو أمر بالغ الصعوبة، زاده أن بعض هذه الحروف بحاجة لأكثر من بيانية خاصة بها.

إشكالية «الحرف العربي» من صوت وحركة وأشكال عدة لكتابته، هى ـ إذا ـ ما كانت مثارا لحديث المؤلف في بقية صفحات كتابه، فيذكر أن الصوت في الحرف ـ بأي لغة ـ هو عنصر أساسي في محمول المعني، بينما الكتابة مجموعة علامات ورموز للمنطوق والمسموع، وذلك نظرا لأن طريقة الكتابة من شأنها أن تبث إشارات نوعية، مثلما يكون من شأنها أن تطلق العنان للصوت المنطوق، بمقاميته فتجعله قصيرا أو طويلا،

وذلك بقدر ما تكون عليه المسافة المادية والزمانية بين بعض حروفها، فتجعله فضفاضا قاطعا، أو انسيابيا متقطعا في موصول، هامسا أو زاعقا، مكتوما أو مزمجرا، أو شديد السرعة، أو بطيئا ومتناهيا في البطء، متداخلا أو مستقيما، بل وحتى هزليا ساخرا، وهكذا.

وبدءا من دعوة الأديب المصري محمود تيمور «المجمع اللغوي»، في بلاده، أن تقتصر كتابة ذلك الحرف على شكل واحد، لأجل ايضاحه عند الطباعة، حيث يأخذ الحرف عدة أشكال سواء في أول الكلمة، وفي وسطها أو في آخرها، وهى الدعوة التي تلتها دعوات أخرى من جامعة الدول العربية وخبراء الطباعة، إلا أن المؤلف سكت عن الحديث عن مصير هذه الدعوات، والسكوت ـ بالطبع ـ لا يعني الرضا أي التنفيذ.

وذلك على الرغم من أن القدماء لم يتهيبوا عند لجوئهم لهذا المسلك، قبل خمسة قرون، فطوروا «الخط العربي» وحركته، حيث يقوم شكل الحرف يقول المؤلف ـ على أساس حروف موازية للسطر، وأخرى تعلوه، وثالثة تهبط عنه، كما أن الحركة في هذا الخط نابعة من تصميم شكل الكلمة، أي من تباين أوضاع كل حرف عن سابقه ولاحقة، ومن تباين كل حرف، من الحروف، حسب موضعه، وذلك مقارنة بالخط اللاتيني الذي يعتمد على الخطوط المتوازية، الرأسية والأفقية،

حيث إن القاعدة الهندسية مشتركة في تكوين حروفه، ومن هذين الشكلين ـ لا غير ـ تتكون كافة حروف الخط، مما أتاح للحروف الافرنجية سهولة صفها عند الطباعة، وذلك مقارنة بالخط العربي، الذي تتنوع قواعده الهندسية، إلى حد استقلال كل حرف بقاعدة تخصه. ويبين المؤلف ـ استنادا إلى خبرته الفنية ـ أن الصعوبات الطباعية التي تتصل بالخط العربي تأتي من خلال طبيعة التركيب والجمع والتشكيل،

حيث أصبحت الكلمة، في هذا الخط، تصميما قائما بذاته، يستوجب رسم صورة متعددة، متباينة، للحرف الواحد،بغية الوفاء بمتطلبات التركيب، أو جمع أو تشكيل الكلمة، وهو ما دعا أحد الباحثين، وهو د. فتحي حمودة ـ كما يقول المؤلف ـ إلى ابتكار حروف جديدة مسجلة باسمه، كما تتبدى الآن في يافطات وزارة الداخلية المصرية، والتي تحدد بها علامات الطرق، طبقا لتعليمات إدارة المرور، حيث اختزل د. جودة قائمة الحروف المعتمدة بالمطابع، والبالغة 470 حرفا، إلى 58 حرفا فقط،

بعد أن خصص ستة أشكال ـ على سبيل المثال ـ حرف «الألف»، وشكلان لـ «الباء» وثلاثة أشكال لـ «الثاء»، وبحيث يأتي حرف مثل «النون» في شكل مبتكر ومريح للعين، وذلك عبر تجويف ونقطة، داخل كل أنواع الخطوط، من رقعة، أو نسخ، أوثلث، أو ديواني، أو كوفي.

إذ اتخذ الباحث ـ بحسب ما يوضح المؤلف ـ من حرف «الألف» أساسا لقياس بقية الحروف، بحيث لا يعلو أي حرف عليه، على الرغم من أن الحروف التي تعلو السطر كثيرة، مثل «اللام» و«الكاف» و«القاف»، وكذلك الأمر بالنسبة للحروف التي ترسم أسفل السطر، مثل «الياء» و«الراء» و«الباء» و«الواو» وذلك في إطار طموح الباحث لتنفيذ كتابة الحروف العربية كحروف مفرطة، مفردة، غير مشبوكة مثل الحروف اللاتينية.

كما يلفت المؤلف إلى ابتكار آخر للفنان العراقي سامي العربي، الذي استحدث حرف عربي جديد، يتلاءم مع الحرف الطباعي الاليكتروني، وهو الحرف الذي استمد الفنان فكرته من أصل الحرف العربي القديم، بحيث تختصر أشكال الحروف العربية من 90 شكلا إلى 34 شكلا، عبر إلقاء التعدد في أشكال الحرف الواحد، وجعله شكلا واحدا في جميع مواقعه داخل الكلمة.

ولكن المفارقة أن هذه الأشكال ـ ذات العبء الطباعي (!) ـ ظلت ملهمة للفنانين، عربا وأوروبيين، قدامي ومحدثين، حيث اتخذ الفن الأوروبي ـ منذ عصر النهضة وإلى ما قبل عصر الرومانتيكية ـ من الخط العربي معينا لتشكيلاته للكنائس والأبنية الفخمة، إلى حد عدد من كبار هؤلاء الفنانين، ومنهم ليوناردو دافنشي.

قد تركوا في ملفاتهم تخطيطات لكتابات عربية تدل على مدى أهميتها بالنسبة لهم، وهو التأثر الذي امتد إلى فنانين أكثر حداثة، مثل كبول كلي، وهوفر بينما وردت أشكال الخط العربي في قصائد كبار الشعراء العرب القدماء فتغنوا بجمالها وفتنتها، كـ «أبي تمام» و«ابن المعتز» و«أبوالصلت الأندلسي».

فكري عبدالمطلب

الكتاب: الحرف العربي قراءة وكتابة:

رؤية صحفية على حروف عربية

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 2005

الصفحات: 118 صفحة من القطع المتوسط