في الثالثة والثمانين من عمره، يدشن خوسيه ساراماغو بيتاً ورواية. بيتاً يقع في حي هادئ وسط لشبونة ويسمى «بليموندا» وذلك على اسم شخصيته النسائية التي لا تنسى في «مذكرة الدير». الرواية تحمل عنوان «إنقطاعات الموت» ونشرت بشكل متزامن، بطبعة أولى من 100 ألف نسخة، بلغات عدة، وقام الحاصل على جائزة نوبل للآداب 1998 بتوقيع الكتاب في حفلة مزدوجة في لشبونة:

صباحاً في معهد سيرفانتس مع برنامج تلفزيوني تم بثه على الهواء مباشرة، ومساء في المسرح الوطني «سان كارلوس»، أثناء احتفال حاشد، تلقى فيه ساراماغو مشاعر الود التي يكنها له قراؤه، حيث صدحت موسيقى باخ وعدة نساء (من بينهن زوجته بيلار ديل ريو، مترجمة الرواية إلى الأسبانية) قرأن أجزاء من الكتاب وساراماغو تحدث عن الأدب والحياة والموت والسياسة.

مؤلف «سنة موت ريكاردو ريس» على علاقة اشكالية مع البرتغال، البلد الذي تركه بشكل رمزي في عام 1993 بعد أن منع وزير الثقافة في حكومة كافاكو سيلفا روايته «الانجيل حسب المسيح» من أن تمثل بلاده في جائزة أدبية أوروبية ومع عودة كافاكو الآن إلى المستوى الأول في الواقع السياسي الحالي من خلال الحملة الرئاسية التمهيدية، ضاعف ساراماغو هجماته ضد «الرقيب» وذلك بالطاقة ذاتها التي كتب بها هذه الرواية الجديدة وبالقوة عينها التي يدافع بها عن عمله، الذي يقول فيه إنه «الأفضل ربما منذ جائزة نوبل»، وفقاً لما يؤكده.

«إنقطاعات الموت» تنطلق من فكرة ـ منجنيق، على غرار جميع روايات ساراماغو: في بلد متخيل، يتوقف الموت فجأة عن حصد الارواح. وانطلاقاً من هذه النقطة بالذات، تخط الحكاية طريقها بالتهكم والفكاهة والروح الإنسانية والتشاؤم إلى وضع الخلود العابر ذاك، الذي يحدث خللاً في السلطات ويزعزع الأقوياء ويلهم العباقرة وينتهي كاشفاً عن نفسه كحالة فوضى شديد من الصعب إدارتها.

في الثالثة والثمانين من عمره، يدشن خوسيه ساراماغو بيتاً ورواية.

بيتاً يقع في حي هادئ وسط لشبونة ويسمى «بليموندا» وذلك على اسم شخصيته النسائية التي لا تنسى في «مذكرة الدير». الرواية تحمل عنوان «إنقطاعات الموت» ونشرت بشكل متزامن، بطبعة أولى من 100 ألف نسخة، بلغات عدة، وقام الحاصل على جائزة نوبل للآداب 1998 بتوقيع الكتاب في حفلة مزدوجة في لشبونة: صباحاً في معهد سيرفانتس مع برنامج تلفزيوني تم بثه على الهواء مباشرة، ومساء في المسرح الوطني «سان كارلوس»، أثناء احتفال حاشد، تلقى فيه ساراماغو مشاعر الود التي يكنها له قراؤه،

حيث صدحت موسيقى باخ وعدة نساء (من بينهن زوجته بيلار ديل ريو، مترجمة الرواية إلى الأسبانية) قرأن أجزاء من الكتاب وساراماغو تحدث عن الأدب والحياة والموت والسياسة. مؤلف «سنة موت ريكاردو ريس» على علاقة اشكالية مع البرتغال، البلد الذي تركه بشكل رمزي في عام 1993 بعد أن منع وزير الثقافة في حكومة كافاكو سيلفا روايته «الانجيل حسب المسيح» من أن تمثل بلاده في جائزة أدبية أوروبية ومع عودة كافاكو الآن إلى المستوى الأول في الواقع السياسي الحالي من خلال الحملة الرئاسية التمهيدية، ضاعف ساراماغو هجماته ضد «الرقيب»

وذلك بالطاقة ذاتها التي كتب بها هذه الرواية الجديدة وبالقوة عينها التي يدافع بها عن عمله، الذي يقول فيه إنه «الأفضل ربما منذ جائزة نوبل»، وفقاً لما يؤكده. «إنقطاعات الموت» تنطلق من فكرة ـ منجنيق، على غرار جميع روايات ساراماغو: في بلد متخيل، يتوقف الموت فجأة عن حصد الارواح.

وانطلاقاً من هذه النقطة بالذات، تخط الحكاية طريقها بالتهكم والفكاهة والروح الإنسانية والتشاؤم إلى وضع الخلود العابر ذاك، الذي يحدث خللاً في السلطات ويزعزع الأقوياء ويلهم العباقرة وينتهي كاشفاً عن نفسه كحالة فوضى شديد من الصعب إدارتها.

وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته صحيفة «الباييس» الإسبانية مع ساراماغو في لشبونة بمناسبة توقيع روايته الجديدة «إنقطاعات الموت».

ـ يبدأ الكتاب بجملة «في اليوم التالي لم يمت أحد»، التي تبدو للوهلة الأولى نوعاً من الهجاء، رغم أنهم قليلون أولئك الذين قد يشاركونك هذا النمط؟

ـ ليست أهجية على وجه الدقة، رغم أنها تحتوي في جانب منها على الهجاء أو على النقد ربما حيال العادات والمؤسسات وردود أفعال الناس أمام الموت ونقصان الموت... السؤال هو: ما الذي سيحدث لو كنا خالدين؟

ـ والإجابة الأولى في الرواية هي أنه من دون الموت، فإن أناساً كثيرين سوف يمحقون؟

ـ الموت تجارة كبيرة وهذه التجارة ليست نظيفة دائماً، على الرغم من أن ذلك ليس الموضوع الرئيس للرواية، إن اختفى الموت فجأة، وإذا توقف الموت عن حصد الارواح، فإن أناساً كثيرين سيدخلون في حالة من الرعب: مؤسسات دفن الموتى، شركات التأمين، دور العجزة.. وذلك من دون الحديث عن الدولة، التي لن تعرف كيف تدفع المعاشات.

ـ تبدو نكتة، رغم أن الأمر ربما يأخذ هذا المنحى لأن الشيخوخة تدوم مدة أطول في كل مرة.

ـ هذا أمر جدي، فالجهات المعنية تستطيع دفع المعاشات لغاية عام 2015 فقط، ولا نعرف ما الذي سيحدث اعتباراً من تلك اللحظة.

ولقد شكل ذلك جزءاً من فكرة الرواية، بمعنى الحديث عن موضوعات جدية في ظل مناخ من التسلية.

ـ ذلك واضح خصوصاً مع اللهجة التهكمية والساخرة، لكنه يبدو جديداً أيضاً؟

ـ التهكم ليس جديداً في كتبي، لكني أعتقد بطريقة أو أخرى بأنه هجومي ونشيط ومباشر وهو موجود في كل ما أكتب. الجديد يتمثل في الفكاهة، فهناك نظرة إنسانية للراوي أوسع بكثير مما هي عليه في أي رواية أخرى، أو ذلك ما يقوله على الأقل بعض الأشخاص، الذين ضحكوا حتى القهقهة مع الكتاب.

ـ عادة ما تأتي الفكاهة مناسبة للحديث عن أمور على قدر كبير من الأهمية مثل الموت؟

ـ الحقيقة هي أني لم أفعل ذلك بصورة مقصودة، فلقد خرج الأمر هكذا وبكل بساطة ولابد أن أعترف بأني كثيراً وأنا أكتب حول موضوع بهذا القدر من الجدية كالموت، رغم انه من المعروف أنه مع الموت لا يمكن للمرء أن يضحك كثيراً، لأن الموت هو الذي ينتهي ضاحكاً منا. من الأفضل التفكير بأن الموت ليس كياناً ولا سيدة تنتظرنا هناك في الخارج، وإنما هو موجود بداخلنا وأن كل واحد يحمله في الداخل وعندما يتفق الجسد والموت، ينتهي كل شيء.

ـ الرواية تدور أيضاً حول استحالة الخلود؟

ـ ذلك أن الخلود سيكون رعباً إن حدث، حتى لو عاش المرء 20 عاماً من الطفولة و50 عاماً من المراهقة و80 أو 90 عاماً من النضوج، فإن الشيخوخة ستأتي حتماً واعتباراً من تلك اللحظة سوف تبدأ المأساة. هل يمكن لأحد أن يتخيل شيخوخة خالدة؟ الأفضل عدم تخيل تلك الشيخوخة المتطرفة والأفضل هو التفكير بأن الموت لا يمثل أي عمل بطولي، وإنما أمر من أكثر الأمور اعتيادية.

ـ هل هناك حين يظهر ساراماغو المتشائم؟

ـ في هذه الحالة لا وجود لشيء من التشاؤم وليس في وسع المرء سوى الاستسلام للوضوح.

ـ وماذا عن عازف الكمان ذاك، الذي يعشق الموت مجسداً بامرأة من دون معرفة من هي. هل يشعر بشيء مما تشعر به أنت؟

ـ إذا ما نَظَرْتُ إلى الخلف، فإن البطل في جميع رواياتي هو إنسان وحيد، وهذا الانسان خجول جداً أيضاً، وليست لديه عائلة.. أنا لم أعش وحيداً أبداً ولم يرق لي أبداً حصر تجاربي الشخصية في الروايات..

ـ كيف ولدت فكرة هذه الرواية؟

ـ كنت في مدريد، أعيد قراءة ريلكه ولا أدري ما إذا كانت الفكرة قد حضرت بإيحاء مباشر أم لا من كتاب «دفاتر ميلت لوردس بريج» عندما وضعته جانباً». فالأمر يحدث على هذا النحو دائماً، ولذلك أقول إن هذه الرواية ربما تكون روايتي الأخيرة، لأني لا أكتب أي شيء، فأنا أحتاج أولاً إلى أن تأتي تلك الفكرة.

وفكرت وتساءلت: ماذا لو أن الموت لم يكن قادراً على حصد روح شخص محدد؟ ذلك كان الجنين... المنبت.. الغابة. لم أفكر في البداية بأن يقوم الموت بإضراب في بلد كامل، الأمر الذي يشغل في النهاية الجزء الأول، فلقد أتى ذلك لاحقاً عند ابتكار وضع عام.

ـ من أجل تذكر، من بين أشياء أخرى، أن فكرة الموت تساهم ببقاء الكنيسة؟

ـ أسوأ من ذلك فمشكلة الكنيسة هي أنها تحتاج الموت لتعيش. من دون الموت لا يمكن أن تكون هناك كنيسة لأنه لن يكون هناك قيامة. والأديان المسيحية تتغذى على الموت وحجر الزاوية الذي يستند إليه البناء الإداري واللاهوتي والأيديولوجي والقمعي للكنيسة سوف ينهار ويفقد أخلاقياته إن توقف الموت عن الوجود. لذلك فإن الأساقفة في الرواية يدعون إلى حملة صلاة حتى يعود الموت. يبدو وحشياً، لكن من دون الموت والقيامة، لا يمكن للدين الاستمرار في القول أن نتصرف جيداً لنعيش حياة خالدة في العالم الآخر.

ـ في هذه اللحظة، يظهر كاباكو سيلفا كمرشح للرئاسة في البرتغال.

ـ نعم، وظهوره أجبرني على نبش جثة تلك الرقابة التي جرت معي عندما كان هو رئيساً للوزراء. حكومته فعلت شيئاً خاصاً من ديكتاتورية فاشية. ما يقلقني أكثر هو جمود الناس ولامبالاتهم. تبدو كذبة أن يكون هذا الشعب هو نفسه الذي كان قبل 30 عاماً الشعب الأكثر ميلاً إلى القتال في أوروبا كلها.

باسل أبو حمدة ساراماغو في سطور

ـ ولد خوسيه سارامواغو في في قرية أزينهاغا البرتغالية 16 نوفمبر 1922، وقبل ان يكرس نفسه للآداب، عمل في حرف متنوعة: صانع أقفال، ميكانيكي وناشراً.

ـ نشر هذا الكاتب، الذي علم نفسه بنفسه، روايته الأولى «أرض الخطيئة» في 1947 ورغم انه حظي، مع هذا العمل، بانتقادات جيدة، الا أنه قرر البقاء من دون نشر أي كتاب آخر أكثر من 20 عاماً، لأنه «لم يكن لدي ما أقول» كما يؤكد.

ـ صحافي وعضو في الحزب الشيوعي البرتغالي وتعرض للرقابة والملاحقة طوال سنوات ديكتاتورية سالازار، وفي نهاية الستينات قدم نفسه بديوانين .

ـ انضم إلى ما عرف باسم «ثورة القرنفل»، التي حملت الديمقراطية إلى البرتغال عام 1974 ويبرز من بين أشهر اعماله «الانجيل حسب المسيح» و«سنة موت ريكاردو ريس» و«الرجل المنسوخ» و«بحث حول العمى» و«بحث حول الوضوح».

ـ التزم دائماً بموقف أخلاقي وجمالي، علاوة عن مواقفه السياسية التقدمية، كما انه ملتزم بالهموم الإنسانية عامة وفي أعماله أصالة قائمة بالأساس على رؤيته المثيرة للجدل عن التاريخ والثقافة.

ـ في أعماله، يمكن العثور على مخيلة صافية ومقاربة للميثولوجيا المسيحية واقتراب من هموم الوطن. أسلوبه الفريد يجعلنا نشعر بأن قصصه تروى لنا على لسان شخص قريب جداً منا، يدعونا إلى أن نتتبع الشخصيات من خلال تحولاتها وتقلباتها المفاجئة.

ورغم الواقع الذي يحيط بنا كل يوم، إلا ان ساراماغو يعتقد بإمكانية السعادة والتعايش الصحي بين الأشخاص.

ـ حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1998، فضلاً عن العديد من الجوائز الأخرى وشهادات الدكتوراة الفخرية (جامعات تورين واشبيلية ومانشتر وكاستيا ـ لامانشا وبرازيليا). نال جائزة «كاميوس» التي تعادل جائزة سيرفانتس في البلدان المتحدثة باللغة الاسبانية.

ـ النقاد حول العالم يعتبرون اعماله من أهم اعمال الأدب المعاصر كما تعتبر اعماله الروائية، في جزء كبير منها، اقتراباً دافئاً من الحياة اليومية