آلان غيومول هو صحافي فرنسي يعمل في جريدة «لاكروا»، وهو أخصائي بشؤون أوروبا الوسطى وروسيا. عمل لفترة طويلة من الزمن كمراسل لوكالة الصحافة الفرنسية في أوكرانيا. وسيريل هوريسني هو مصور صحافي.. وكان قد أنجز تحقيقات عن الأحداث التي شهدتها أوكرانيا والمعروفة بـ «الثورة البرتقالية»، تبعاً للون الذي اختاره أنصارها للتعبير عنها. وكان قد أنجز أيضاً العديد من التحقيقات على مدى سنوات خاصة حول بلدان أوروبا الوسطى والشرقية.
«حتى الثلج كان برتقالياً» أو «ربيع كييف» هما تعبيران جرى إطلاقهما للحديث عن الثورة السلمية التي عرفتها أوكرانيا لمدة 17 يوماً في نهاية عام 2004. وقد كانت «ثورة فرحة» قام بها الشباب بشكل خاص حيث مزجوا بين الرقص ورفع الشعارات السياسية.. وتوصلوا في الواقع إلى الإطاحة بنظام تسلطي وفاسد.
كانت الشرارة الأولى في تلك «الثورة البرتقالية» هي الاحتجاج ضد انتخابات رئاسية عرفتها البلاد واعتبرت أكثرية كبيرة بأنها مزورة لصالح المرشح القريب من روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي (السابق) وحين كانت أوكرانيا هي إحدى جمهورياته الرئيسية. واستطاع المتظاهرون بإلحاحهم وبقائهم أياماً طويلة بلياليها أن يفرضوا على رأس الدولة الإصلاحي «فيكتور لوشينكو» المعروف بتوجهاته الليبرالية. لكن هذا «الانتصار» لأنصار الثورة البرتقالية لم يمنع من إثارة العديد من الأسئلة سريعاً حولها.
مثل: هل كانت الثورة الأوكرانية خاضعة لاستغلال جهات خارجية؟ فما هو دور الولايات المتحدة الأميركية ؟ وما هو دور بولندا؟ ولماذا ترددت فرنسا كثيراً قبل أن تعترف بعدم نظامية الانتخابات «المزورة»؟ ثم ما هي حقيقة المناورات التي قامت بها روسيا، بما في ذلك محاولة الاعتداء على فيكتور لوشينكو؟
في إطار محاولة الإجابة على هذه الأسئلة.. والكثير غيرها، يؤكد آلان غيومول مؤلف هذا الكتاب منذ الصفحات الأولى بأن الانقياد وراء الرأي الشائع القائل بأن ما شهدته العاصمة الأوكرانية كييف إنما كان عملية أميركية مدبرة بإحكام من قبل إدارة جورج دبليو بوش إنما يعني بكل بساطة «نوعاً من ازدراء المواطنين الأوكرانيين الذين نزلوا إلى الشارع وأن يبقوا فيه محافظين على مطالبهم بإصرار كبير، وإنما دون اللجوء إلى أية ممارسات عنيفة.
لكن المؤلف يشير بالوقت نفسه بأنه من الواقع القول كذلك بأن العديد من المنظمات غير الحكومية مثل «مؤسسة سوروس» أي التي تحمل اسم الثري الأميركي ذي الأصول الأوروبية الشرقية، ومنظمة «بيت الحرية» و«المعهد القومي الديمقراطي» الذي تترأسه مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً.. هذه المنظمات غير الحكومية هي ممولة كلها من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
وكلها أيضاً كان لها تواجد قوي في أوكرانيا وقد مدت يد العون للمتظاهرين.. وفي نفس الإطار أيضاً يركز المؤلفان على الدور الذي لعبه المعهد القومي الجمهوري الأميركي الذي يترأسه جون ماكين، السناتور الجمهوري المعروف الذي يحوز على لقب بطل الحرب الشيشانية.
وإذا كان الدور الأميركي في «الثورة البرتقالية» الأوكرانية، لا جدال فيه، بالنسبة لمؤلف هذا الكتاب، فإن التركيز ينصب بالأحرى على الدور الفعال والمركزي والذي كان حاسماً أكثر بكثير من الدور الأميركي، أي الدور الذي لعبه الاتحاد الأوروبي في الوصول إلى حل للأزمة وحيث كانت بولندا بالتحديد هي المحرك الرئيسي وراء هذا الدور الأوروبي الفاعل.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس البولندي هو كان أول من اقترح تنظيم انتخابات جديدة في اوكرانيا على قاعدة القول بأن الانتخابات الأولى كانت «مزورة» إلى هذا الحد أو ذاك.. هكذا كانت هناك دورة جديدة يوم 26 ديسمبر 2004 كذلك كان الرئيس البولندي هو الذي دفع «لانوكوفيتش» مرشح النظام القديم القريب من موسكو بإنه لا خطر عليه من إعادة الانتخابات هذا لاسيما وأن هذا المرشح كان نفسه قد صرح بأنه يتفوق على «خصمه» المرشح البرتقالي بأكثر من مليون صوت.
لكن النتيجة كانت هي انتصار ساحق لمرشح المتظاهرين «تحت الثلوج» كما شكل نهاية نظام شبه شمولي «توليتاري» كما شكل أيضا نوعا من الاهانة لـ «فلاديمير بوتين» وخسارة لروسيا لاسيما وانه كان معروفاً عن أوكرانيا بأنها تشكل بالنسبة لـ «الشقيقة الكبرى» نوعا من «مستودع الحبوب» وكانت هذه الجمهورية السوفييتية السابقة ذات الـ 48 مليون نسمة قد استقلت عام 1991 لكنها بقيت في واقع الأمر «أسيرة ماضيها» السوفييتي طيلة عقد كامل من الزمن بعد ذلك.
ويتم التأكيد في هذا الكتاب إلى أن اوكرانيا قد عرفت خلال السنوات العشر التي تلت استقلالها وضعاً اقتصاديا متدهورا وحالة من استشراء الفساد في أجهزة الدولة في ظل تعاظم دور المجموعات ذات الطبيعة المافيوزية مع ما ترتب على هذا من ممارسة العنف.
وتتمثل أحدى الافكار الرئيسية التي يتم نقاشها في هذا الكتاب بعلاقة هذه البلاد مع أوروبا، بالمعني السياسي والاستراتيجي باعتبارها في موقع «مفصلي» بين أوروبا وروسيا، بل وموقع مفصلي أيضا فيما يخص العلاقة بين الحلف الأطلسي ووريثة الاتحاد السوفييتي السابق، ويتم التأكيد في هذا السياق على ان التردد الكبير الذي أبداه اصحاب القرار في بلد مثل فرنسا انما كان قائما على حسابات حيال روسيا،
ذلك ان دعم المسيرة الطويلة للشعب الأوكراني للعودة إلى «العائلة الأوروبية» قد يبدو موقفا معاديا بنظر الروس وهكذا لم تول أوروبا الغربية عامة، وفرنسا بشكل خاص، اهتماما كبيرا برغبة الحرية لدى الاوكرانيين.. هذه «الرغبة» الموجودة لديهم منذ قرون.. ولم تكن «الثورة البرتقالية» سوى أحد إفرازاتها القريبة القوية، وبهذا المعنى تكون هذه «الثورة» قد وضعت أوكرانيا من جديد في المدار الأوروبي وعلى الخارطة الأوروبية.
وكان «فكتور لوشينكو» قد اتخذ مواقف مؤيدة بشكل واضح للانتماء الأوروبي لبلاده مع التأكيد على الرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي، ان مثل هذا الموقف لم يكن غريبا، كما جاء في التحليلات المقدمة بهذا الكتاب عن الدعم الكبير الذي لاقاه لدى الجموع الشعبية من المواطنين الأوكرانيين الذين نزلوا إلى الشارع للتظاهر تحت الثلج في «ساحة الاستقلال» ولأيام طويلة دون انقطاع،
لكن هذا كله لم يمنع رئيس المفوضية الأوروبية البرتغالي «خوسيه مانويل باروزو» من التأكيد في مطلع عام 2005 بأن الاتحاد الأوروبي مستعد لإقامة علاقات وثيقة أكثر مع أوكرانيا ولكن بعيداً عن منظور الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي.
أما المستقبل الأوكراني في ظل رئاسة «فكتور لوشينكو» فإنه مرهون إلى حد كبير بمدى التزامه الوفاء بالوعود التي كان قد قطعها وأيده الشعب على أساسها، وخاصة فيما يتعلق بتحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز الوحدة الوطنية، وأيضا وربما خاصة، في الشروع بخطوات باتجاه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بل وأبعد منه إلى الحلف الأطلسي ولعل الاستحقاق الاكثر أهمية في المستقبل القريب يتمثل في الانتخابات التشريعية التي سوف تشهدها البلاد خلال شهر مارس من عام 2006.
هذا الكتاب المزود، بالإضافة إلى تحليلات احد العارفين بالشأن الأوكراني، بمجموعة من الصور التوثيقية بالأبيض والأسود، مما يجعل الكتاب نفسه بمثابة تحقيق طويل. ولكن عميق أيضا.
الكتاب: الثورة الأوكرانية
الناشر: لو بوتيت ماتان ـ باريس 2005
الصفحات: 172 صفحة من القطع المتوسط
MEME LA NEIGE ETAIT
ORANGE: LAREVOLUTION
UKRAINENE
ALAIN GUILLEMOLES CYRIL HORISNY
LES PETITS MATINS - PARIS2005
P. 172
