مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ج. م. روبرتسون المختص بالفكر الفرنسي الحديث، هو هنا يقدم صورة عامة عن حياة واحد من أهم المفكرين الفرنسيين في القرن التاسع عشر. ارنست رينان، ومنذ البداية يقول بما معناه: ولد ارنست رينان في منطقة بريتاني الواقعة غربي فرنسا عام 1823 ومات في باريس عام 1892 عن عمر يقارب السبعين عاماً، وكان كاتبا أديبا، وفيلسوفا ومؤرخا وعالم لغة في ذات الوقت،
لقد ولد في عائلة صيادين تسكن مدينة صغيرة واقعة على المحيط الأطلسي، وكان جده قد توصل الغنى واليسر المادي بعد جهود كبيرة. وهذا ما أتاح له أن يبني بيتا كبيراً للعائلة هناك، وكان أبوه قبطان سفينة ومن أنصار النظام الجمهوري المتحمسين، ولكن ذلك لم يمنعه من الزواج بفتاة تنتمي إلى عائلة محافظة من أنصار النظام الملكي القديم، وقد ظل رينان طيلة حياته كلها يشعر بالتمزق بين قناعات والده الجمهورية، وقناعات أمه الملكية والمسيحية.
ولكن والده مات عندما كان عمره خمس سنوات فقط، فاستلمت رئاسة العائلة أخته الكبرى «هنرييت» التي كانت تكبره باثني عشر عاما، وسوف تلعب دورا كبيرا في حياته لاحقا، والواقع انها هي التي توسطت له لكي يقبلوه في أفضل المدارس الدينية في العاصمة باريس. وكان من المقرر ان يتخرج كاهنا لولا أن جرثومة الفلسفة أصابته، وهو في الثامنة عشرة،
فقد اطلع على فلسفة كانط وهيغل، وهيودر، وعندئذ شعر بوجود تناقض حاد بين إيمانه الديني الموروث عن آبائه وأجداده، وبين الفلسفة العقلانية او التنويرية ولهذا السبب ترك مدرسة الرهبان عام 1895 وتراجع عن الانخراط في سلك الكهنوت المسيحي كما كان متوقعا وقرر الانصراف لدراسة الفلسفة والعلوم الدنيوية واللغوية والتاريخية.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد نال شهادة التبريز في الفلسفة عام 1848 ثم دخل إلى الجامعة بعدئذ لكي يحضر أطروحته الجامعية عن الفيلسوف العربي المسلم: ابن رشد، وهي الاطروحة الشهيرة التي طالما نوقشت لاحقا من قبل كبار المثقفين في أوروبا والعالم العربي ـ وقد طبع هذا الكتاب من جديد مؤخراً بإشراف البروفيسور ألان دوليبيرا.
وفي عام1856 أصبح عضوا في أكاديمية الآداب الجميلة ثم تزوج في العام نفسه، وبعد ذلك سافر إلى الشرق، إلى سوريا ولبنان للبحث عن الآثار الخاصة بالمسيحية ومعلوم انه كان قد انخرط منذ ذلك الوقت بتأليف كتابه الشهير عن «حياة يسوع». ثم أصبح أرنست رينان استاذا في الكوليج دوفرانس، وهي أعلى مؤسسة علمية فرنسية: أي أعلى من السوربون وأهم، ولكنهم أوقفوا دروسه فوراً بعد إلقائه للمحاضرة الأولى بسبب جرأتها في تناول الشؤون الدينية ودراستها دراسة علمية تاريخية.
وثارت الأصولية المسيحية عليه عندئذ وهاجت وماجت واتهمته بالتجديف والكفر والاعتداء على المقدسات. ولكن ارنست رينان وقع في نوع من العنصرية ايضا عندما وصف العقلية السامية بأنها مضادة للعلم والفلسفة على عكس العقلية الآرية الأوروبية المحبة لهما منذ زمن الأغريق. ولهذا السبب تخلف الشرقيون في رأيه وتقدم الأوروبيون.
ثم يردف المؤلف قائلا: وعندما نشر كتابه عن حياة يسوع عام 1863 أحدث فضيحة في الأوساط الشعبية المسيحية، وإن كان قد لاقى نجاحاً منقطع النظير في المكتبات، وقد تأثر البابا بيوس التاسع كثيراً عندما قرأ الكتاب، ونقلوا له مقاطع منه. وغضب غضباً شديداً على رينان، نقول ذلك وبخاصة أن هذا الأخير كان تلميذاً لرجال الدين، بل وكان متوقعاً أن يدخل سلك الكهنوت ويصبح راهباً كما ذكرنا.
وهاجم البابا رينان ناعتاً إياه بأنه كافر أوروبي كبير. ولهذا السبب فإن وزير التعليم الفرنسي أصدر قراراً بمنع رينان من التدريس في الجامعة لأجل غير مسمى. وفي عام 1865 قام أرنست رينان برحلة سياحية وعلمية إلى مصر وتركيا واليونان، ومعروف أنه كان منهمكاً في كتابة دراساته عن الأديان التوحيدية، أي اليهودية والمسيحية أساساً، ثم عن الفلسفة اليونانية التي كان معجباً بها أشد الإعجاب.
وفي عام 1869 رشح نفسه للانتخابات النيابية، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، ثم رشح نفسه عام 1878 للأكاديمية الفرنسية ونجح.
والواقع ان ارنست رينان كان أحد أعمدة الفكر في فرنسا طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نقول ذلك على الرغم من أن تلك الفترة شهدت أيضاً ظهور مفكرين كبار مثل عالم الاجتماع الشهير اميل دوركهايم، والفيلسوف الكبير أوغست كونت. هذا بالإضافة إلى آخرين عديدين.
وقد اشتهر بحبه للعلم وثقته به إلى أبعد الحدود، وفي ذلك الوقت كان العلم في أوروبا قد حقق خطوات عملاقة إلى الأمام، ولهذا السبب تغلّب على الدين المسيحي في صيغته الكهنوتية القديمة، وأخذ الناس يعلّقون عليه الآمال وينصرفون عن الدين شيئاً فشيئاً، أخذوا يعتقدون بأن العلم هو الذي سيحقق لهم الحياة الرغيدة على هذه الأرض، ضمن هذه الظروف بالذات، أصدر رينان كتابه الشهير: مستقبل العلم، ولكن هل كان رينان مضاداً للدين إلى الحد الذي نتصوره؟
على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: لا.. في الواقع ان علاقته بالدين كانت معقدة، فمن جهة كان ينتقده لأنه مليء بالخرافات والأوهام، ومن جهة أخرى كان يعترف بأهميته كعامل قوي لتوحيد الشعب، وبالتالي فمن الخطر أن ندير ظهرنا له بشكل متسرع أو قبل الأوان.
وقد لخص موقفه من الدين بعبارة شهيرة واردة في كتابه: مستقبل العلم. تقول هذه العبارة ما يلي: عندما أكون في المدينة فإني أسخر من أولئك الذين يذهبون إلى الكنيسة لحضور القداس. وعندما أكون في الريف فإني أسخر من أولئك الذين لا يذهبون!
وهذا يعني أن العلم والتقدم الصناعي حلا محل الدين في المدن، ولكنهما لم يحلا محله في الأرياف، لأنهما لم يصلا إليها بعد.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ومعلوم أن رينان انضم فوراً إلى نظرية داروين عن التطور والاصطفاء الطبيعي، وهي النظرية التي أثارت مناقشات حامية في أوروبا بين أنصار الدين وأنصار العلم. فالأولون اعتبروها كافرة، زنديقة، إلحادية لأنها تشكك في صحة الكتب المقدسة وروايتها عن أصل الكون ومنشأ الحياة على هذه الأرض.
وأما الآخرون فقد اعتبروها علمية وعقلانية مقنعة. فالإنسان، بيولوجياً، هو جنس حيواني مثله في ذلك مثل بقية الكائنات الحية، لأنه يأكل ويشرب ويتناسل.. ولا يختلف عنها إلا في العقل الذي زوده الله إياه. وبالتالي فيمكن أن ندرس الإنسان دراسة تشريحية ونكتشف أوجه التشابه في الوظائف العضوية بينه وبين الحيوان.
ولكن الإنسان أسمى من كل الكائنات لأنه مزود بالعقل من قِبل الخالق. ولكن على الرغم من إيمانه بالعلم إلا ان رينان كان يبدو أحيانا قلقاً على مستقبل البشرية. فكان يخشى ان تنقرض بسبب انعدام رطوبة القلب أو كرمه، تماماً مثلما تموت الصناعة بسبب نفاد الفحم المستخرج من باطن الأرض واستخدامه كوقود لها.
هذا تشبيه جميل في الواقع. فالحضارة الغربية وصلت إلى مرحلة من التقدم التكنولوجي لا مثيل لها في التاريخ. ولكنها في ذات الوقت ستشهد جفاف القلب وتصحر العواطف وتشيّؤ النزعة الإنسانية وبالتالي فإن نبوءة رينان تحققت جزئياً فيما بعد. ثم حصلت المناظرة الشهيرة بعدئذ بين رينان وجمال الدين الافغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم او تعارضه. ومعلوم ان رينان كان قد أكد التعارض لا التوافق، فرد عليه جمال الدين الأفغاني قائلاً بأن الإسلام لا يتعارض مع روح العلم على الإطلاق.
على العكس لقد شجع الإسلام على طلب العلم ولو في الصين! واكبر دليل على ذلك هو ان العلوم الفلكية والطبية والتجريبية ازدهرت في ارض الإسلام إبان العصر الذهبي. وبالتالي فالحق ليس على الإسلام وإنما على المسلمين. فبعد دخولهم في عصر الانحطاط احتقروا العلم والعقل وتعلقوا بالخرافات والأوهام والتعصب الأعمى، وكانت النتيجة ان تأخروا وتقدم غيرهم.
اما المسيحية التي كانت معادية للعلم في العصور الوسطى فقد أصبحت محبذة له في العصور الحديثة. وهكذا حصل تطور معاكس للأمور هنا أو هناك. وبالتالي فلا ينبغي ان نطلق أحكاما عنصرية أو طائفية من نوع: الإسلام ضد العلم، العرب ضد الفلسفة، أو العرق الأوروبي هو وحده الذي يحبذ العلم والعقل الخ. هذه أحكام مسبقة لا أساس لها من الصحة.
في الواقع ان أطروحات رينان عن الإسلام والمسلمين والشرقيين والساميين عموماً ظهرت في فترة محبذة لانتشار الأفكار العرقية والعنصرية، ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت أوروبا متفوقة على جميع القارات والشعوب .. وكان التفاوت بينها وبين العالم الإسلامي واضحاً جدا. ولذلك اعتقد الكثيرون ان الأوروبيين من جنس وبقية شعوب العالم من جنس آخر. وقالوا بأن العلم والصناعة والتقدم أشياء خاصة بالأعراق الحضارية فقط: أي العرق الآري الأوروبي بالدرجة الأولى.
ضمن هذا الإطار ينبغي ان نموضع أطروحات ارنست رينان لكي نفهمها على حقيقتها، وحتى ماركس سقط في نوع من العنصرية عندما اعتقد بتفوق العرق الأوروبي على العرق الآسيوي أو الشرقي. ولكن هذا لا ينفي عظمة رينان بالطبع، فالرجل تميز بأبحاثه التاريخية والعقلانية الشديدة المفيدة في وقتها. لقد درس العقائد الدينية، وبخاصة المسيحية واليهودية، من وجهة نظر تاريخية محضة. ومعلوم أن الدراسة التبجيلية او التقليدية كانت هي السائدة في عصره.
وبالتالي فقد ساهم في تنوير عقول الناس في زمنه ودعاهم إلى التفريق بين إيمانهم العقائدي من جهة وبين المنهجية العلمية من جهة أخرى. وقال لهم لكي تفهموا دينكم بشكل صحيح، أي عقلاني وتاريخي، ينبغي ان تنسوا ايمانكم العقائدي المطلق ولو للحظة وبعدئذ تتوصلون إلى إيمان عقلاني أفضل منه بكثير.
الكتاب: إرنست رينان
تأليف: ج. م. روبرتسون
الناشر: كيسنغر بوبليشنغ - نيويورك 2005
الصفحات: 136 صفحة من القطع المتوسط
ERNEST RENAN
J. M. ROBERTSIN
KESSINGER PUBLISHING NEW YORK 2005
P. 136
