مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والناقد إدوين ويليامسون المختص بأدب أميركا اللاتينية عموماً وبكتابات لويس بورخيس خصوصاً. وهو هنا يقدم سيرة حياة هذا الكاتب الفذ الذي لم تنجب الأرجنتين مثيلاً له حتى الآن. فهو ذو شهرة عالمية تتجاوز حدود بلاده الأصلية، بل وتتجاوز حدود أميركا اللاتينية لكي تصل إلى أوروبا وبقية أنحاء العالم. فمن هو هذا الكاتب الكبير يا ترى؟ ولد جورج «خورخي» لويس بورخيس في عاصمة الأرجنتين بوينس أيريس عام 1899،

وذلك في بيت جده الواقع وسط المدينة. وكان ينتمي إلى عائلة برجوازية موسرة. وقد تعلم الإنجليزية منذ نعومة أظفاره وكأنها لغته الأم، وذلك بالإضافة إلى الإسبانية بالطبع، لغته الأصلية. كما وتعلم الفرنسية لاحقاً لأنه عاش في سويسرا ونال فيها شهادة البكالوريا عام 1918. ومعلوم أن والده نقل العائلة كلها إلى أوروبا، وبالتحديد إلى جنيف، بين عامي 1915 ـ 1921. وهناك اكتشف لأول مرة أنه سيصبح كاتباً ولا شيء آخر. هناك استشعر «جرثومة» الكتابة في أعماقه.

وراح بورخيس ينصهر بالأدب حتى أصبحا شيئاً واحداً. وكان يتخيل الجنَّة على هيئة مكتبة كبرى تحفل بشتى أنواع الكتب من جحيم دانتي، إلى المتصوفين العرب، إلى ألف ليلة وليلة، إلى فيرجيل، وهوميروس، وسيرفانتس، وكولريدج، والرواية البوليسية، إلخ. ثم يردف المؤلف قائلاً: هناك حادث أساسي في حياة بورخيس هو التالي: لقد سقط على الأرض من مكان مرتفع، وسبَّب له هذا السقوط اعتلالاً صحياً أدى إلى فقدانه الرؤية بشكل تدريجي، وعلى هذا النحو أصبح أعمى.

ولنا ان نتخيل فداحة ذلك بالنسبة لشخص لا يحب في الحياة شيئاً أكثر من القراءة ومطالعة الكتب! هكذا إذن أصبح شبه أعمى بدءاً من الأربعين من عمره، ومع ذلك فقد أصبح أحد أشهر الكتاب في عصره، وانطبقت عليه تلك العبارة التي تقول: كل ذي عاهة جبار!

بين عامي 1918ـ 1919 أمضت أسرته الوقت في ايطاليا

وهناك راح بورخيس الشاب (عشرون سنة) يكتب القصائد بالانجليزية والفرنسية ويدرس اللغة الألمانية ويقرأ الشاعر هاينه، وشكسبير، ونيتشه، والكتاب والفنانين الذي ينتمون إلى تيار الانطباعية الألمانية. وفي عام 1920 اطلع على أشعار والت وايتمان لأول مرة، وقد ظل معجباً بهذا الشاعر الأميركي الكبير حتى نهاية حياته.

وفي تلك الفترة اكتشف اسبانيا لأول مرة وتجول في جنباتها طويلاً وزار المدينة الساحرة برشلونة، من جملة مناطق أخرى. ومعلوم ان اسبانيا هي الوطن الأم بالنسبة لسكان الأرجنتين لأنها استعمرتهم طويلاً وأورتهم لغتها وثقافتها. وفي مدريد تعرف بورخيس على كاتب يدعى رافائيل كانسيوس وأعجب به جداً واتخذه معلماً وأستاذا ومعلوم أن هذا الكاتب كان مولعاً بالأدب إلى درجة مذهلة ولم يكن يعيش إلا من أجل الكتابة والأدب.

وكانت له مكتبة ضخمة في بيته حيث تتكدس الكتب فوق بعضها البعض حتى تملأ الجدران وتصل إلى السقف، وكان مترجماً ممتازاً للروائع العالمية كألف ليلة وليلة مثلاً. ثم عاد بورخيس إلى الوطن، والى العاصمة بوينس ايريس، عام 1921 لكي ينشر إعماله الأولى على نفقة والده الذي كان مولعاً بالأدب أيضا. وفي عام 1924 يعود إلى أوروبا لكي يكتشف باريس هذه المرة، ولندن، واشبيلية، الخ، وفي عام 1925 نشر مجموعة شعرية بعنوان: القمر في الواجهة، ولكنه تنكر لها فيما بعد باعتبار أنها رديئة.

ثم انخرط بورخيس أكثر فأكثر في الحياة الأدبية للأرجنتين وأميركا اللاتينية كلها. وأصبح عضواً في أهم المجلات الثقافية، وراح ينشر الإشعار والكتب النقدية والترجمات على التوالي، وقد ترجم بعض أعمال كافكا، وفولكنر، والشاعر الفرنسي هنري ميشو، وآخرين إلى اللغة الاسبانية.

ولكن بعد ان أصيب بالعمى، أو قل ساء نظره كثيراً، أصبح يعتمد على أمه وأصدقائه لكي يقرأوا له الكتب التي يريدها، أو لكي يكتبوا ما يميله عليهم وقد كان صعباً ان يصاب شاب في منتصف العمر بالعمى! نقول ذلك وبخاصة انه أديب وكاتب ويعتمد بالتالي على عينيه بالدرجة الأولى فلو انه أصيب بالطرش لكان أفضل ولهانت المصيبة. اما العمى؟

وفي عام 1946 استقال من منصبه الرفيع في المكتبة الوطنية الأرجنتينية احتجاجا على ديكتاتورية «بيرون» ثم أصبح رئيسا لرابطة الكتاب الأرجنتينيين لمدة ثلاث سنوات، وكانت معارضة لنظام بيرون، وفي أثناء ذلك لم يتوقف عن الكتابة والنشر. وفي عام 1955 ابتسم له الحظ وسقط بيرون فعينته الحكومة الجديدة مديراً للمكتبة الوطنية وهو منصب رفيع لا يقل عن منصب وزير تقريباً. وعندئذ ابتدأ يصبح أعمى بالفعل وحرم من متعة القراءة والكتابة ولكنه بدلاً من أن يستسلم لهذا المرض راح ينكره ويقلل من أهميته.

وقال هذه الابيات الرائعة: «لا احد يذرف دمعة او يحتج على إرادة الله الذي وهبني الكتب والعمى في آن معاً.. ويا له من تناقض رائع!». وبالتالي فقد قبل بورخيس قضاء الله وقدره بكل طيبة خاطر. وفي عام 1956 أصبح أستاذاً للأدب الانكليزي في جامعة بوينس ايريس على الرغم من عماه وكان يحفظ دروسه عن ظهر قلب ثم يمليها على الطلاب.

وفي عام 1961 نال جائزة أدبية كبيرة بالاشتراك مع صموئيل بيكيت. ثم منحته الحكومة الايطالية وسام الشرف الأعلى تقديراً لأعماله الأدبية والفكرية وبعدئذ سافر مع أمه الى الولايات المتحدة حيث عاش حتى عام 1962 وهناك ألقى محاضرات عديدة في جامعة تكساس. ثم عاد عام 1962 الى بوينس ايريس حيث أشرف من هناك على طباعة مزدوجة لكتبه في فرنسا والولايات المتحدة ثم منحته فرنسا وساماً رفيعاً بناء على اقتراح من صديقه وزير الثقافة: أندريه مالرو.

وفي نفس العام قام بجولة في أوروبا، حيث زار انكلترا، وسويسرا، والسويد، واسبانيا، وفرنسا.. وكانت أمه ترافقه باستمرار ومعلوم أن علاقته بها كانت أكثر من قوية على مدار حياته: أي حتى ماتت كانت ضرورية لوجوده، لإبداعه. وعلى الرغم من انه أصبح يشعر بالضعف أكثر فأكثر إلا انه كان يستقبل المثقفين مطولاً في كل بلد يمر فيه وكان يدلي بمقابلات عديدة للصحفيين ويقرأ أمامهم أشعاره.

وفي عام 1969 أجرى معه الصحافي الفرنسي «أندريه كامب» مقابلة مطولة عبر فيها عن أفكاره الفلسفية والوجودية.

وقد طرح عليه منذ البداية هذا السؤال: هل تؤمن بالتقدم؟ فأجابه: لقد عشت طويلاً إلى درجة أني اعرف ان هناك تقدماً في تاريخ البشرية. ففي الماضي كان الناس متوحشين أكثر وكانوا يقدمون أعمالهم الإجرامية من دون أي تبرير أو تأنيب ضمير.

أما اليوم فإن قسماً كبيراً من البشرية دخل في الحضارة. وحتى لو بقي هناك أناس سيئون فإنهم يحاولون دائماً تجدد أعمالهم الشريرة اذا ما اقترفوها. في السابق ما كانوا يشعرون بالحاجة إلى هذا التبرير. هنا يكمن الفرق بين الماضي والحاضر وهذا يشكل بحد ذاته تقدماً للبشرية.

يضاف إلى ذلك التقدم العلمي والطبي والتكنولوجي الذي لا يمكن لأحد ان ينكره أو يستهين به. ثم يقول بورخيس إن الفلسفة اليونانية والعقيدة التوحيدية هما اللتان أثرتا على البشرية من غيرهما. بمعنى آخر فان سقراط والمسيح هما أستاذا الغرب على الأقل. ولكن لا ينكر أهمية ما جاء بعدهما وبخاصة التنوير، فالثورة الفرنسية، فالثورة الأميركية، فإعلان حقوق الإنسان والمواطن، فبلورة النظام الديمقراطي الحديث. كل هذه الأشياء تشكل منارات في تاريخ الشعوب. وينبغي على الآخرين ان يتبنُّوا النظام الديمقراطي لكي تتمتع به شعوبهم مثلما تمتعت به شعوب أوروبا المتقدمة.

وبالتالي فهناك تقدم في التاريخ من دون شك، هناك تقدم إلى الأمام، وإلا استوى الجاهل بالعالم، أو التخلف بالتقدم، أو الهمجي بالحضاري. ثم يضيف بورخيس قائلاً بان الأدب الخيالي أو الاسطوري اكثر واقعية من الأدب الواقعي. لماذا؟ لان الادب الواقعي مرتبط بالواقع، أو بالظرف، أو باللحظة، هذا في حين ان الأدب الأسطوري يعلو على كل الظروف واللحظات ويخترق العصور.

لنضرب على ذلك مثلاً سيرفانتس وروايته دونكيشوت. سيرفانتس الذي كتب الرواية مات وانتهى ولم يعد يهمنا أمره. وأما بطل روايته، دونكيشوت، فلا يزال يسحرنا حتى هذه اللحظة. وبالتالي فهو أكثر واقعية من مؤلفه! انه شخص يعيش معنا يومياً، بيننا..

في عام 1970 رشح بورخيس لجائزة نوبل ولكنه فشل في نيلها لأنهم منحوها إلى سولجنستين. وبعدئذ نال شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة كولومبيا بنيويورك، ومن جامعة اوكسفورد ايضاً.

وفي عام 1973 منحته بلدية بونيس أيريس لقب: أشهر مواطن في الارجنتين! ثم قام بجولة في شتى أنحاء العالم لإلقاء المحاضرات في أميركا، واسبانيا، واليابان، الخ. وكان يقول: على الرغم من أني أعمى ولا أرى البلاد التي أزورها إلا أني أحس بها واشعر بالمتعة أثناء السفر اما اذا بقيت في بوينس ايريس فاني أملّ وأضجر. ثم أن الرحلات تؤمّن لي مشاعر جديدة لم أكن أعرفها سابقاً. وهذه المشاعر أستخدمها في كتاباتي، إنها تلهمني.

وفي عام 1975 ماتت أمه عن عمر يناهز التاسعة والتسعين! وكانت رفيقة دربه وأقرب المقربين إليه. والواقع إنها كانت في حالة احتضار طيلة ثلاث وعشرين سنة قبل أن تموت. ثم سافر إلى الولايات المتحدة لتلقي جائزة كبيرة. وألقى خطاباً قال فيه: أشكركم على هذا الخطأ الكبير الذي ارتكبتموه بمنحي هذه الجائزة!

ثم نال بورخيس شهادات الدكتوراه الفخرية من شتى جامعات العالم كالسوربون، ومدريد، وطوكيو، وسواها.. وكرَّمه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران عام 1983 في حفل مهيب. ومنحه وسام الشرف الفرنسي من الدرجة الأولى. وفي عام 1983 نشر قصة قصيرة يعلن فيها انه سينتحر في يوم كذا ولما مرّ اليوم المذكور دون أن ينتحر سألته الصحافة عن ذلك فأجاب:

في الواقع اني منذ أربع وثمانين عاماً، أي طيلة حياتي، وأنا لا أنفك انتحر كل يوم.. ومن يضمن لكم اني لم انتحر حتى الآن؟ فربما كان بورخيس الذي تشاهدونه الآن ليس هو بورخيس الحقيقي.. ربما كان بورخيس السابق قد مات منذ زمن طويل..

هذه هي لمحات من حياة بورخيس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس طيلة أكثر من نصف قرن.

الكتاب: قصة حياة بورخيس

الناشر: فايكنغ بوكس ـ لندن 2005

الصفحات: 574 صفحة من القطع المتوسط

Borges: a life

Edwin Williamson

Viking books - London 2005

P. 574