تواصل الروائية «جانيت ونترسون» رحلتها الإبداعية بنشرها رواية جديدة بعنوان «ثقل» عن دار كانونغيت للنشر. والتي تقول عنها بأنها لا تزال مشروعاً متمسكاً بجوهره التجريبي على الرغم مما يوجه إليها من اتهامات بوصفها نوع من الوعي الذاتي الذي يحول دون القدرة على التواصل مع الواقع.
بعيداً عن تلك الاتهامات فإن ما تسعى إليه ونترسون في روايتها الجديدة هو التعرف إلى ما يمكن الحصول عليه من دقة وكثافة يمكن توظيفها في بنية روائية واسعة. إلا ان ونترسون تنجح على الرغم من ذلك في ما يمكن أن تسميه المزج بين عناصر الوعي الذاتي وعناصر أخرى ملحة بالنسبة للكتابة الروائية كاللغة والموروث الثقافي. في الفترة التي تلت منتصف التسعينيات قيل أن ونترسون فقدت لغتها القوية المنسابة،
كما فقدت روايتها تلك الأهمية التي تمتعت بها في روايات مثل «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» و«الرغبة» و«تجنيس الكرز» بسبب تقديمها صورة للوعي الذاتي مقابل التفريط في بعدها الإبداعي إلى جانب تجسيدها فكرة الفن من أجل الفن. ونترسون تعود في روايتها الصادرة حديثاً لتجدد تلك البدايات المعبرة بالفعل عما يمكن تسميته مشروع الكتابة الجديدة في الرواية البريطانية بإضافة بعد جديد هو الأسطورة. في حوارها مع محررة «الغارديان» الثقافية تكشف النقاب عن اثنين من المؤثرات التي تحتل الموقع الأهم في وظيفتها كروائية. أحد هذه المؤثرات هو الحداثة.
في حين أن الآخر هو الموروث الثقافي، الديني على وجه الخصوص. وهي تجربة لا تزال تختمر في ذهنها منذ الصغر كما أنها ما تزال مثلما يبدو الشيء الذي تتحدد علاقتها به على نحو شديد الوضوح «الواقع أنني أكن احتراماً خاصاً للموروث، على الرغم من ميلي إلى تخريبه أحياناً، إلا أن هذه العلاقة ليست علاقة وجدانية، كما أنها لا تمضي في خط مستقيم».
في هذه الرواية، لا تتعامل جانيت ونترسون مع الجزئية المعنية بالأسطورة في هذا الموروث، بمفردها فقط حين تعيد كتابتها بإعادة العمل على أسطورة أطلس وهرقل على نحو مفعم بالحيوية والانسيابية ولكنها تتكئ أيضاً على لغة شعرية استثنائية للمرة الأولى وهو ما قد يراه القارئ قريباً من لغة تي. إس. إليوت. والمرة الأولى التي تتجاوز فيها لغة ونترسون حدودها المعتادة لتتمخض عن صيغة منسجمة إلى حد بعيد مع تطلعات القارئ «المعاصر» على وجه التحديد الذي تستعير لغته العادية المبتذلة.
الرواية التي تستند إليها ونترسون شديدة البساطة، لا تكاد تتجاوز حجم الحكاية العادية. وفيها يسعى هرقل إلى استرجاع التفاحات الذهبية. ثم يقدم هرقل العملاق الجبار عرضاً يقضي بإيقاف الكون عن الحركة بينما يبحث أطلس عن الفاكهة.
على الرغم من أن أطلس يفعل ذلك من أجل المقايضة بحريته، إلا أنه ما أن يعلن العثور على التفاحات حتى يطلب منه هرقل أن يرفع السماء عن كتفيه لكي يضع عليها لبادة كما يزعم، وهنا يقع في الفخ الذي ينصبه له بمجرد أن يحمل السماء على كتفيه لكي يظل حبيس مكانه تحت الكوكب الضخم.
لكي تتمكن من توصيل حكاية كل من أطلس وهرقل، تسعى ونترسون إلى الاستفادة من فكرة الأزلية التي تجسدها الأسطورة. وبالنسبة لها، فإن اللعبة الإبداعية ربما بدت أكثر اكتمالاً باستخدامها اللغة الإنجليزية الحديثة. حيث يصادف القارئ كلاً من أطلس وهرقل وهما يناديان أحدهما الآخر بمفردات وعبارات يومية مبتذلة.
على الرغم من ذلك تظهر ونترسون في وصفها نوعاً من الالتزام بالدقة مجاهدة طموحها إلى تجاوز ذلك في بعض الأحيان، حيث يأتي وصفها سهلاً للغاية كما في هذا التشبيه الحي «بعد فترة من النقاش تم الاتفاق على أن يقوم هرقل بالانزلاق على ظهر أطلس، كما يفعل الحلزون، ثم يجر العالم بعد ذلك لكي يضعه على كتفيه». غير أنها لا تتردد في مشاهد أخرى عن السعي إلى اختراع ما يمكن تسميته مواقف أسطورية تضيف إليها نكهة معاصرة، كما في وصفها لهرقل أثناء إيقافه العالم عن الحركة تقول «كان يشعر بالخوف أكثر من أي وقت مضى، كان باستطاعته أن يقبل بأي تحد باستثناء تحديه اللا تحدي نفسه. فهو يعرف جيداً ما يحدث له أثناء المواجهة».
بينما يبلغ وصف ونترسون حداً من الروعة والاستثنائية عندما يصل إلى التاريخ. حين تلجأ إلى تلك اللغة المجازية، كما في وصفها للكيفية التي تقوم بواسطتها الإلهة بحرق أطلس والعالم للمرة الأولى، هنا تنساب المفردات بهذا الشكل « فرق من الخيول والثيران بدأت بشده إلى الأمام، مجرجرة الكون وراءها كما لو أنه محراث يجرف الثلوج.
وبينما كانت الكرة الضخمة تتلاشى، إلى ما لا نهاية، كانت جزئيات من الزمان تزاح من أماكنها، بعضها كان يهوي على الأرض، مانحاً إياها نعمة النبؤة وحاسة البصيرة للمرة الثانية. وبعضها الآخر كان يقذف به إلى الخارج ليسقط في قلب السماء، مخلفاً ثقوباً سوداء لا يمكن من خلالها التمييز بين الماضي والمستقبل».
في هذه الفقرات وغيرها تنجح ونترسون في صياغة نوع من الاستمرارية التي تربط على نحو استثنائي بين كل من الأزمنة المحورية والزمن الحاضر. أما نحن فنستمتع بالإبحار في عوالم أسطورية عبر هذه القصص القديمة في الوقت الذي لا نخرج فيه من إطار واقعنا الذي نعيش فيه، كما تنجح المؤلفة كذلك في إضفاء نوع من الأسطورية على بعض أوجه الغموض التي تعتري حياتنا المعاصرة.
كما أن الأسطورة جهد إنساني يرمي إلى فهم الطبيعة وفهم الكون وتحديد ظواهره.
وكذلك فإن بعض ما تفعله ونترسون هو الاستفادة من علم كالفلسفة بتحويل بعض حقائقه إلى أشياء أسطورية، بإعادة صياغتها لكي تقدم لنا بذلك مزيجاً من الصور الجمالية الرائعة. وحسب ما تنص عليه فلسفة الخلود، فإن أساس التفكير الأسطوري قائم على فكرة أن العالم هو السماوات المؤلفة من عوالم تأخذ في التضاؤل حتى تصل إلى حجم الإنسان نفسه، أصغر هذه العوالم.
وكما أن بعضها موجود في الأعلى فإن بعضها الآخر موجود في الطبقة السفلية. وفي حين يقدم العلم هذه الصور الجامدة وتتفنن مخيلة الشعراء بدءاً بتيد هيوز وحتى جين هيرشفيلد في رسم صور جمالية مستوحاة من هذه التفسيرات، يحلق بنا طموح ونترسون الروائي في اتجاه أبعد ما يكون عن هذه التعليقات البسيطة.
إن أول ما قرأته ونترسون هو الكتاب المقدس، تماماً كما هي البدايات التقليدية لغيرها من الكتاب الغربيين من مرحلة ما قبل القرن العشرين. تقول عن تلك البدايات «كان أول نص قرأته في حياتي الأرضية التي انطلقت منها إلى كل ما حدث لي بعد ذلك».
وعلى الرغم من أن الأسطورة الأشهر بالنسبة لها هي أسطورتها الذاتية، تبنيها من قبل إحدى العائلات البروتستانتية المنتمية إلى الطبقة الكادحة وتربيتها القاسية ثم فرارها من منزل عائلتها واشتغالها على موهبتها الذاتية.
إلا أن تلك الكتب القليلة التي عثرت عليها في منزل أسرتها وهي الإنجيل وسلسلة الكتب الدينية الأخرى كانت مثلما يبدو كافية لإشعال جذوة الكتابة لديها. وهي تعترف بأن جذور الكتابة لديها هي كالتالي: الأولى دينية تتقرر بموجبها أهمية الحكاية الأسطورية المأخوذة من الكتاب المقدس وباعترافها فهي تعمد إلى إدخال الكثير من التعديلات كما في روايتها الأخيرة لاسيما في الجوانب المتعلقة باللغة.
الثانية تاريخية وهي تبرر لديها أهمية الأساطير الكبرى مثل أسطورة هرقل وأطلس التي تعيد سردها بلغة استثنائية معاصرة وغير معاصرة. والثالثة هي ما تحتوي عليه هذه الأساطير من رمزية أخلاقية وفلسفية وتاريخية.
غير أن ما يؤلف في النهاية هو الوعي بكل هذه الأشياء على نحو لا يدع مجالاً للشك في أن ونترسون على الرغم من خروجها الواضح وتجاوزها حدود العمل الروائي سعياً إلى تحقيق المتعة الفنية من خلال تقنيات إبداعية مفرطة في الشاعرية، إلا أنها تؤكد مبدأ الفن والفضيلة الفكرية مقابل الإحساس الفني المفقود.
ضجة مدوية
أريد أن أسرد الحكاية مرة أخرى.
إن الرجل الحر لا يفكر في الهرب.
في البداية لم يكن هنالك شيء. لم يكن هنالك حتى مكان أو زمان. كان بمقدورك حتى أن تقذف إليّ بالكون لكي أتلقفه بيد واحدة. لم يكن هنالك كون. كان الصمود سهلاً.غير أن هذا اللاشيء السعيد انتهى قبل خمسة عشر دهراً. لقد كان ذلك زمناً غريباً، أما ما أعرفه عنه فقد بلغت به بواسطة الهمس الإشعاعي؛ كان ذلك كل ما تبقى من الصرخة الشهيرة التي اخترقت قلب السكون.
ما الذي تحتويه بداخلك. الموتى. الزمان. الأشكال الضوئية التي ترمز للذكرى الألفية التي تفتتح في أحشائك. إن كل دقيقة، في كل ذرة منك، تعادل بضعة ملايين من ذرات البوتاسيوم المستسلمة للإضمحلال الإشعاعي. إن مصدر الطاقة الذي يزود هذه الأحداث الذرية الدقيقة بالقوة قد جرى حبسه في ذرات من البوتاسيوم منذ أن فجرت قنبلة بحجم النجمة اللا شيء في هذا الوجود، إن البوتاسيوم،
مثل اليورانيوم والراديوم، كلها نفايات نووية إشعاعية معمرة تمخضت عنها الضجة المدوية التي أحدثها النجم العملاق الذي يتعاظم ضياؤه فجأة ثم يخبو في بضع شهور، إنها تلك الضجة التي تفسر وجودك.
لقد كانت أمك الأولى نجمة.
مقتطف من رواية «ثقل»
الكتاب: ثقل
الناشر: دار كانونغيت ـ نيويورك 2005
الصفحات: 192 صفحة من القطع الكبير
Weight
Jeanette Winterson
Canongate - N.Y 2005
P. 192
