يمثل هذا الكتاب، على صغر حجمه، إضافة جديدة لإهتمام صاحبها أحمد محمد عبيد بلهجات الإمارات ويعتبر مدخلاً واسعاً لدراسة شاملة هذه القضية التي ينبغي أن تشغل حيزاً كبيراً من إهتمام الدارسين بالقضايا المحلية المتعلقة بالدولة وهو ما يعبر المؤلف عن أمله في تحقيقه من خلال توسيع نطاق دراساته التي ضمنها فيه ليكون كل منها مدخلا لدراسة مستقلة. ويضم الكتاب أربع دراسات يأتي على رأسها تلك التي تدور حول معاني أسماء الإمارات السبع.
وفي تأكيده على الأهمية التي يمثلها الخوض في غمار هذه القضية يشير أحمد محمد عبيد الى أن علم تأصيل المفردات يعد من فروع علوم اللغة وقد تفرعت عنه شعبة تبحث في أصول أسماء الأعلام من أشخاص وجبال وأماكن وقبائل ونباتات وحيوانات وأحد مجالاتها البحث في أصول أسماء الأماكن.
وعلى ذلك يشير الى أن الإمارات من الدول التي تحظى بشيء من الإهتمام في هذا الصدد لكثرة الأماكن على مساحتها المترامية الأطراف التي قد تصل الى عشرات الألوف من أسماء المواضع شاملة المدن والقرى والجبال والوديان والتلال بمختلف أنواعها والمواضع البحرية وغير ذلك مما أمكن تسجيله أو مما لم يدون بعد. وحسبما يشير المؤلف فإن الإسم يرجع عادة الى أصل لغوي عربي قد يكون معلوماً لنا
وقد يكون مجهولاً خفي أصله أوسبب التسمية به وقد نجد له بعضاً من تفسير إذا رجعنا الى ما لدينا من ذخيرة الإشتقاق والتفسير المعجمي وقد لا نجد أحيانا ما يعيننا على التفسير فيبقى ما نقوله تأويلاً من ضرب الأخماس في الأسداس. ويتطرق المؤلف في الكتاب في بحث موسع الى مفردات طبيعة الأرض في لهجة الإمارات وضمنه الكثير من الألفاظ الدالة على الأرض المستوية والمرتفعات والمنخفضات والرمال والطرق والعيون والآبار والجبال والصخور. وفي سياق تناوله يشير المؤلف الى أهمية أن تكون مدن الإمارات الرئيسية أو الإمارات السبع بالخصوص مدخلاً لمثل هذه الدراسة، ويوضح أنه لم ترد تفسيرات أو ذكر للإمارات السبع في المصادر القديمة عدا الفجيرة.
وفي حديثه عن أصل اسم أبوظبي يشير الى أنها تتكون من مقطعين الأول أبو بمعنى ذو والآخر ظبي من الظبي وهو الغزال أي أنها ذو ظبي أو ذات الظبي، وهذا الإسم له علاقة بالظبي من قريب أو بعيد سواء أسمي على الظبي تشبيهاً أم واقعاً وحقيقة وفي جزيرة العرب هناك أماكن قريبة الشبه بهذا الموضع مثل ظبي وقرن ظبي وذات ظبية. وحسب المؤلف فإنه لم يصل الينا الإسم القديم في كتب الجغرافيا العربية وإن كان ذات ظبية أقرب الى التعليل العلمي لورود ذات بها لكن الوارد الينا ابوظبي مما يرجع تذكير الإسم وليس تأنيثه . مشيراً الى استعمال أبو محل ذو ومن ذلك مثلا أم النار التي يشير الجغرافيون الى موضوع شبيه بها إسماً هو «ذو النار».
في حديثه عن أصل كلمة دبي يشير الى أحد التفسيرات وإن كان يبدي عدم اقتناعه به تاركاً حسم الأمر للمزيد من الدراسات فالبعض يتأول لها إسما ربما ظنوه ذا أصل فارسي هو «دوباي» ودو تعني إثنين بالفارسية أما باي في الساحل أو البر أي الساحلان أو البران ـ ديرة ودبي. ووفقاً له فإن الأخذ بذلك يعني التسليم بأن دبي أسسها مجموعة من الفرس وهو الأمر الذي لم يثبت تاريخيا لأنها مدينة عرفت بالسكان العرب منذ أن نشأت.
ويشير الى أن دبي كان يطلق عليها أسماء أخرى عديدة مثل الوصل أو بعض مناطقها، لكن هناك أصلاً عربياً الذي ربما نجد له مماثلا في مكان ما من جزيرة العرب فدبي، وفق الدراسة تصغير دبا/ دبي وهو صغار الجراد قبل أن يطير وفي الأمثال جاءوا بدبا دبي أو جاءوا بدبا دبي أي جاءوا بجمع عظيم مثل الجراد الموجود في دبي لكثرته، ودبي كما قال أهل اللغة موضع لين بالدهناء يألفه الجراد ولعل المقصود بها هذا الموضع أو غيره لكن موضعه الصحيح قد خفي على الرواة قديما فلم يحددوا مكانه بدقة. ويخلص الى ان الشاهد هو عروبة الإسم.
أما الشارقة فلم يجد المؤلف لها حضوراً في كتب البلدان كما ان المعاني التي يمكن تفسير اشتقاق الاسم من خلالها لا تعطينا جواباً أكيداً وإن كان المعنى العام يدل على عروبته. أما الأحياء المعروفة في الشارقة فهي دالة على أسماء عربية مثل الخان الذي ربما يدل على أن في مكانه فندقا كان يؤوي القادمين الى المدينة عن طريق البحر أو الذين يفدون اليها من أصحاب القوافل.
ويرجح أن يكون اسم الشارقة من أحد المعاني التالية فهو إما أن تكون إسم فاعل من الفعل الثلاثي شرق بدلاً من الفعل الرباعي أشرق للدلالة على الشروق فقالوا الشارقة بدلا من المشرقة، كما أن الشارق هو الجانب الشرقي من المكان. وحسبما يذكر المؤلف فقد تكون الشارقة اسماً لصنم كان في الجاهلية وتسموا به «عبد الشارق» وله تأنيث هو الشارقة، مشيراً الى أنه مما قد يرجح ذلك أن هناك مواضع ما زالت مشتقة الاسم من اسماء الأصنام مثل خت التي يذكر سكانها أنها تعود الى إسم صنم قديم. وإن كان المؤلف في كل الأحوال يرى أن هذه كلها مجرد تفسيرات لا تجد لها ما يمكن أن يؤكدها.
أما رأس الخيمة فلم يجد المؤلف له ذكر في المصادر القديمة رغم وجود أسماء مناطق قديمة فيه مثل جلفار والخيل ورجام، وعلى ذلك يرجح أن يكون الإسم حديث أو قديم لم يتم التوصل الى أصله بعد.
ويشير الى أن الإسم لم يكن بأل التعريف التي قد تكون أضيفت اليه في مراحل أخرى من النطق به. وبالنسبة للحديث عن عجمان فقد يكون الإسم مشتقاً حسبما يذكر المؤلف من الجذر عجم، وهناك من يذهب الى أنها مشتقة من قبيلة العجمان المعروفة إلا أن السواد الأعظم من سكانها القدامى من قبائل النعيم وما يقرب منها بالإضافة الى قبائل أخرى ليست العجمان منها.
كما أن من معاني الإسم العجمة وهي النخلة التي تنبت من النواة وإن كان لا يوجد في عجمان نخلاً كثيراً يمكن أن يؤدي الى هذا المعنى.
أما أم القيوين فإسم له تفسير حديث وهو أنها تعني أم القوة أو القوتين وربما كان هذا الإسم أقدم قد غابت أصوله. أما الفجيرة فيشير إلى أنه لم يرد لها ذكر في القديم إلا في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي الذي قال الفجيرة بضم أوله تصغير فجرة للواحد من الفجور إسم موضع وإن لم يذكر مكان هذا الموضع. ويرجع المؤلف أن يكون الإشتقاق من تفجر الماء أو السيل وفي اللغة الفجر: تفجيرك الماء، والمفجر الموضع الذي قد ينفجر منه.. وهو التفسير الذي يعتبره هو الصواب باعتبار المنطقة ذات وديان عديدة يكثر تدفقها في الشتاء.
ثم يتعرض المؤلف للنخلة في لهجة الإمارات فيشير إلى أنها حفلت بميراث لغوي كبير. ومن المفردات المرتبطة بمراحل النخلة ونموها وأحجامها: فسيلة، نشو، نقض، صرمة، كعبيرة، سقلوب، كاروب، بكسة، عوانة، قورة. أما أجزاء النخلة فمنها عرق، غفة، ويذع.
الى جانب ذلك يشير المؤلف الى ما تمثله طبيعة الأرض في الإمارات من ذخيرة لغوية واسعة بسبب المساحة الشاسعة للدولة فالأرض المستوية يطلق عليها: براحة.
وهناك لفظ قيعان للأرض التي تمسك الماء وتنبت العشب، ومحضر وهي الواحة، ومسطاح وهي الأرض المنبسطة أو التي لا تنبت ماء ولا شجراً... إلخ. ثم ينتقل الى التعرض الى لهجة أهل دبا، مشيراً الى أن بعض المدن والحواضر تتصف بلهجات خاصة بها تضم في محتواها الفئات السكانية المقيمة فيها وتندرج تحتها لهجات قبائل عديدة ذابت فيها فصارت كلها لهجة واحدة.
وإثراء لحفظ اللهجات بدأ المؤلف في إعداد كتاب حول لهجة دبا في محاولة لإثراء البحث اللغوي الحديث والمساعدة على تأصيل أنساب بعض القبائل بمقارنة ظاهرة لهجات مع ظهور لهجات القبائل العربية القديمة.والكتاب يعبر عن جهد ينبغي تشجيعه وتطويره على أيدى جهات أخرى في محاولة للإحاطة بكل ما يتعلق بتاريخ وطبيعة الأسماء في الإمارات كأحد الجوانب التي تتعلق بالبعد التراثي الذي ينبغي معرفته والحفاظ عليه.
ألفت عبد الله
الكتاب: دراسات في لهجات الإمارات
تأليف: أحمد محمد عبيد
الناشر: المؤلف ـ أبوظبي 2005
الصفحات: 73 صفحة من القطع الصغير
