مؤلف هذا الكتاب هو الإعلامي المصري السابق في باريس، والمختص لاحقا بشؤون الحوار الديني د. علي السمان، والذي يقدم من خلال هذا الكتاب جوانب مهمة من سيرته الذاتية والعامة التي قد تثير وقائعها جدلا واسعا كونها ارتبطت بمحطات سياسية شائكة، في عهدي الرئيسين الراحلين (جمال عبد الناصر، وأنور السادات) حيث لعب السمان أدواراً غاية في الحساسية

وخصوصا على صعيد الاتصالات السرية بالجانب الإسرائيلي، والمنظمات اليهودية الأوروبية، منذ منتصف ستينات القرن المنصرم الثمانينات منه وحتى مطالع وذلك من خلال عمله بالمكتب الاعلامي التابع للسفارة المصرية في باريس فمراسلا بها لحساب وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية إضافة إلى الإذاعة والتليفزيون المصريين لاحقا، ضمن غرب أوروبا وذلك قبل أن يكلفه الرئيس السادات بالجمع بين هذه المهمة بينها وبين مسؤولية إدارة الإعلام الخارجي برئاسة الجمهورية، من موقعه بالعاصمة الفرنسية (باريس)

وذلك طوال الفترة السابقة على حرب أكتوبر 1973 وحتى إبرام السادات اتفاقية السلام الشهيرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ـ آنذاك ـ مناحم بيجين في منتجع (كامب ديفيد) بالولايات المتحدة في العام 1978. ومما يتبين من كتاب (السمان) أن إقباله الشديد منذ وقت مبكر جدا على التعاون مع الشخصيات والتجمعات اليهودية المؤثرة خارج إسرائيل، كانت هي الممهدة لطريق التطبيع والاتصالات السرية فالعلنية ـ فيما بعد ـ بين العرب والإسرائيليين، وهو ما قد يكشف عن جوانب مهمة، ومثيرة لهذا الملف المثير للجدل، ملف العلاقات العربية الإسرائيلية، منذ إنشاء هذا الكيان السياسي إسرائيل في العام 1948، وحتى ��ومنا هذا.

وقد اتخم الكتاب بتفاصيل سيرة المؤلف، والأحداث التي عاركها، أو كان شاهدا عليها، ناهيك عن عشرات الصور والوثائق التي جاء بعضها معززا لما يقوله، بينما أتى بعضها الآخر لما قد يكون تباهيا أو تفاخرا بالذات بشكل أو آخر.

ولهذا جاء كتاب «أوراق عمري من الملك إلى عبد الناصر والسادات» ضخما، من حيث الحجم والتبويب وعدد الصفحات، فامتد إلى خمسمئة وستة وسبعين صفحة، موزعه على خمس وثلاثين فضلاً، عدا المقدمة والخاتمة، وملفات الوثائق والصور وفهارس الإعلام.

ومن اللافت ـ أيضا ـ هو تداخل معلومات أحداث سيرة النشأة الأولى بسيرة الصبا والشباب، بحيث جاء عرض المؤلف لها ـ في بعض الأحيان ـ أقرب إلى الأحاديث الشفاهية، أو الروايات المرسلة فيما يتصل بقضية التسامح الديني، والعلاقة بدوائر الأمن، والموقف من ثورة يولية 1952، وقضية الديمقراطية.

ومع ذلك فقد استطاع المؤلف أن يشد قارئه منذ الصفحات الأولى، فاغرا فاه دهشة، من تلك الغرائبية التي أحاطت بنشأة المؤلف ونهجه، خلال تلك الرحلة الطويلة من حياته، والتي امتدت لأكثر من خمس وسبعين سنة.

إذا يفاجئنا المؤلف، باختياره لمدرسة الأقباط الارثوذكس لاستكمال تعليمه الابتدائي بها، وهو الطفل المسلم، الذي نشأ في بيئة إسلامية محافظة، وأن إصراره على هذا الاختيار أجبر جدته لأمه ـ التي تولت رعايته بعد وفاة كريمتها ـ على تحويله من المدرسة المصرية الحكومية إلى المدرسة القبطية !وكانت النتيجة أن مشاعر (السمان) الطفل، كما يقول (السمان) نفسه من نصيب المدير القبطي للمدرسة بينما كانت المشاعر المضادة من نصيب مدرس الدين الإسلامي على حد ما يذكر المؤلف في الفصل الأول من كتابه.

ويبدو أن المؤلف قد وجد في ما سمعه من زميلي دراسته في جامعة (غرينول) الفرنسية ـ واللذان ينتميان إلى عائلة (السمان) المسيحية ـ تفسيرا للأهواء القديمة لـ (السمان) المسلم، تجاه مواطنيه القبط، وغير القبط ـ بطبيعة الحال ـ ثم اقترانه بسيدة أميركية، مسيحية فيما بعد فمشاركته في إدارة مؤسسة تعني ـ نظريا ـ بالتعاون بين الأديان، في باريس، باسم الأديك بحسب ما يذكر في صفحات أخرى.

وفي إطار هذه النشأة يكشف المؤلف عن انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين ـ في أواخر الأربعينات من القرن المنصرم ـ فانفصاله الغامض عنها، إلا أن علاقته الحسنة بمرشد الجماعة ـ آنذاك ـ حسن الهضيبي استمرت، فيما بعد، كما يقول.

ويتضح سطور الكتاب أن هذه الجمعية كانت الانطلاقة الكبرى لدور السمان السياسي والإعلامي، أو الدعائي ـ إن شئت القول ـ داخل فرنسا، حيث خصص للسمان عملا تحريريا في نشرتها الدورية، إلى جانب انخراطه في أنشطة الجمعية، التي كانت مجالا خصبا للتطبيع العربي مع إسرائيل ـ عبر الشباب ـ منذ وقت مبكر. وهو ما تزامن مع قبول السمان للتناظر مع دبلوماسي إسرائيلي ـ للمرة الأولى بين عربي وإسرائيلي بإحدى قاعات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بباريس،

وتلى ذلك موافقة السمان على التحدث مع جمعية حراب اليهودية، في باريس، حيث دعا السمان، أو نصح ـ كما يقول العرب أفرادا وجماعات بالانخراط في المؤسسات التي تحارب العنصرية ـ مثل حراب بالطبع ـ حتى ولو كان كثيرا من أعضائها من اليهود، وهو ما لقي استحساناً واسعا من جريدة اللوموند الشهيرة، التي فتحت صفحاتها لقلم السمان، فيما بعد.

وبالمقابل يشرح السمان كيف أثمر التفاهم بينه وبين الحكومة المصرية ـ آنذاك ـ عن السماح له بالعمل بشكل غير رسمي في مجال الاستعلامات بالسفارة المصرية بباريس، فموظفاً بمكتبها الإعلامي، ممثلا لوكالة أنباء الشرق الأوسط بفرنسا.

وفي هذا الاتجاه فإن ما يمكن رصده من أنشطة أصحاب أوراق عمري ـ على صعيد التفاهم مع الدوائر اليهودية والإسرائيلية في أوروبا، كما جاءت في صفحات كتابه ـ تتمثل في: الدفع باتجاه التفاهم المصري مع أصدقاء (إسرائيل) العرب والإسرائيليين، قبل عدوان 1967، وإقناع السلطات المصرية

إعادة نشر كتاب لحاخام يهودي، يدعى (ليفينج )، وذلك حول حدود التباين بين اليهودية والصهيونية، على إثر هزيمة 1967، بما يتيح للجامعات اليهودية، في فرنسا وغيرها من البلدان، تبرئة نفسها من عدوان أبناء ديانتهم على المصريين والعرب.

وتوسيع نطاق التطبيع السياسي مع إسرائيل بعد 1967 وذلك عبر المحاورات التليفزيونية المنتظمة بين السمان وشخصيات إسرائيلية، وحرص السمان على الترويج لمقولة التمييز بين الإسرائيليين واليهود، بوصف أن الأخيرين يشكلون شعبا و عنصرا بحسب تعبيرات السمان، متجاهلا أن هذه الأوصاف تندرج ضمن المصطلحات الصهيونية الصريحة بشأن القومية اليهودية.

ويشير السمان إلى ربط مصر بالشخصيات الأوروبية الحليفة لـ (إسرائيل)، بعد 1967مثل، الترتيب لزيارة هيئة أركان الجيش الفرنسي، خلال العدوان الثلاثي على مصر، الجنرال (بوفر) إلى القاهرة، حيث برر السمان دعوته بانعدام مسئولية الجنرال عن المشاركة في عدوان 1956، بوصفه شخصية عسكرية لا سياسية .

والترتيب للقاءات سياسية بين الرئيس السادات وقيادات يهودية دولية، أثناء وبعد تعثر المفاوضات المصرية الإسرائيلية في منتجع (كامب ديفيد)، عام 1978، وذلك بالتفاهم مع أحد الأقطاب المالية والمصرفية اليهودية، في النمسا، وهو المدعو (كارل كاهان ).

ولكن وبعد أن وضعت حرب المفاوضات أوزارها يكشف السمان في هذه الفقرة من كتابة، أنه عند استقباله للسادات في العاصمة المغربية الرباط ـ على أثر مغادرته (كامب ديفيد) ـ لاحظ مدى الإرهاق البادي على وجه السادات،

وأنه غير مرتاح،بعد عودته من هذا الكامب، وإبرامه الاتفاق مع الإسرائيليين، إلى أن يفاجأ السمان بقرار السادات بإنهاء مسؤوليته عن الإعلام الخارجي برئاسة الجمهورية، والاكتفاء بمتابعة الاتصالات مع الدوائر اليهودية والإسرائيلية، وخصوصا مع زعيم المعارضة الإسرائيلية ـ آنذاك ـ شيمون بيريز، الذي التقاه السمان بمدينة أنفيوس البلجيكية في مارس 1979

حيث تعهد بيريز له بالإعلان عن قبوله التفاوض مع الفلسطينيين، وتجنيده للترويج لهذا التصريح عبر وسائط الإعلام المصرية، موضحا طبيعة الاتصالات التي جرت بينه ـ أي مجال الإعلام، هو (جان فريدمان )، الذي يصفه السمان بالصديق المشترك بينه وبين بيريز، والذي كان أحد العمد الرئيسيين، التي تعتمد عليها (إسرائيل) إعلاميا في أوروبا، بحسب تعبير السمان نفسه، والذي يشير إلى أن الاتفاق بين الاثنين انتهى إلى ما أسماه خطة التأثير في التوجه الإعلامي،

بحيث يبرز الإعلام الصادر في (إسرائيل) أهمية المعاهدة المصرية الإسرائيلية، كخطوة نحو الحل الشامل، بجانب الاهتمام الإسرائيلي بمستقبل الفلسطينيين، بما يفيد موقف مصر ـ أوروبا بالأحرى موقف السادات ـ أمام الدول العربية في المرحلة القادمة، وهو ما حمل السمان على حث الحكومة المصرية على دعوة كل من (فريدمان) هذا والمسؤول التنفيذي عن الخطة الإعلامية في (إسرائيل)، المدعو (زيرابين )، إلى حفل التوقيع على معاهدة السلام، الذي كان مزمعا إقامته في جبل سيناء، ثم ترتيب السمان ـ في العام التالي ـ لزيارة ثلاثة من كبار الشخصيات اليهودية الأوروبية إلى مصر، والتقائهم بالسادات.

ولكن سرعان ما انطلقت الحملة الإعلامية الإسرائيلية، المشككة في الالتزام المصري بمعاهدة الصلح، عقب اغتيال السادات عام 1981 ـ كما يقول السمان ـ وذلك بغية تعليق الانسحاب العسكري الإسرائيلي من سيناء والمقرر في 25 أبريل 1982.

من صفحات هذا الملف ـ ملف علاقات (السمان) بالدوائر اليهودية والإسرائيلية ـ سرعان ما انفتحت على ملف آخر، هو ملف الحوار بين ممثلي الأديان السماوية الثلاثة، الذي لعب (السمان) فيه دوراً ملموحاً، على حد ما أوضحه في بقية فصول كتابه.

وهو الملف الذي كانت أولى صفحاته قد بدأت، في (باريس) مع منتصف ستينات القرن الماضي، حيث انخرط (السمان) في عضوية مؤسسة (الاديك) للحوار الديني، والذي اقتصر على الحوار الإسلامي (السني) المسيحي (الكاثوليكي)، وهي الصفحة التي سرعان ما طويت آنذاك، حتى عاد السمان لفتحها، من جديد في العام 1994، رئيسا لهذه المؤسسة، بدعم من رجل المصارف اليهودية (كارل كاهان، والكاردنيال الكاثوليكي النمساوي (كينج )،

وهو ما أتاح لـ (السمان) أن ينظم بإسم تلك المؤسسة مؤتمراً في (باريس) بإسم لن نفرق بين أبناء إبراهيم.. بعد اليوم»، والذي كان بداية لنشاط محموم من جانب (السمان) لإقناع الأزهر بالانضمام إلى هذا النوع من الحوار، وذلك بعد طول عناء فعدل السمان، نتيجة موقف الأزهر القديم من هذا الحوار منذ العام 1975، لكن السمان استطاع ـ كما يقول ـ أن ينجح في إبرام اتفاق بين الأزهر ،والفاتيكان، في العام 1998، حول إنشاء لجنة مشتركة للحوار الديني،

وهو ما حمل رئيس الوزراء البريطاني الحالي (توني بلير على دعوة الأزهر للتعاون مع كنيسة بلاده ـ أيضا ـ والتي تتخذ من (البروتستانتية) مذهبا لها، وذلك خلال زيارة (بلير) لـ الأزهر، فيما بعد، وهو ما فتح شهية رؤساء وزراء في دولة اسكندنافية، ووزراء أوروبيين آخرين لهذا اللون من الحوار الديني.

فكري عبدالمطلب

الكتاب: أوراق عمري.. من الملك إلى عبدالناصر والسادات

الناشر: المكتب المصري الحديث القاهرة 2005

الصفحات: 580 صفحة من القطع الكبير