مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الإنجليزي المعروف ويليام دالرايمبل الذي طالما نال الجوائز الأدبية على كتبه ورواياته، وكان قد نشر سابقاً عدة كتب مهمة، نذكر من بينها: في ظلال بيزنطة (2002) وفيه يتحدث عن مصير المسيحيين في الشرق بعد سقوط القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، ثم نشر كتاباً آخر بعنوان عصر كالي (2004) وهو يتحدث فيه بكل صراحة عن أوضاع الهند في التسعينات في القرن الماضي، وقد نال هذا الكتاب مؤخراً جائزة «الاستروبال» لعام 2005.
ثم نشر كتاباً بعنوان: دلهي، مدينة الجن! وقد نال جائزة توماس كوك المخصصة لكتب الرحلات. نضيف إلى ذلك أن الرجل ألف أول كتاب له وعمره عشرون عاماً فقط أو يزيد قليلاً وكان بعنوان: على آثار خطى ماركوبولو. وقد نال عليه جائزة أفضل أول كتاب التي منحته إياها جريدة «يوركشاير بوست» .
وفي عام 1994 نال ويليام دالرايمبل جائزة «الصندي تايمز» بصفته أفضل كاتب شاب في السنة. وهو الآن عضو الجمعية الملكية الإنجليزية للآداب، وعضو الجمعية الملكية الآسيوية، وهو يعيش متنقلاً مع زوجته وأطفاله الثلاثة بين لندن ونيودلهي. وفي هذا الكتاب الجديد يروي المؤلف قصة ضابط بريطاني سافر إلى الهند في القرن الثامن عشر ضمن الحملة الاستعمارية على ذلك البلد.
وهناك وقع في حب فتاة مغولية مسلمة تدعى خير النساء، وكان حباً جارفاً أنساه حتى مهمته الاستعمارية التي جاء من أجلها وقد اعتنق الإسلام لكي يتزوجها.ثم نسي أصله وفصله وبلاده وراح يعيش معها حياة هندية وشرقية بالكامل، وأثبت بذلك أن الشرق والغرب يمكن أن يلتقيا على عكس المقولة الاستعمارية الشهيرة لكيبلنغ.
والواقع انه حتى القرن التاسع عشر فإن الكثيرين من الإنجليز والإيرلنديين الذين وصلوا إلى الهند كمستعمرين بكسر الميم أصبحوا مستعمرين بفتحها من قبل سكان تلك البلاد وعاداتها وتقاليدها. والكثيرون منهم تزوجوا هناك وأنجبوا الأطفال وغيروا دينهم المسيحي عن طريق اعتناق إما الهندوسية وإما الإسلام.
وبالتالي فعلى عكس ما نظن فإن الصورة التي نمتلكها عن تلك المرحلة الاستعمارية ليست كلها صحيحة أو دقيقة. وعلى أية حال فهي ليست متكاملة. وقد وصل الأمر بأحدهم إلى درجة أنه نسي لغته الانجليزية من كثرة ما تشبع بلغة الهنود! ووصل الأمر بشخص آخر إلى حد انه وجد نفسه في قبر فارغ من كثرة التنسّك والتعبد واتباع عقائد تلك البلاد.
ثم يردف المؤلف قائلاً: في عام 1779 وصل جيمس أشيك كيرك باتريك إلى الشواطئ الشرقية للهند. وكان ضابطاً مرسلاً إلى هناك من قبل الشركة الانجليزية للهند الشرقية. كان مفعماً بالآمال والطموحات الشخصية عندما وصل إلى الهند. وكان يرغب في تسجيل اسمه على صفحات التاريخ بصفته أحد كبار الفاتحين للقارة الهندية. ولكن سخرية التاريخ أو قل مصادفاته غير المتوقعة شاءت له مصيراً آخر.
فبدلاً من ان يفتح تلك البلاد راحت هي تفتحه وتهيمن على أقطار نفسه وتستحوذ على مشاعره. لقد هيمنت عليه الهند ليس عن طريق جيوش جرارة وإنما عن طريق أميرة هندية مسلمة! ولكن كيف حصلت القصة؟ هنا يدخل المؤلف في التفاصيل ويقول بما معناه: كان الضابط المذكور قد عُيِّن وهو في الرابعة والثلاثين من عمره وأثناء الصيف القائظ لعام 1797 في وظيفة عالية ألا وهي: المندوب السامي البريطاني لشركة الهند الشرقية لدى بلاط نظام الملك في مدينة حيدر أباد ذات الغالبية الإسلامية.
وعندما كان يتحادث مع الوزير نظام لمح في البلاط فتاة صغيرة لا تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها. فوقع في حبها الصاعق على الفور. وعندما سأل عنها قالوا له بأنها ابنة أخ رئيس الوزراء ومن سلالة الأشراف النبوية.
لقد و قع الضابط الانجليزي في حبها بشكل جنوني إلى درجة أنه نسي مهمته الأصلية التي أرسل من أجلها إلى هناك ولم يعد يفكر إلا في كيفية الحصول عليها أو الزواج منها. وقد اضطر إلى تجاوز عراقيل وتحديات كثيرة قبل أن يتاح له ذلك.
فالبنت كانت مخطوبة لأحد النبلاء من مدينة حيدر أباد وبالتالي فليس من السهل فسخ خطوبتها وعقد قرانها على شخص آخر.
يضاف إلى ذلك أنها مسلمة والضابط الانجليزي مسيحي وبالتالي فالزواج مستحيل إذا لم يتخل عن دينه ويعتنق دينها. وهناك أشياء أخرى كثيرة كالحريم، والحجاب، واختلاف العادات والتقاليد، الخ.
ولكنه استطاع تجاوز كل هذه الحواجز وأذلّ نفسه أكثر من مرة من أجل نيل رضاها. فالحب أعمى ولا يقبل النقاش. ثم ابتسم له الحظ وتزوجها عام 1800. ويقول البعض إنه أصبح عميلاً مزدوجاً: أي يشتغل ليس فقط لصالح الإنجليز، وإنما أيضاً لصالح بلاط حيد آباد ضد الإنجليز!.
وكل ذلك لكي يرضي حبيبته. هذه هي نواة القصة التي عرف الكاتب الإنجليزي المعاصر ويليام دالرايمبل أن يحولها إلى رواية حقيقية تستحوذ على مشاعر القراء وتلهب خيالهم وحماستهم. وهي التي قال عنها سلمان رشدي العبارة التالية: هذا الكتاب عملاق بالمعنى المطلق للكلمة منذ زمن طويل لم أقرأ رواية بمثل هذا الحجم، وذاك المستوى. كم كنت سعيداً عندما وجدت نفسي في المناخ الروائي والهندي لوليام دالرايمبل.
يا له من أسلوب رائع! أما إضافة تشارلز آلين فقد كتب في المجلة الأدبية الإنجليزية يقول: إن هذا الكتاب يتحدث عن أجمل قصة حب حصلت في الهند بين شاه جاهان، وممتاز محل. ومعلوم أن موت هذه الأخيرة هو الذي ألهم الفنانين والمعماريين بناء أجمل قصر في العالم: تاج محل.
وهذه القصة التي يرويها ويليام دالرايمبل هي أكثر رومانطيكية من أي رواية أخرى. كما أنها أكثر تراجيدية وفجائعية في نهايتها ، ويمكن القول إن هذا الكاتب الإنجليزي هو الأكثر حصافة ومعرفة بشؤون الهند، قديمها وحديثها، وروايته هي بكل بساطة جنة عدن بالنسبة لكل أولئك الذين يحبون الهند وحضارتها وتقاليدها العريقة. لكن كيف توصل المؤلف إلى هذه القصة؟ كيف نبشها من تحت الأنقاض أو تحت الركام: أي ركام العصور والنسيان القديم، هذا ما يجيب عنه في المقدمة العامة للكتاب.
فهو يروي بشكل مشوّق سر قصة ذهابه إلى تلك المنطقة للتحقيق في الموضوع. وكذلك فعل فيما يخص الأرشيف البريطاني الخاص بتلك الحقيقة يقول بما معناه: لم أسمع بهذه القصة ولا باسم الضابط جيمس أشيل كيرك باتريك لأول مرة إلا عندما زرت مدينة حيدر آباد عام 1997 في شهر فبراير تحديداً. ، وكان المحرَّم، أي العيد الشيعي الذي يحتفلون فيه بذكرى الحسين حفيد النبي في أوجه. في ذلك الوقت كنت قد انتهيت للتو من القيام بتحريات ميدانية واسعة عن الأديرة المسيحية في المشرق.
وقد كلفني ذلك أربع سنوات من العمل المتواصل المرهق. كنت بحاجة إلى الراحة والاستجمام. وقد سافرت إلى حيدر آباد لهذا الغرض بالذات. كنت أريد أن أهرب من مكتبي ومكتبتي المثقلة بالكتب والجرائد والمجلات. كنت أريد أن أنسى نفسي ولو قليلاً، أن أنفض عنها عناء التعب والبحث والعلم. ثم يردف المؤلف قائلاً: وهكذا ذهبت إلى حيدر آباد والربيع في أوله.
وقد شعرت بسخونة بلاطات المساجد تحت قدمي عندما كنت أتجول. وأتنقل من مسجد إلى آخر في المدينة القديمة،ووجدت العباد يتدفقون عليها من كل حدب وصوب وهم لابسون الثياب السوداء. ورأيتهم يسبحون ويندبون مأساة كربلاء. وشعرت وكأن استشهاد الحسين قد حصل قبل أسبوع وليس قبل ألف ومئتي سنة! كان الناس يتحدثون بلغة الأوردو التي هي لغة الباكستان الرسمية والكثيرين من مسلمي الهند. وشعرت بالجو الأليفي والطيب للمدن الهندية.
وهو جو أحبه بعد أن تعودت عليه وأصبح قريباً إلى قلبي. ثم زرت القصر الكبير الذي يشبه البيت الأبيض في واشنطن. ويبدو إنه بني في الفترة نفسها تقريباً. وقالوا لي بأن الموفد السامي البريطاني، أي الضابط جيمس اشيل كيرك باتريك، هو الذي أمر ببنائه عندما كان يمارس وظائفه الرسمية هناك بين عام 1798 ـ 1805. ثم أردفوا قائلين ان هذا السفير الانجليزي تبنى عادات البلاد وتقاليدها. بل وأصبح يلبس الزي الهندي بعد أن تخلى عن الزي الأوروبي والبزة والكرافات.
وعلى الرغم من أن القصر كان يعاني من الهجران والإهمال إلا أن الزائر يستطيع أن يتخيل بسهولة مدى جماله وعظمته في القرون الخوالي.لقد بنى الضابط البريطاني هذا القصر لمحبوبته التي شغف بها وتزوجها على سنة الله ورسوله بعد أن أعلن إسلامه من أجلها.
إنها قصة حب خارقة للعادة وتشبه قصة روميو وجولييت أو قيس وليلى في بلاد العرب. وهذا هو السبب الذي دفعني للاهتمام بهذه القصة ونبشها من بطون الكتب وتأليف كل هذا الكتاب الضخم عنها.
الكتاب: المغولي الأبيض
الحب والخيانة في الهند أثناء القرن الثامن عشر
الناشر: بنغوين بوكس ـ لندن 2005
الصفحات: 459 صفحة من القطع الكبير
WHITE MUGHALS
LOVE AND BETRAYAL IN ETGHTEEN - CENTURY INDIA
WILLIAMS DALRYMPLE
PENGUIN BOOKS - LONDON 2005
P.459
