لم يكن مطلوباً من المحطة الفضائية الناطقة بالعربية ان تقدم ثقافة صرفة، كأن تقرأ الكتب وتقابل المفكرين وتعرض أمسيات الشعر وتدير حوارات تنظيرية في شأن من شؤون الثقافة التي يتخيلها الإنسان، ولكن كان مطلوبا منها ان تناصر الهوية الوطنية وتقدم الشخصية الثقافية لجغرافيتها وتاريخها .
تجربة تعميم الثقافة العربية لم تجد نفعاً في ظل انتشار كل هذه المحطات الفضائية. والنفع الذي كان متوقعاً من خلال ثورة الاتصالات لم ينعكس إيجابا على حال الثقافة العربية ، فقد وُظِفَتْ تلك المحطات في مجالات لا علاقة لها بالثقافة فأنتجت التسلية والترفيه ولم تنتج ثقافة تعمم وتتداول بين الناس وان كل ما فعلته المحطات العربية في شأن الثقافة انها قدمت خطاباً إعلاميا مرئياً مشوهاً بدلاً من الخطاب الإذاعي المشوه ( سابقا) وبذلك تحقق عدم نفعية ثقافة ثورة الاتصالات عربياً!
قطعاً ليس هذا ما نقصده من مفهوم الثقافة على المحطة المرئية، الثقافة تعني عدم التشويه وقلة التغريب وتوحيد الفكرة والمنهج والرؤية وكذلك الهدف، وربما قبل هذا وذاك توحيد اللغة وليس اللهجة، حيث تصر بعض المحطات على الذهاب بعيداً في عاميتها إلى درجة تقليل شأن أهم رابط جذري من روابط العرب .
كما ان توحيد المنهج يدل على سعة أفق وطني يتوافق مع درس التاريخ المشترك من أقصى المحيط إلى أقصى الخليج فلا يعقل ان يكون خالد بن الوليد بطلاً في بقعة عربية وألا يكون معروفاً في بقعة أخرى، هذا التوحيد سيدل على اننا امة تعرف هدفها وليس ماضيها فقط، لذلك كان لابد من التأكيد اننا أردنا من الفضاء الثقافي التمسك بالمشتركات وليس بالمحليات وإظهار بضائع استهلاكية عبر ساعات البث الطويلة تتضمن كل ما هو غريب وعجيب وغير فعال ولا يخدم هدفاً وطنياً واحداً.
الثقافة لا توصف ولا تحصر في برنامج أو موضوع معين فكل ما يتصل بنبض المعرفة هو ثقافة، حيث برامج العلوم وبرامج المعرفة العامة وبرامج التثقيف الذاتي ومواعيد بثها تحسب إيجابا لصالح المشاهد، كما ان كل ما يتصل بالحقائق هو ثقافة وكل ما يتصل بكشفها وتحليلها هو أيضا ثقافة،
لكن ما نسبة تلك البرامج على مساحة بث واسعة تعيد ما هو معروف أو تزجي الوقت برقصة من هنا أو أغنية من هناك وتهريج جماعي يصل إلى درجة الابتذال أو الإسفاف ووسط كل هذا الركام يطل إعلان في أي برنامج ويحبذ ان يكون شديد الابتذال حتى يحقق مردودية أكثر، لان عدد مشاهدي تلك البرامج لا يمكن عدهم، انهم بالملايين أو بعشرات الملايين يتحلقون حول شاشة صغيرة كطقس اجتماعي يومي لمشاهدة ما يبث،
سلباً كان أم إيجابا ومن ثم يتعلم الجميع من هذا الجهاز الخطير كل ما يخطر على بال المرء من عادات أو تقاليد أخرى ليصبح الإنسان مشوهاً وخاصة الناشئة الذين لم يعرفوا طريقاً إلى الكتاب بل عرفوا طريقاً أسرع إلى الريموت كونترول فأصبح مصدر ثقافتهم وسط عالم مرئي لا يسلب الكتاب حقه فقط، بل يسلب حق الأطفال في المعرفة الصحيحة وبموافقتنا ومعرفتنا نحن الآباء مدركين للضرر الذي يحدث بعد ذلك، ولا نفعل شيئاً كما هو حالنا دائماً.