فرانسوا كارون هو أستاذ التاريخ الاقتصادي والتقني في جامعة السوربون، وكان قد أنجز أطروحته لنيل دكتوراه الدولة حول شركة الخطوط الحديدية في شمال فرنسا، وهو مؤسس مركز البحث في تاريخ التجديد الصناعي في جامعة السوربون وأمين عام جمعية تاريخ الخطوط الحديدية الفرنسية.

له العديد من المؤلفات من بينها «الثورتان الصناعيتان في القرن العشرين» و«تاريخ استثمار الشبكة الكبيرة للسكك الحديدية» و«شبكة الكهرباء في فرنسا» و«تاريخ اقتصادي لفرنسا في القرنين التاسع عشر والعشرين». تمثل فترة 1883 ـ 1937 التي يدرسها المؤلف والكاتب الفترة الذهبية في تاريخ السكك الحديدية الفرنسية، ففي هذه السنوات دخلت القطارات في ذات الناس كوسيلة نقل للأشخاص والشحن البضائع، وازدهرت بشكل لا سابق له على الإطلاق وازدادت الشبكة عدة آلاف من الكيلومترات وجرت عملية ربط الشبكة فيما بينها، وترافق هذا كله مع تحسُّن صناعة القطارات نفسها،

كما تحسّنت جميع التقنيات المتعلقة بالنقل البري بهذه الوسيلة.ولم تدخل السكك الحديدية في حياة البشر اليومية، وإنما دخلت أيضاً في مخيلتهم، حيث شهدت رفوف المكتبات العديد من الكتب الفنية حول الشبكة، وأصبح عالم عمال السكك الحديدية موضوع العديد من الروايات والأقصوصات، كذلك لم تبق السينما حيادية، حيث أصبحت مشاهد القطارات ومحطاتها بمثابة عناصر في أغلبية الأفلام.

ويكرِّس مؤلف هذا الكتاب العديد من الصفحات لدراسة الدور الكبير الذي لعبته شبكة الخطوط الحديدية الفرنسية أثناء الحرب العالمية الأولى، لا سيما وأن هذه الحرب قد ساهمت في تسريع توحيد الشبكات باسم مستلزمات نقل القوات والأعتدة.. وكان هذا بمثابة عامل جديد وجد مكانه في الاستراتيجيات العسكرية، خاصة بسبب عنصر السرعة وأهميته في رسم مثل هذه الاستراتيجيات.

ولا شك في أن شبكة السكك الحديدية كانت منذ بداياتها أحد أهم ثمرات الثورة الصناعية الكبرى التي كان اختراع الكهرباء والمحرك الانفجاري من أهم تعبيراتها. وكانت السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر قد شهدت بدايات إنشاء السكك الحديدية بفرنسا بواسطة شركات خاصة عدة، أقامت شبكات إقليمية صغيرة في أماكن نشاطاتها، وخاصة في مناطق شمال وشرق فرنسا.. كان خط باريس ـ ليون ـ مرسيليا أحد أهم الخطوط الطويلة على صعيد النقل..

ومنذ البدايات أيضاً شكلت هذه الوسيلة الجديدة منافساً حقيقياً لوسائل النقل البري والنهري والبحري. وتجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب كان قد قدم عام 1997 عملاً كرّسه لتاريخ السكك الحديدية بفرنسا منذ بداياتها وحتى عام 1883.

لماذا عام 1883؟ إن هذا العام هو الذي شهد توقيع اتفاقية بين الدولة وبين الشركات الخاصة الست الكبرى آنذاك. هذا ما اعتبره العمال آنذاك بمثابة التقاء بين رجال السياسة ورأس المال الخاص.. وبالوقت نفسه أعلن النواب اليساريون في البرلمان الفرنسي غضبهم حيال هذا الاتفاق.. وهكذا عرفت السنوات التالية حركات إضراب عمالية كبيرة في قطاع النقل بلغت ذروتها في عام 1910.

وكانت الشركات التي أوكلت لها الدولة تشتكي من خسائر مالية ابتداءً من عام 1906 واستمرت هذه الخسائر حتى بداية الحرب العالمية الأولى وكانت هذه الخسائر تعود خاصة لزيادة الأجور وغلاء أسعار الوقود (الفحم الحجري آنذاك) وأيضاً بسبب رفض الدولة لأية زيادة تقوم بها الشركات على ثمن بطاقات النقل أو على شحن البضائع، وذلك على أساس أن الدولة هي التي كانت تقوم بالرقابة الدقيقة على الاقتصاد الوطني.

وضمن هذا الإطار لا يحمل المؤلف مسؤولية الخسارة على التسيير الذي قامت به الشركات وإنما يحمّلها بالأحرى بالتباطؤ البيروقراطي المترتب «على تدخل الدولة في آلية عمل الاقتصاد» حسب تعبيره.

وازدادت حدة الأزمة مع الانحسار الاقتصادي الذي شهدته سنوات الثلاثينات والمزاحمة الحقيقية للسيارات كوسائل للنقل.. وبعد أن أصبحت الخسائر غير محتملة قامت حكومة الجبهة الشعبية اليسارية التي وصلت إلى الحكم في فرنسا عام 1936 بتأميم شركات النقل بواسطة السكك الحديدية ووحدتها في الشركة الوطنية للسكك الحديدية التي لا تزال قائمة حتى اليوم وهي إحدى «زهرات» الصناعة الفرنسية لا سيما مع اختراع قطارات السرعة.

الكتاب: تاريخ السكك الحديدية في

فرنسا 1883 ـ 1937م

الناشر: فايار ـ باريس 2005

الصفحات: 1084 صفحة من القطع المتوسط

Histoire des chemins de fer en france1883-1937

Francios Caron

Fayard - Paris 2005

P.1084