ساهم في تأليف هذا الكتاب المهم العديد من الباحثين والمؤرخين. وقد أشرف عليه وقدم له البروفيسور جان دوليمو استاذ التاريخ الحديث في الكوليج دوفرانس التي هي أهم مؤسسة علمية في فرنسا وأعلى من السوربون ذاتها. وهذا الكتاب يشمل تاريخ العالم كله وليس فقط أوروبا فهو يتحدث عن مختلف الحضارات من الحضارة الصينية إلى الحضارة الأوروبية ـ المسيحية، إلى الحضارة العربية الإسلامية، إلى الحضارة الروسية السلافية، الخ.

ويحصر اهتمامه بالفترة الواقعة بين اكتشاف أميركا على يد كريستوفر كولومبوس عام 1492 وحتى اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789. ومنذ البداية يقول البروفيسور دوليمو في مقدمته العامة للكتاب ما يلي: ان هذا الكتاب يتحدث عن الفترة التي تلت العصور الوسطى والتي ندعوها بالأزمنة الحديثة ويتفق المؤرخون عادة على القول بأن بداية هذه العصور تتزامن مع اكتشاف القارة الأميركية عام 1492.

واندلاع حركة الاصلاح الديني في أوروبا على يد مارتن لوثر عام 1521 ونشر كتاب كوبرنيكوس عن النظام الشمسي عام 1543. وفيه أغلق نظام ارسطو وبطليموس الذي كان يقول بان الارض هي مركز الكون وان الشمس هي التي تدور حولها وليس العكس. اما هو فقد أثبت ان الشمس هي المركز وان الارض هي التي تدور حولها على الرغم من اننا نتوهم بأنها واقفة. ويرى المؤلف ان هذه الأحداث التي دشنت العصور الحديثة لا تزال تؤثر علينا حتى الآن. لنضرب على ذلك مثلاً حالة ايرلندا فنحن نعتقد انها مشكلة حديثة العهد أو تعود إلى ثلاثين أو عشرين سنة إلى الوراء فقط، ولكن ينبغي العلم بأنها مشكلة قديمة تعود إلى ثلاثمئة أو أربعمئة سنة إلى الوراء!

ثم يردف الباحث الكبير قائلاً: ينبغي ان نموضع الأمور ضمن منظور المدة الطويلة لكي نفهمها. ينبغي ان نموضعها ضمن شريحة زمنية واسعة تصل إلى أربعة قرون إلى الوراء. عندئذ يمكن ان نكتشف جذور المشكلة، وبالتالي يسهل علينا حلّها. ماذا حصل قبل اربعمئة سنة في تلك البلاد؟ كانت انجلترا قد أصبحت بروتستانتية بعد ان تبنت أفكار الإصلاح الديني على طريقة لوثر أو كالفن، وأرادت ان تفرض هذا المذهب الجديد على ايرلندا التي ترفضه وترفض ان تصبح انجليزية،

ولذلك فان الملكة اليزابيث الأولى قمعت انتفاضة الايرلنديين عام 1594 و1603، وكذلك فعل كرومويل وبكل عنف ووحشية عام 1649، وعندئذ هزم الايرلنديون من قبل الانجليز واضطر قسم كبير منهم إلى التخلي عن أراضيهم والهجرة من بلادهم، وعلى هذا النحو حلّ محلهم الانجليز البروتستانتيون، وهكذا أصبحت ايرلندا مقسومة إلى قسمين متعاديين طائفياً أو مذهبياً: الأول كاثوليكي، والثاني بروتستانتي، وظل العداء مستحكماً بينهما على مدار القرون حتى اليوم. نقول ذلك على الرغم من ان المشكلة الايرلندية هي في طريقها إلى الحل الآن.

ثم يردف المؤرخ الفرنسي الكبير قائلاً: ونفس الشيء يمكن ان نقوله عن مجازر البلقان بين الصرب والمسلمين والكرواتيين. فجذور المشكلة تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر عندما غزا العثمانيون المنطقة ودمروا دولة الصرب المستقلة عام 1459، ودولة البوسنة عام 1463 واحتلوا بلغراد عام 1521، وكل هذه الأعمال تركت جراحاً عميقة في النفوس، وهي جراح لم تندمل حتى الآن، ولهذا السبب أراد الصربيون الانتقام من المسلمين في أواخر القرن العشرين،

وبالطبع فان قول ذلك لا يعني إلى تبرير للمجازر الشنيعة التي ارتكبتها القوات الصربية، ولكننا نريد ان نفهم فقط. نقول ذلك ونحن نعلم ان مسلمي اليوم هم أحفاد للأتراك الذين استقروا في المنطقة أثناء الغزو العثماني وكانت آنذاك مسيحية بالخالص ولا أثر للوجود الإسلامي فيها، وبالتالي فلا يمكن فهم المشكلة إذا ما اكتفينا بالزمن الحاضر.

أما فيما يخص الأحقاد الطائفية بين الكرواتيين والصرب فسببها أيضاً قديم، بل وأقدم بكثير من سبب الحقد بين المسلمين والصرب. فالكرواتيون ينتمون إلى المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني، هذا في حين ان الصرب ينتمون إلى المذهب الارثوذكسي. نقول ذلك ونحن نعلم انه حصلت بين المذهبين قطيعة كبرى عام 1054م، أي قبل ألف سنة تقريباً، وهذه القطيعة المذهبية لا تزال آثارها بادية للعيان حتى هذه اللحظة.. نقول ذلك ونحن نعلم ان الحقد داخل الدين الواحد يكون أحياناً أكبر من الحقد بين دينين مختلفين.

وبالتالي فما لم يحصل تنوير للعقول فان النفوس ستظل مشحونة ضد بعضها البعض بسبب الجهل والتعصب والحزازات القديمة التي لم يتم تجاوزها بعد، كما حصل في أوروبا الغربية المستنيرة فهذه الأخيرة كانت منقسمة إلى كاثوليك وبروتستانت ولكنها تجاوزت هذا الانقسام بواسطة نور العقل والعلم.

ثم يردف المؤرخ الفرنسي الكبير قائلاً: لا يمكن محو هذه الذكريات القديمة من العقلية الجماعية بسهولة. فهي راسخة فيها أباً عن جد منذ مئات السنين، ولا يمكن ان تمحى إلا بعد تصفية الحسابات التاريخية وإقامة علاقات جديدة مع الآخر وفتح صفحة بيضاء خالية من أحقاد الماضي، وهذا يتطلب أشغالاً شاقة وجهوداً تبذلها الذات على ذاتها، وبالتالي فالعملية ليست سهلة على الإطلاق ونفس الشيء يمكن ان نقوله عن الطائفية في العالم العربي. فهي تحل بين عشية وضحاها.

يضاف إلى ذلك ان إرث الماضي ليس كله سلبياً ولله الحمد، فالعرب كان لهم عصرهم الذهبي وحضارتهم الراقية في بغداد وقرطبة، وكان لهم علماؤهم وفلاسفتهم وأدباؤهم وشعراؤهم الكبار، ولكنهم دخلوا بعدئذ في عصور الانحطاط التي لم يخرجوا منها حتى الآن.

وأوروبا كانت لها أمجادها وبخاصة بدءاً من عصر النهضة حيث تطورت العلوم والفنون وحيث ظهرت أسماء لامعة من أمثال بيترارك، وايراسموس، ومايكل انجلو، ورافائيل، وليوناردو دافنشي، وتوماس مور، ورابليه، وعشرات غيرهم.

يضاف الى ذلك ان الفترة الحديثة شهدت ظهور العلم الحديث على يد كوبرنيكوس وكيبلر وغاليليو، كما شهدت ظهور الفلسفة الحديثة على يد ديكارت. الذي حل محل ارسطو، بالإضافة إلى الانجليزي فرانسيس بيكون، كما وشهدت ظهور نيوتن واكتشاف قانون الجاذبية الذي يمسك الكون.. وشهدت اكتشاف الرصد الفلكي الذي يستخدم النظارات لاكتشاف السماء على يد غاليليو عام 1609، وشهدت اختراع الآلة البخارية على يد العالم «واط» عام 1769، الخ.

صحيح انها شهدت الحروب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت في القرنين السادس عشر والسابع عشر في كل انحاء أوروبا، وهي حروب أدت إلى سقوط ملايين الضحايا وكانت عنيفة في طائفيتها وأحقادها، ولكنها انطفأت بعدئذ وحل محلها عصر التنوير الكبير أي تنوير العقول التي كانت مفعمة بالسموم الطائفية والرواسب المذهبية الضيقة، وهكذا خرجت أوروبا من عصر الجهالة والتعصب لكي تدخل في عصر الحضارة والاستنارة والتقدم.

عن هذه الأشياء وأخرى عديدة جداً يتحدث هذا الكتاب بكل ألمعية واقتدار، وهو يشمل في مسحه التاريخي كل النطاقات الحضارية العالمية كما قلنا، لكي نعطي القارئ فكرة عن مدى اتساع الموضوعات المطروقة يكفي ان نستعرض عناوين الأجزاء والفصول التي يتشكل منها، فالجزء الأول مثلاً يتحدث عن الانطلاقة النهضوية الكبيرة للغرب بين عامي 1492 ـ 1600 .

وهنا يتناول الكتاب الموضوعات التفصيلية التالية: اكتشاف العالم الجديد أي أميركا بين عامي 1492 ـ 1550، وهنا نلاحظ تكريس عدة فقرات تعريفية بكريستوفر كولومبوس، وبالمكتشنين البرتغاليين، وبالفاتحين الاسبان ومدى شناعة ما فعلوه بالسكان الأصليين للقارة الأميركية: أي الهنود الحمر.. ولكن كان هناك فاتحون انسانيون وأكثر رحمة وتسامحاً.

ثم يتحدث الكتاب بعدئذ عن كيفية انتقال أوروبا من العصور الوسطى الى عصر النهضة 1492 ـ 1580، ويخصص هنا فقرة كاملة للدور الذي لعبه المثقفون الأوروبيون في عملية النهضة، وكناقد ذكرنا أسماءهم سابقاً أو بعضاً منها. أما فيما يخص العالم الإسلامي فيكرس المؤلف عدة صفحات للتحدث عن تشكيل الامبراطورية العثمانية وتوسيعها على يد السلاطين الكبار وبخاصة محمد الفاتح وسليمان القانوني، كما ويتحدث عن الامبراطورية الواسعة التي شكلها المغول في الهند، وكذلك عن الامبراطورية الفارسية في عهد عباس الأول الكبير.

أما الجزء الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة ما حصل في العالم طيلة القرن السابع عشر 1600 ـ 1715 وهنا يتحدث عن الثورة الانجليزية الأولى 1625 ـ 1702، وعن هيمنة لويس الرابع عشر بشكل مطلق على مقاليد الحكم في فرنسا 1661 ـ 1715. فقد حكم ما لا يقل عن أربع وخمسين سنة! وهو أطول حكم في التاريخ. ثم يتحدث عما آلت إليه الأوضاع في الدول الإسلامية الكبرى كالمغرب الأقصى وكبداية انحطاط الامبراطورية العثمانية.

أما الجزء الثالث والأخير من الكتاب فهو مكرس لانتصار الأنوار وسلطة العقل، وهنا يتحدث المؤلف عن الشك والعقل وكيف ان أوروبا أصبحت تستخدم الشك كمنهجية للوصول الى العقل واليقين العلمي وهي المنهجية التي جعلتها تتفوق على جميع شعوب الأرض، ثم يتحدث الكتاب بعدئذ عن انجلترا أو كيفية تشكيل الحداثة بين عامي 1714 ـ 1789، ثم أصبحت انجلترا بعدئذ أكبر قوة عظمى في العالم بعد ان هزمت نابليون بونابرت عام 1815 وتفوقت على فرنسا وغيرها من القوى العظمى الأوروبية كألمانيا، والنمسا، وروسيا، الخ.

ثم يشرح الكتاب بالتفصيل أوضاع الامبراطورية العثمانية والتي أصبحت الرجل المريض بعد ان كانت قوية ومرهوبة الجانب، والخلاصة فإن الكتاب شامل مانع وقراءته ضرورية لمن يريد ان يفهم أوضاع العالم سابقاً ولاحقاً.

الكتاب: تاريخ العالم في الأزمنة الحديثة

الناشر: لاروس ـ باريس 2005

الصفحات: 479 صفحة من القطع الكبير

LE HISTOIRE DU MONDE

AUX TEMPS MODERNES

JEAN DELUMEAU

LAROUSSE - PARIS 2005

P. 479