مؤلف هذا الكتاب هو د. محمد عابد الجابري، المفكر المغربي المعروف، وأستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط. له العديد من الكتب المنشورة التي أحدثت قفزة في أسلوب نقد التراث العربي، منها: «نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي»، و«العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي»، وسلسلة نقد العقل العربي:

«تكوين العقل العربي» و«بنية العقل العربي» و«العقل السياسي العربي» و«العقل الأخلاقي العربي»، و«وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر»، و«المسألة الثقافية في الوطن العربي»، و«الديمقراطية وحقوق الإنسان»، و«مسألة الهوية: العروبة والإسلام»، و«الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، و«قضايا في الفكر المعاصر: العولمة ـ صراع الحضارات ـ العودة إلى الأخلاق ـ التسامح ـ الديمقراطية ونظام القيم ـ الفلسفة والمدنية».

ويدخل هذا الكتاب في ذات النسيج الفكري الذي درج عليه محمد عابد الجابري منذ ثمانينات القرن العشرين المنصرم، حيث لا يخرج عن قضايا الفكر العربي المعاصر بتناوله مسائل تتصل بالديمقراطية والهوية والإسلام والغرب والدين والدولة والمدنية والعلمانية..إلخ. وهي تدخل جميعاً في سياق الإشكاليات النهضوية التي تواجه العالم العربي، والتي بقيت منذ القرن التاسع عشر هي ذاتها في مضمونها العام، تكتسي في كل مرحلة أبعاداً جديدة وصيغاً متنوعة.

وعليه يرى الجابري أن قضايا النهضة في الفكر العربي الحديث والمعاصر يتجاذبها محوران: أولهما، يخص تجديد النظر في القضايا التي تجد مرجعيتها في التراث العربي والإسلامي. وثانيهما، يتعلق بطريقة فهمنا واستيعابنا لمسائل التحديث والحداثة التي مرجعها الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر.

لذلك يبحث الجابري، ضمن إطار من المنهجية المترابطة المشوبة بمنطق المقايسة، في مفهوم الإصلاح، قصد تحديد مضمونه، وحتى لا يبقى مكبلاً بالشبهات، ذلك أن «الإصلاح» الذي تريد الادارة الأميركية إقامته في الشرق الأوسط يربك الطريق إلى الإصلاح الحقيقي.

أما عبارة «نقد الحاجة إلى الإصلاح»، فهي ترمي النظر إلى الإصلاح لا من حيث هو دعوة آتية من الخارج، ولا من حيث هو شعار سارعت إلى التشبث به مجموعة من القوى الداخلية، بل من حيث كونه «حاجة»، وإذا حددنا أولاً الحاجة أو الحاجات التي تبرر جعل الإصلاح مطلباً في العالم العربي والإسلامي، أمكن حينئذ تحديد الأهداف المرجوة منه، ثم تعيين الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف. وبما أن الأمر يتعلق بمفهوم يحدد الرؤية والمنهج،

كما يتحددان به، فإنه لا بد من التوافق، بالدرجة الأولى، على مضمون هذا المفهوم، سواء في المرجعية العربية الإسلامية أو في المرجعية الأوروبية. وعليه يعود الجابري إلى النصوص التراثية، كي يلاحظ فقر معنى لفظ إصلاح على صعيد التعريف والتحديد في تلك النصوص، فيما الأمر معكوس تماماً في المرجعية الأوروبية حيث الإصلاح يعني «إعادة تشكيل» أو «اعطاء صورة أخرى للشيء».

ويتعلق الإصلاح في المجالين العربي والإسلامي بحصول الفساد في الشيء، مادة وصورة، لذلك تؤول مسألة الإصلاح فيه إلى الرجوع به إلى الحال التي كان عليها قبل حدوث الفساد عليه، أي إعادته إلى وضعه السابق. في حين أن فكرة الإصلاح تعاني من تكبيلها بالشبهات، لذلك فإن كل جديد يأتي به الإصلاح يعتبر عند بعضهم مستحدثاً، و«كل مستحدثة بدعة».

وعلى الخلفية الآنفة الذكر تتأسس فكرة الإصلاح في الفكر السلفي الحديث، ويدعم الجابري تصوره لهذه الخلفية بالمقولة المنسوبة إلى الإمام مالك: «لا يُصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها»، إذ يرى أن هذه المقولة تؤسس لفكرة الإصلاح في مجمل الفكر السلفي الحديث من محمد بن عبد الوهاب إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

أما في المرجعية الأوروبية فإن فكرة الإصلاح تجعل الجابري يعود إلى الإصلاح الديني الذي قاده لوثر، حيث كان الموروث العربي الإسلامي ـ في ذلك الوقت ـ يمارس سلطة واسعة على الفكر الأوروبي، وبالتالي فإن هذا الأخير لا بد وأن يكون قد تأثر، بصورة أو بأخرى، بالثقافة العربية الإسلامية ونظرتها إلى الانسان بوصفه أرقى المخلوقات، وبنفيها الوساطة بين الله والانسان.

وفي هذا المجال لا بد من أن يكون لترجمة أعمال ابن رشد وغيرها من المخطوطات العربية إلى اللاتينية، أثرها في ما عرفته أوروبا من الإصلاح والنهضة منذ القرن الثاني عشر إلى القرن الثامن عشر، حيث تلقف الرشديون اللاتين نظرية ابن رشد في علاقة الدين بالفلسفة وإثبات سلطة العقل مستقلة عن الكنيسة وندّاً لها، الأمر الذي مهد الطريق إلى المناداة بالفصل بين الكنيسة والدولة، أي فتح الطريق إلى «اللائكية» أو «العلمانية» التي لا تجد ما يؤسسها في اللغة العربية، سواء على صعيد اللغة أو على صعيد المضمون.

ذلك أن اللائكية تجد معناها في عدم الانتظام في سلك الكهنوت الكنسي، واللائكيون بهذا المعنى، هم العامة من الناس مقابل «الخاصة» رجال الكنيسة. ويستنتج الجابري من هذا أن العلمانية لا يجمعها مع التجربة العربية الإسلامية فضاء حضاري واحد، وأنما طرحت في المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر، من قبل مفكرين مسيحيين من الشام، وذلك في سياق «الاستقلال عن الترك»، بما كان يعني قيام دولة عربية واحدة، وارتباط المفاهيم الثلاثة ببعضها ارتباطاً عضوياً: العلمانية والاستقلال والوحدة، لتعني شيئاً واحداً هو قيام دولة عربية في المشرق غير خاضعة للسلطنة العثمانية.

كذلك فقد طرحت العلمانية مع طرف منظري العروبة والقومية العربية في اطار اتقاء شر الطائفية، وكحل لمشكلة الاقليات الدينية في الدولة القومية العربية الواحدة. وبناء عليه فإن الطرح العلماني في القرنين الماضيين، إنما هو طرح مزيّف، يجب أن يستبعد من قاموس الفكر العربي، وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية، خاصة وأن هذين الشعارين لا يستبعدان الدين الإسلامي، المقوم الأساس للوجود العربي.

ولعل هذا الاستنتاج الذي توصل إليه الجابري حول الاقتباس الخاطئ لمسألة العلمانية، من شأنه أن يشكل مدخلاً خلافياً إلى قراءة المسائل الآنفة الذكر في ضوء خلفياتها التاريخية، وبعيداً عن عقلية القسر والمقايسة. فقد افترض الجابري وجود ترابط عضوي بين الطرح العلماني في المشرق العربي ومسألة الاستقلال عن الأترك والوحدة العربية، فيما رواد الطرح العلماني في منتصف القرن التاسع عشر عثمانيي الولاء، ولم يقل بالاستقلال عن الدولة العثمانية كل من بطرس البستاني وفرنسيس المراش أو سواهم،

حيث لم ينادوا بالوحدة العربية، بل كانوا يتمتعون بدعم دعاة إصلاح السلطنة العثمانية والمتنورين العثمانيين. ومن كان يدعو إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية وإلى الوحدة العربية جاء من بعدهم، من أمثال سعد الله الجابري وهاشم الأتاسي ورفاقهما لم يكونوا مسيحيين بل مسلمون. كما أن اعتبار الجابري الطرح العلماني طرحاً مزيفاً فيه شيء من التجني، وأن اقتراحه استبدال العلمانية بالعقلانية والديمقراطية هو اقتراح زائف، ذلك أن الديمقراطية من دون العلمانية والمفاهيم الحديثة الأخرى هي ديمقراطية صورية، لا يمكنها أن تحقق مبدأ المساواة في المواطنة وفي الحقوق من غير فصل ما بين السلطة الدينية والسلطة المدنية.

ويتناول الجابري مسألة «العقد الاجتماعي» من خلال عناوين واسعة، هي: «عقد البيعة وتغييب صحيفة النبي»، «العقد الاجتماعي في الحضارة الإسلامية والتجربة الأوروبية»، فكرة العقد الاجتماعي بين الكنيسة والامبراطور»، «العقد والعهد... والعقد المزدوج»، «العقد الاجتماعي كوسيلة لاخضاع الكنيسة للدولة»، استبعاد الكنيسة والمؤاخاة بين القوانين الطبيعية والتشريعات الالهية»، «الآخرة للكنيسة والدنيا للدولة»، «العقد الاجتماعي والجمعية التأسيسية».

ويعتبر أن هذا العقد كان قرين العلمانية، نظراً للارتباط العضوي أو البنيوي بينهما، بحيث يمكن القول أنهما وجهان لعملة واحدة. لكن المفارقة هو أن المرجعية التراثية العربية الإسلامية التي ترفض العلمانية تتقبل قرينها «العقد الاجتماعي»، حيث تقدم له نظيراً وشبيهاً هو «عقد البيعة»، ذلك العقد الذي يؤكد حق الاختلاف داخل المسلمين والمؤمنين. ونظراً لمنطق المقايسة الذي يحكم عقل الجابري واشتغاله، فإنه يرى أن «عقد البيعة» في دولة المسلمين لم يتطور إلى «عقد اجتماعي» بالمعنى الأوروبي للكلمة.

وفي السياق التاريخي المحدد لمسألة العقد الاجتماعي يعتبر الجابري أن الفكر العربي الإسلامي لم يعرف غير ذلك النمط الذي يفسر منشأ الحكومة وشكلها، وهو ما يسمى «عقد البيعة»، وأن العقد السياسي الذي دار الكلام حوله في التراث العربي الإسلامي هو «عقد الامامة» أو «البيعة». لذلك فإن «العقد الاجتماعي»، بوصفه نظرية تفسر أساس الاجتماع والدولة معاً، بات غائباً عن المفكرين الذين خاضوا في مسألة «الامامة» و«الخلافة».

ويعدد الجابري أنواع العقود التي كان قد أبرمها النبي محمد (ص) لتنظيم الاجتماع وترتيب أمور الحكم، فيجدها في: عقد «بيعة العقبة» الأولى والثانية، اللتين بايع فيهما ممثلو أهل يثرب الرسول (ص) رئيساً عليهم، فكانت الهجرة اليهم على أساس هذه البيعة الاختيارية المشروطة. ثم «عقد الصحيفة» الذي يرعى شؤون المؤمنين والمسلمين، وهو عقد مزدوج نظر فيه تأكيد للحق في الاختلاف بين المسلمين والمؤمنين، بما في ذلك اعتراف بالاختلاف داخل اليهود وقبائلهم.

ويعتبر الجابري أن فلاسفة الفكر السياسي في أوروبا القرنين السابع والثامن عشر أفترضوا وجود «حالة طبيعية» للإنسان، حالة من الحرية والمساواة، يكون عليها الناس قبل أن تنهض فيهم سلطة تحدّ من حقهم في ممارستهما، ونشأ على خلفيتها مفهوم الحق الطبيعي. وهذه الحالة هي أساس مفهوم حقوق الانسان التي يضمنها العقد الاجتماعي، والتي تقرّ لكل إنسان التمتع بحقوقه،

فيما يبقى وهو متحدّ مع الكل الاجتماعي غير خاضع إلا لنفسه، وبالتالي فإنه يبقى متمتعاً بالحرية التي كانت له من قبل. وقد تأسست عليها السلطة التي تستمد شرعيتها من اختيار الشعب، إيذاناً بإسقاط الاساس الذي قامت عليه السلطة المطلقة في أوروبا القروسطية.

وبعد تناوله لمواضيع «المجتمع المدني»، والاجتماع «الحضري» الذي يقايسه ويقابله بالاجتماع «البدوي»، يتعرض الجابري لقضايا حقوق الانسان، والتحول إلى الديمقراطية، والإصلاح بين الداخل والخارج. ويؤكد أن الإصلاح قد يغدو شكلياً فقط، ويتعرض للتفسخ إن هو ظل مفتقراً إلى المضمون الذي يغذيه بمرتكزاته الأساسية، معتبراً أن مضمون «الشكل» في قضية الإصلاح يتعلق بالسلطة وطريقة ممارستها عبر المؤسسات والفصل الكامل بين السلطات الثلاث،

مع أن هذا لا يعني بالضرورة تحقق الإصلاح المنشود. أما محتوى «المضمون»، وهو قضية الخلاص، فيمكن تلخيصه في مفهوم واحد هو: العدالة الاجتماعية المتمثلة في حق العمل، وتكافؤ الفرص، والحق في التعليم والرعاية الصحية، والحصول على المنزلة المستحقة، والافادة من الثروة الوطنية.

اللافت للنظر هو بقاء الجابري في ذات الدائرة التي بدأ فيها منذ ثمانينات القرن العشرين المنصرم، حيث التقابل بين الإسلام والغرب وبين نحن وهم وقس على ذلك. ولا يزال على مراهناته، حيث انتقل من مراهنته طوبى «الذات العربية» من أجل قيام الوحدة العربية التي لم تقم لها قائمة حتى يومنا هذا، إلى مراهنة جديدة على قيام «كتلة تاريخية»، يستقيها دون أن يقول من «الكتلة الملينونية»،

ويتصورها كتلة فوق الطبقات والأحزاب والجماعات والايديولوجيات والطوائف والمذاهب، من أجل انجاز التحول الديمقراطي، وفي هذا التصور الكثير من الميتافيزيقا التي لا تأخذ بالحسبان متحقق الحال من انقسامات وصراعات ومصالح.

عمر كوش

الكتاب: في نقد الحاجة إلى الإصلاح

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005

الصفحات: 248 صفحة من القطع الكبير