حوار أجرته مع الروائية البريطانية «جانيت ونترسون» محررة صحيفة الغارديان بمناسبة صدور روايتها الأخيرة «ثقل» التي تعيد النظر في علاقتها بكل من الموروث الديني والحداثية من خلال الأسطورة التي تبنى عليها روايتها الجديدة. من المعروف أن أول عمل قرأته جانيت ونترسون ـ كما درجت عليه العادة لدى غالبية الكتاب الغربيين ما قبل القرن العشرين ـ هو الإنجيل. فهو كما تقول «نقطة الإنطلاق لكل شيء».

وعلى الرغم من أن قصة تبنيها ونشأتها في عائلة متدينة متزمتة، القصة التي تأسست عليها روايتها الأولى الرائعة «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» 1985، قد أعيدت قراءتها مرات ومرات حتى تحولت إلى ما يشبه الأسطورة. إلا أن ما بقي غير معروف إلى الآن هو التأثير الإبداعي الإيجابي لمثل ذلك الاحتكاك بكل من اللغة والسرد القصصي الديني. لقد دربت ونترسون نفسها، منذ الصغر، على القراءة من خلال مراقبة والدتها بالتبني أثناء قراءة الإنجيل لزوجها الأمي بصوت مرتفع.

إن تلك اللحظة التي «تتحول فيها الحروف الهيروغليفية المبهمة المرسومة على الصفحات إلى معاني« لا تزال حية في ذاكرتها. تقول عنها «لقد كانت بمثابة الاكتشاف المدهش، بمثابة النعمة الإلهية تقريباً، ومنذ ذلك الحين، بدأت بالاشتغال عليها».على الرغم من نبذها لفكرة الدين في أعقاب انفصالها عن والديها في السادسة عشرة، إلا أنها لا تزال تحتفظ بنوع من الشعور الأخلاقي والروحي، الذي بدأت بإعادة توظيفه، في هذه الفترة، في الأدب.

«الواقع أن الأدب يحول ويجدد ويعيد الناس إلى حقيقتهم. إنه ليس مسكناً، أو نوعاً من الرفاهية، أو دواءً. إنه ليس واحداً من هذه الأشياء اللطيفة. إنه على صلة بالمواجهة، أكثر منه بالمواساة.

إن له علاقة بتحدي الذات: من أنت، وماذا تريد أن تكون، وكيف يمكن أن تشكل الكون بالطريقة التي تناسبك». على الرغم من عباراتها الموحية بالبراعة، واستخدامها لغة منمقة إلا انه من الواضح أنها كانت مشدودة إلى الوعظ كصيغة شكلية، خاصة تلك المواعظ التي اشتهر بها، الشاعر جون دون (تعلق على هذه الجزئية بطريقة فكاهية بقولها بأن وظيفتها الفنتازية القادمة ربما الوعظ في كنيسة سانت بولس، وأنها مغرمة بالحقيقة القائلة بأن جون دون تولى تلك الوظيفة بعد تكريس حياته للشعر والحب).

تستأنف «إلا إنني حذرة في واقع الأمر من التحول إلى شيء شبيه تماماً براسكين وهو ما سيجعلني إنسانة أفضل وسيعمل على تطوير حياتي ـ لكنني مؤمنة بهذا بالطبع». في حالتها هي، يظهر هذا الصدق بديهياً. فقد غير الأدب حياتها بالفعل، وليس من المستغرب بالنسبة لمثلها ألا تنظر إلى المفردات بوصفها مجرد دلالات ذات معنى، وإنما «كأشياء حية يمكنها أن تغير الناس».

هذه الثقة في سلطة اللغة المتمثلة في التغيير ربما كانت نابعة من رفضها لخلفيتها المتعلقة بولادتها مرة ثانية. ومع ذلك فهي تبدو على علاقة أكبر بالنظرية اللاهوتية حول الكلمة الحية، على نحو يجعلها أكثر سهولة بالنسبة لدون. والحقيقة أن مسز ونترسون ـ كما تسمي ونترسون أمها بالتبني ـ لم تشجعها يوماً على قراءة شيء غير الكتاب المقدس.

«كانت تتفادى الكلمة المطبوعة لأنها كانت تدرك جيداً ما تعنيه سلطة الكلمة ولأنها كانت تحرص على ألا تفسدني تلك المفردات، أو غيرها من المؤثرات العلمانية. وعلى الرغم من علمها بأنه ينبغي لي الذهاب إلى المدرسة، إلا أن كل ما كان يحتوي عليه المنزل كان معداً للعمل كمضاد». وبنوع من الإرادة الاستثنائية، تمكنت الابنة من تخطي هذه السلطة الأبوية، كانت تقوم بإدخال الكتب إلى المنزل خلسة وإخفائها تحت المرتبة. كانت لديها النقود الكافية لشرائها، بما كان يتوفر لها من العمل في طي الملابس في السوق في سن التاسعة، وهو ما كان يفعله أبناء الطبقة العاملة في ذلك الحين.

لقد منحتها تلك التجربة العملية البسيطة الثقل المقابل للعشق الصوفي لحياة العقل. ولا يزال تأثير هذه التجربة واضحاً. لقد افتتحت ونترسون محل بقالة في الدور الأرضي لمنزلها الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر. وهي لا تسعى من وراء ذلك إلى الفن، بل تبدو بعيدة النظر في تعاملها مع المال. في تلك الفترة كانت تذهب إلى مكتبة أكرينغتون العامة، حيث كانت تلتهم «كل شيء ».

هذه المكتبة بناها أحد أصحاب المصانع الذين كانوا يفكرون بالطريقة الفكتورية التقليدية لكي تساعد في تحسين أوضاع الطبقة العاملة، كانت معبداً للمعرفة. في حين أن زيارتها الأخيرة أصابتها بالكآبة. فقد تقلص عدد الكتب المصنفة في قائمة الأدب الجاد بشكل ملحوظ وتم الاستعاضة عن هذه النوعية من الكتب بكتب الرياضة.

وهو ما يجعلها تشعر بالقلق على مستقبل الآخرين من الجيل الشاب الذين لا تتوفر لهم المصادر اللازمة للتعريف بالأدب.

في أعقاب انفصالها عن والديها، قامت إحدى معلماتها بمنحها مكاناً للإقامة المؤقتة، حيث استمرت في دراستها إلى أن أكملت تعليمها الأساسي بكلية فارثر إيديوكيشن. ولأنها كانت مهووسة منذ طفولتها بجامعتي أكسفورد وكامبردج اللتين قرأت عنهما في إحدى الموسوعات، فقد أجبرت جامعة أكسفورد على قبولها بعد تخييمها أمام حرم الجامعة لمدة طويلة إلى أن تم قبولها.

وفي السنة التالية من دراستها تبينت لها أهمية المعلومات التي استقتها من الكتاب المقدس. ومن جانبها فهي لا تزال تقدر الأسلوب التقليدي الذي تقوم عليه الدراسة في هذه الجامعة على الرغم مما يشوب هذه العملية من عنصرية تتعلق بتاريخها العريق.

تتمتع ونترسون بحس قوي تجاه الموروث الأدبي، بالإضافة إلى حس الابتكار. وهي تقول : «الواقع أنني أحترم الموروث، على الرغم من ميلي إلى التخريب. وعلى الرغم من أن هذه السلسلة من الأشياء تبدو مؤثرة وكبيرة الأهمية، إلا أن علاقتي بها ليست وجدانية، وليست مستقيمة كذلك ».

ولكي تبقى على هذه العلاقة، فإن روايتها الجديدة، ثقل، عبارة عن إعادة سرد متطرفة لحكاية قديمة. وهي جزء من سلسلة قامت بنشرها دار كانونغيت، فهي مؤسسة على أسطورة أطلس الإغريقية مع إعادة العمل عليها بلغة أنغلوسكسونية، عملية، مباشرة.

وفيها تحاكي اللغة الذكورية المبتذلة بشيء من الحذر كنوع من الهجاء ، والرواية عبارة عن وقفة تأملية مؤثرة تغوص في التجربة الصعبة الهادفة إلى معرفة الذات، بالإضافة إلى جوهرها الفكاهي العميق، الذي تجتمع فيه كل من الحيوية والذكاء. وفي حين تظهر وجهة نظرها المتعلقة بالتصنيف الجنسي في هذه الرواية. فإن ما يراودها هو ذلك الانجذاب إلى الشعراء الميتافيزيقيين وتوظيفهم للغة والصورة. غير أن كل الشعراء الذين تحبهم هم من أولئك الذين يقاسمونها الولع بالتمرد على الأشكال التقليدية. ومن هؤلاء تي . اس . إليوت المغرم بالأشكال الشعرية الجديدة المهووس بفكرة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وكذلك فرجينيا وولف التي «تفتح للغة آفاقاً جديدة»، فيما تغير رواية إيتالو كالفينو «مدن غير مرئية» أسلوب قراءتنا ورؤيتنا للإحتمالات الواردة أثناء الموازنة بين الشعر وبين النثر. «هذا التعليق الأخير يعبر عن طموحها الروائي» : أسعى إلى التعرف على مدى ما يمكن الحصول عليه من دقة وكثافة يمكن توظيفها في بنية روائية أكبر. على الرغم من تأكيدها على أنها لا تفكر في كتابة الشعر، في الوقت الذي يناقض فيه مشروعها الحالي هذا القول، حيث يأتي ذلك مع شخصية عازف الفيولونسيل حين يتداخل كل من النص والموسيقى. لكي يبدو النص كما لو أن مؤلفه هو ت. إس. إليوت.

حديث ونترسون مليء بالتلميحات الأدبية، يغلب عليه الذكاء والبرود إلى حد ما. كما أنها كثيرة الإستعانة بلغة الحكايات، للتعبير عن معاناتها من الصحافة في مطلع الثلاثينات من عمرها، على سبيل المثال. عندما نشرت رواية «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة»، في الرابعة والعشرين من عمرها، حققت نجاحاً استثنائياً. إلا أنها » بعد نشر رواية «مكتوب على الجسد » تعرضت للهجوم العنيف.

وتقول : لقد أصابني الإحباط على إثر ذلك على نحو لم أعهده من قبل، ثم عجزت عن المواجهة. على الرغم من عدم القدرة على تحديد الجهة التي كانت تسدد لي الضربات. من هي؟ هل أكون أنا ؟ أم هم ؟... لقد علمني ذلك أن هذه الأشياء تنتهي. وكل ما ينبغي لك القيام به هو تجاهلها. غير أنها رحلة طويلة. ولهذا تبدو الملاحم البطولية القديمة جديرة بالقراءة.

«على الرغم من هذه القصص تظهر في رواياتها الأخرى، إلا أنها تأتي بالإضافة إلى ذلك في إحدى رواياتها المكتوبة للأطفال، رواية «ملك كابري» التي تستند إلى البناء القصصي الأسطوري الذي يتحول إلى شيء حقيقي بالاستعانة ببعض التفاصيل الواقعية.

حقائق عن ونترسون

ـ جانيت ونترسون روائية وكاتبة بريطانية معاصرة.

ـ من مواليد مانشستر1959. تنحدر من الطبقة العاملة. تلقت تعليمها الجامعي في جامعة أكسفورد البريطانية.

ـ يصنف بعض النقاد أعمالها الروائية ضمن تيار الواقعية السحرية على الرغم من نفيها هذا التصنيف، إضافة إلى ما تتميز به أعمالها من نكهة ما بعد حداثية.

ـ أولى أعمالها الروائية «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» 1995. حائزة على جائزة وايتبرد. من أهم رواياتها: «ثقل» 2005، «الرغبة»، «تجنيس الكرز»، «تدبير الفنار» 2004»، «مكتوب على الجسد»