مؤلف هذا الكتاب د. وهيب أبي فاضل استاذ وكاتب لبناني من أبرز مؤلفاته «حضارات الشرق القديم» (1985)، «هنيبعل» (1992)، «تطور تعليم التاريخ في لبنان» (1993)، «شارل ديغول رجل الرؤية والموقف» (1995)، «تاريخ لبنان المعاصر» (2002)، «موسوعة عالم التاريخ والحضارة «10 أجزاء(2003)، وأخيرا «لبنان في مراحل تاريخه الموجزة» الذي فيه قصة وجود الإنسان في لبنان منذ عصور ما قبل التاريخ حتى اليوم.
قرأ الأحداث بعمق وكتب فيها بحيث لم يقتصر عمله على الأحداث السياسية بل تناول الأعمال الحضارية من أوضاع اجتماعية واقتصادية وفكرية وفنية، مستعينا بعدد من الصور والمستندات للمزيد من الإيضاح، مختصرا في القديم والوسيط ليتوسع أكثر في التاريخ الحديث والمعاصر، كل ذلك بطريقة علمية، وبأسلوب واضح وموجز، متحاشيا إغراق القارئ في التفاصيل الهامشية، بل يصف الأحداث الأساسية التي تلاحقت وتفاعلت، حتى وصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم.
في «لبنان في مراحل تاريخه الموجزة»، يأخذ الدكتور وهيب أبي فاضل القارئ بأسلوب بسيط، إلى لبنان في عصور ما قبل التاريخ حيث وجدت بقايا طفل في إحدى مغاور بلدة انطلياس شرق بيروت، عاش منذ حوالي 35 ألف سنة. وفي الألف الثامن عرف هذا اللبناني الزراعة وتدجين بعض الحيوانات وتربيتها وصنع الفخار وتأمين السكن، ليبدأ منذ ذلك الحين حياة الاستقرار بدل الترحال »
وكانت في لبنان مراكز سكنية عديدة خلال العصر الحجري، لا سيما في وديان أنهار قاديت، إبراهيم، الكلب، الأولي والليطاني... وعلى الساحل خصوصا في عمشيت، عدلون، جبيل، صيدا وبيروت»، وصولا إلى عصر التاريخ الذي بدأ في لبنان منذ الألف الرابع مع وصول الكنعانيين (الذين هم أجداد الفينيقيين) والحضارة والفينيقيون والبحر ومعهم بدأ الإنسان يترك آثارا مكتوبة أصبحت مستندات للتاريخ.
وهكذا عصرا بعد عصر، يتناول الدكتور وهيب أبي فاضل تاريخ لبنان في 34 فصلا وثلاثة مراجع هي: حكام لبنان من القرن السادس عشر حتى اليوم، جدول بأسماء رؤساء الجمهورية وجدول بأسماء رؤساء الوزارة، متنقلا من لبنان الرومانيين إلى لبنان والعرب والحركة الصليبية والمماليك والعثمانيين فالمعنيين والشهابيين وعهد الفتن والمتصرفية والهجرة والنهضة الفكرية ليحط في لبنان القرن العشرين بدءا من دولة لبنان الكبير (1920 ـ 1926) إلى عهد الرئيس الحالي إميل لحود.
ينطلق الدكتور وهيب أبي فاضل في مؤلفه من معادلة معرفية واجبة مؤكدا أن من أبسط واجبات الإنسان، بل من حقوقه أن يعرف تاريخ البلاد التي يعيش فيها، ويفهم المجتمع الذي يأتي منه.
«إن معرفة جغرافية البلاد وتاريخ شعبها ليست مجرد ظاهرة ثقافية، بل هي واجب وضرورة حتى ينشأ المواطن الصالح الذي يحب بلاده عن قناعة ويخدمها بمعرفة، وحتى يعرف كيف يتعامل مع الآخرين»، وعلى هذه المعادلة يسرد الكاتب قصة البلاد التي أصبحت لبنان الذي لم يكن دائما بحدوده الحاضرة، ولا بتركيب سكانه ولا بنظامه السياسي، بل عرفت أرضه عبر التاريخ شعوبا متعددة وحضارات مختلفة.
كذلك تبدّلت حدوده وأنظمة الحكم فيه مرات عديدة، تعرّض لغزوات وحكمته شعوب... لكن ظلت له شخصية معينة تميّزه، شكلت نواة الشعب منذ قبل التاريخ. ثم مع الفينيقيين، ثم تلاحقت شعوب وحضارات، تفاعل معها اللبناني، فأخذ منها وأعطاها واستوعبها في النهاية حتى أصبح على ما هو عليه اليوم.
وعندما يخبر الكاتب تاريخ لبنان واللبنانيين فانه يحكي في الوقت نفسه عن تاريخ شعوب وحضارات شرق أوسطية غزت هذه الأرض وحكمتها بفعل القوة التي كانت وتستمر حتى الآن العنصر الطاغي والمحرك للأحداث التاريخية، وهذه القوة ليست بالضرورة عسكرية فهي أيضا سياسية واقتصادية.
لقد عرف لبنان الفينيقي مصر الفرعونية وعقد معها اتفاقيات وكذلك فعل مع حضارة ما بين النهرين (العراق اليوم) والفرس (إيران)، فاليونان والروم والبيزنطيين، وصولا إلى العصور العربية وتسلسلها من عهد الخلفاء الراشدين إلى الأمويين فالعباسيين. فإلى عهد الدويلات من فاطميين وحمدانيين وسلاجقة، ثم الحملات الصليبية والأيوبيين فالمماليك، وقد كان لبنان خلالها تابعا لهذه الدولة أو تلك، حتى قيام الإمبراطورية العثمانية التي حكمت لبنان ما يزيد عن الأربعة قرون من خلال أسر إقطاعية لبنانية أصيلة ، برز منها المعنيون ثم الشهابيون.
وفي أواسط القرن التاسع عشر ازداد التدخّل الأجنبي في شؤون الدولة العثمانية، وانعكست خلافات هذه الدول ومطامعها على لبنان، وبغياب السلطة المركزية القوية والتطورات الاجتماعية التي عرفها العالم في القرن التاسع عشر، انفجرت الخلافات الاجتماعية في لبنان واتخذت في بعض مراحلها طابعا طائفيا،
لكن تمسّك اللبنانيين بشخصيتهم المميزة أدى إلى قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920 التي رحّب بها البعض فيما اعتبر البعض الآخر أنها مفروضة فرضا، فدار نقاش وتشاور حتى توّصل اللبنانيون إلى صيغة عيش مشترك من خلال الميثاق الوطني، وبالتفاهم والاتحاد تحقق الاستقلال التام والناجز في عام 1947 بخروج آخر جندي فرنسي عن أراضيه.
غير أن هذا الاستقلال تعرّض لنكسات متوالية لظروف داخلية وخارجية على السواء. الدكتور أبي فاضل يشير إلى الإشكالات اللبنانية الداخلية.
ويرى أن رغم ما تحقق في لبنان من انجازات ومقومات «فإننا نجد في اللبنانيين مظاهر متناقضة، ففيما نجد حضارة عريضة وميلا جامحا إلى العلم واقتباس كل جديد وانفتاحا على العالم وطموحا واسعا وتحديا للمصاعب بحثا عن العمل وعن النجاح في مجالات العمل. نجد من جهة ثانية بروز الروح الفردية والنفور من عمل الجماعة وحب الظهور حتى لو كانت المظاهر مصطنعة.
وأيضا يتميز اللبنانيون بعدم احترام القوانين وحتى التهرب من الواجبات الوطنية.. ولعل ذلك يرجع إلى كون لبنان يحتضن شعبا قديما، عريق الحضارة. لكنه دولة فتية بل حديثة العهد لم يمر الوقت الكافي لتكوين المواطنية الكاملة، أو لأن اللبناني ارتاح إلى قوة خارجية تشرف على سلوكه السياسي.
وفي المحصلة، أنجز الدكتور وهيب أبي فاضل كتابا تاريخيا مبسطا عن لبنان تناول فيه أخبار الماضي منذ القديم حتى اليوم بصورة موجزة وواضحة «حتى يعرف أبناؤنا ما لا يجوز أن يجهلوه من تاريخ بلادهم» كما ذكر الكاتب في المقدمة.
فيوليت غبرو
الكتاب: لبنان في مراحل تاريخه الموجزة
تأليف: د. وهيب أبي فاضل
الناشر: مكتبة أنطوان ـ بيروت 2005
الصفحات: 480 صفحة من القطع المتوسط
