ساهم في تأليف هذا الكتاب كل من الباحثين الأميركيين ستيفان هالبير وجوناثان كلارك، الأول هو أميركي بالفعل وقد كان مساعداً لوزير الخارجية في عهد رونالد ريغان، وأما الثاني فهو انجليزي في الواقع وقد كان دبلوماسياً مهماً فيما مضى. وبالتالي فالرجلان لا يمكن اتهامهما باليسارية أو حتى بالانتماء إلى الحزب الديمقراطي الأميركي أو حزب العمال الاشتراكي الانجليزي، ونقدهما اللاذع للرئيس بوش وإدارته صادر عن مواقف يمينية محافظة أيضاً ولكنها مضادة لسياسة المحافظين الجدد بشكل واضح،

وبالتالي فنقدهما للسياسة الحالية أكثر مصداقية لأنه آت من طرف مقرب من بوش لا مضاد له من حيث المبدأ. والأطروحة الأساسية لهذا الكتاب هي التالية: عندما انتخب جورج دبليو بوش لأول مرة كان غراً في السياسة الخارجية وذا تجربة محدودة جداً، ثم جاءت ضربة 11 سبتمبر لكي تخل توازنه تماماً.

وعندئذ عرف التيار المحافظ وعلى رأسه ديك تشيني ورونالد رامسفيلد كيف يسيطران عليه ويوجهانه في الاتجاه الذي يريدانه. وبما أن المنظر الأكبر للمحافظين الجدد كان نائب رامسفيلد في وزارة الدفاع، أي بول وولفويتز، فإن السياسة الخارجية لأميركا، أصبحت في يد هؤلاء المتطرفين الذين يغامرون بمصير العالم ويريدون تشكيله على هواهم، وعن هذا التيار نتجت مغامرة الحرب في العراق وما تلاها من تفاعلات وانهيارات وتفجيرات لاتزال مستمرة حتى هذه اللحظة.

ثم يردف المؤلفان قائلين: إن هؤلاء المحافظين الجدد والراديكاليين والمتعصبين نجحوا في اقناع بوش الأبن بالتخلي عن وعوده الانتخابية التي كان قد قطعها على نفسه أثناء الحملة الرئاسية.

ومعلوم انه كان ينتمي إلى التيار الوسطي المعتدل الذي ينتمي إليه أبوه. وهو تيار واقعي يعتمد على سلاح المفاوضات في السياسة الخارجية، أما تيار المحافظين الجدد فلا يؤمن إلا بالقوة والضرب كلغة وحيدة مع الآخرين. وهم يريدون تفكيك الدول القائمة وخلق دول أخرى محلها بقوة السلاح الأميركي الضارب.

ثم يردف المولفان قائلين: ان الحرب على العراق أضرت بسمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها كثيراً، والآن تجد أميركا نفسها على مفترق الطرق، فإما ان تتعاون مع الآخرين لتنظيم شؤون العالم وفرض النظام عليه، وإما ان تغامر وحيدة في سياستها الخارجية التي لم تحقق النجاح المرجو حتى الآن. فبما أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم فإن الفشل ممنوع بالنسبة لها، واذا ما فشلت في العراق فسوف تفقد ماء الوجه أمام العالم اجمع وسوف تفقد هيبتها ومصداقيتها.

ويرى نائب وزير الخارجية الأميركية في عهد رونالد ريغان ستيفان هالبير أن أغلبية الأميركان يعارضون السياسة الخارجية الحالية التي يتبعها الرئيس بوش، وهم يطالبون بإعادة التوازن إليها، بمعنى آخر فإنهم يطالبون بالانتقال من مرحلة أحادية القطب إلى مرحلة تعددية الأقطاب.. أي ان يستشير بوش قادة العالم الآخرين وألا يستفرد بعد اليوم بالشؤون الدولية. فهناك قوى أخرى في العالم غير أميركا كروسيا والصين وفرنسا وألمانيا والهند واليابان والبرازيل والمكسيك، الخ.. ومن مصلحة الولايات المتحدة أن تتحمل معها مسؤولية هموم العالم الكبرى.

وعندئذ إذا ما حصل فشل فسوف تقع مسؤوليته على الجميع لا على كاهل أميركا وحدها. ثم يردف ستيفان هالبير قائلاً: لقد ذهبنا إلى الحرب في العراق بناء على ادعاءات خيالية أو طوباوية. وقد دفعنا إليها المحافظون الجدد دفعاً. هذا في حين أن مصير العراق كان قد أصبح بين أيدينا. وكان بإمكاننا أن نتصرف به كما نشاء وبطريقة أخرى غير الحرب العلنية.

كنا قد فرضنا حصاراً على صدام حسين في كل النواحي، وكنا نسيطر على أجواء العراق طبقاً لقرارات الأمم المتحدة، كنا قد فرضنا عليه تصدير البترول مقابل الغذاء ضمن شروطنا. بمعنى آخر كنا قد أمسكنا بخيوط المشكلة العراقية من كل النواحي ولسنا بحاجة إلى إعلان الحرب عليه للتحكم بمصيره وسياسته.

فإذا بهؤلاء الغامرين المتهورين من المحافظين الجدد يجبروننا على الحرب التي كلفتنا عشرات الأضعاف في الأموال والخسائر البشرية.. كنا نستطيع أن تحقق كل غاياتنا بالسلم دون أن نطلق رصاصة واحدة. ثم يحمل البروفيسور ستيفان هالبير على وسائل الإعلام الأميركية وكذلك على مجلس الأمن القومي وبعض المؤسسات الأميركية الأخرى لأنها لم تعترض على الحرب ولم تشر إلى نقص الخبرة عند الرئيس الأميركي فيما يخص شؤون الشرق الأوسط.

فقد كان الرئيس بوش يعتقد أن الجنود الأميركان سوف يستقبلون بالزغاريد وأكاليل الزهور بمجرد دخولهم إلى بغداد! ولكنه فوجيء بعدئذ بشيء آخر.. نعم لقد خدعه المحافظون الجدد وغرروا به. أما البروفيسور الانجليزي جوناثان كلارك فيعتقد أن الكتاب نجح في نزع هالة الأسطورة عن وجه المحافظين الجدد الذين يحيطون بالرئيس الأميركي. كما وكشف الكتاب عن النواقص ونقاط الضعف التي تعاني منها وسائل الإعلام الأميركية التي أيدت الحرب في معظمها دون أن تفكر بعواقب مثل هذا العمل.

ثم يحمل الباحث والدبلوماسي الانجليزي على الحكومة البريطانية التي انخرطت في الحرب بدون تفكير على الرغم من إنها تعرف شؤون الشرق الأوسط جيداً. فانجلترا ذات خبرة بقضايا المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص لأنها استعمرته، بل وهي التي شكلته في حدوده الحالية أيام تشرشل.

وبالتالي فكانت تعرف ماذا تفعل وفي أي منطقة تنخرط على عكس الرئيس الأميركي الجاهل بكل شيء.. ولهذا السبب فإن مسؤوليتها أكبر. والواقع إن هدف المحافظين الجدد من شن هذه الحرب كان يتمثل في ثلاثة أشياء: تقوية الهيمنة الأميركية على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، السيطرة على الشرق الأوسط الغني بالبترول والغاز، تقوية مواقع إسرائيل في المنطقة من أجل فرض تسوية مناسبة لها.

وهذا المخطط كان جاهزاً قبل شن الحرب على العراق بزمن طويل. بل وقد عرضوه على الرئيس بيل كلينتون في التسعينات ولكنه رفضه بعد أن سخر منهم ومن أحلامهم المجنونة. ثم جاءت ضربة (11) سبتمبر لكي تعطيهم الفرصة الذهبية لتنفيذ مخططهم. وبالتالي فلولا بن لادن لما كان هناك محافظون جدد ولربما ما كان العالم سيسمع باسمهم.

لكن من هم هؤلاء المحافظون الجدد يا ترى؟

إنهم مجموعة من المثقفين السياسيين الأميركان الذين كانوا يساريين في البداية ثم انقلبوا على مواقعهم السابقة وأصبحوا من أشد المؤيدين لرونالد ريغان وسياسته المتشددة تجاه الاتحاد السوفييتي. وهم يعتقدون أن هذه السياسة المتشددة هي التي أطاحت بالاتحاد السوفييتي وجعلت أميركا تنتصر عليه بعد نصف قرن من الحرب الباردة.

وبالتالي فإن سلاح القوة لا سلاح الدبلوماسية والمساومات هو الذي يعطي مفعوله. ربما أن الولايات المتحدة هي أعظم قوة عسكرية وتكنولوجية في العالم، فإنه يحق لها أن تستخدم هذه القوة لنشر مبادئها الديمقراطية وقيمها الأساسية في العالم وتغيير خارطة العالم السياسية بشكل يتناسب مع مصالحها.

ويحين لها أن تسقط الأنظمة وتبني الأنظمة على هواها. وبالتالي فأول شيء ينبغي فعله هو إسقاط الأنظمة المارقة في العراق وليبيا وإيران وسواها من البلدان.

وقد ابتدأوا تجربتهم في العراق بعد أفغانستان، ولكن حالة أفغانستان كانت مختلفة، فبعد أن أصبحت معقلاً لجماعة القاعدة التي قامت بضربة (11) سبتمبر الإرهابية الشنيعة، فإنه يحق لأميركا أن تنتقم منها. ولذلك وافق العالم كله تقريباً على إسقاط نظام الطالبان هناك، وطرد جماعات القاعدة والإرهاب. وذهبت أميركا إلى الحرب هناك بقرار من الأمم المتحدة. أما في العراق فالوضع كان مختلفاً. ولكن ينبغي العلم بأن المحافظين الجدد كانوا قد خططوا لقلب نظام صدام حسين منذ عام 1990. وقد أسفوا جداً لأن الرئيس بوش الأب لم يسقط هذا النظام عن طريق إرسال جيشه إلى بغداد بعد تحرير الكويت.

وكان ذلك أمراً سهلاً بالنسبة له، ولكنه بعد لحظة تردد تراجع عن ذلك لأسباب شتى. ويقف على رأس المحافظين الجدد شخصيات عديدة من أمثال بول وولفويتز، وريتشارد بيرل، وبيل كريستول، وروبرت كاغان، وآخرين عديدين. وهم يعتقدون أن من مصلحة أميركا تغيير الخارطة السياسية للشرق الأوسط لكي يستتب السلام فيها. ومعظمهم أقرب إلى حزب الليكود الإسرائيلي.

وبالتالي فكل القوى المضادة للسلام العربي ـ الإسرائيلي ينبغي أن تُسحق هناك، وهذا ما فعلوه أو ابتدأوا يفعلونه. فهم يعتقدون أن استمرارية هذا الصراع إلى ما لا نهاية تضر بمصلحة أميركا. وبالتالي فلا بد من وضع حد له، ولكن المشكلة هي أنهم ينظرون إلى الأمور من وجهة المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى لا المصالح الأميركية. وقل إنهم يخلطون بين كلتا المصلحتين.

ولهذا السبب فإن الطاقم السياسي الأميركي التقليدي ناقم عليهم، فهذا الطاقم يعتقد أن من مصلحة أميركا انتهاج سياسة متوازنة في المنطقة بين العرب والإسرائيليين. فالعرب يحبون التعامل مع الولايات المتحدة بشرط ألا تحتقرهم أكثر مما يجب وألا تميل إلى سياستها نحو أعدائهم أكثر من اللزوم.

وهذا الكتاب ما هو إلا صرخة احتجاج ضد اختلال التوازن الحاصل في السياسة الأميركية تحت ضغط المحافظين الجدد.

إنه يدعو القيادة الأميركية إلى فتح عينيها على حقائق العالم وتغيير سياستها المغامرة، بل والمتهورة، وإلا فإن أميركا ستجد نفسها وحيدة في مواجهة العالم كله.

الكتاب: أميركا وحيدة: المحافظون الجدد والنظام العالمي

تأليف: ستيفان هالبير وجوناثان كلارك

الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2005

الصفحات: 369 صفحة من القطع الكبير

AMERICA ALONE:THE

NEO- CONSERVATIVES AND THE

GLOBAL ORDER

STEFAN HALPER

CAMBRIDG UNIVERSITY

JONATHAN CLARKE

P. 369