مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي لورانس زايرينغ الذي يعتبر أحد كبار الاختصاصيين في الشؤون الباكستانية قديماً وحديثاً. وكان قد زار البلد لأول مرة بعد تأسيسها عام 1950 وتابع أحوالها على مدار أكثر من نصف قرن. والبروفيسور زايرينغ هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميتشيغان بالولايات المتحدة الأميركية.
وكان قد نشر سابقاً عدة كتب عن الباكستان نذكر من بينها: باكستان في عهد أيوب خان (1971)، وباكستان نظرة على المدى الطويل (1977) وباكستان: سر التطور السياسي 1980.. إلخ. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف بانوراما شاملة عن باكستان على مدار نصف القرن المنصرم. وهو يدرس أحوالها من كافة النواحي الجغرافية، والتاريخية، والدينية، والسياسية، هذا بالإضافة إلى علاقاتها الخارجية.
ومنذ البداية يتحدث المؤلف عن ولادة باكستان ويقول بما معناه: ان فكرة انفصال الأقاليم الإسلامية عن الهند وتشكيل دولة الباكستان كانت قد ظهرت لأول مرة على يد الشاعر الكبير محمد إقبال (1887 ـ 1938). وكان ذلك أثناء محاضرة ألقاها في المؤتمر السنوي العام للجامعة الإسلامية في لاهور عام 1930. ولكن يبدو أن الفكرة كانت موجودة سابقاً وان بشكل غامض. فهم يعزونها إلى سيد أحمد خان (1817 ـ 1889) المفكر الإسلامي الهندي الشهير وأحد كبار المصلحين في تلك الحقبة من التاريخ.
ولكن لم يتح للفكرة ان تطبق على أرض الواقع الا بعد الحرب العالمية الثانية. والواقع ان الانجليز كانوا قد قرروا ترك الهند بدءا من عام 1945، وقد اصطدموا منذ عام 1946 بانقسام البلاد إلى معسكرين: معسكر المسلمين من جهة، ومعسكر السيخ والهندوس من جهة اخرى، فالجامعة الإسلامية واصلت مطالبتها بتشكيل دولة مستقلة في المناطق الهندية ذات الأغلبية الإسلامية.
وعندما عرفت الأغلبية الهندوسية ان المسلمين يريدون الانفصال عنها حصلت معارك ومجازر بين الطرفين، فالهند كانت تريد ان تبقى موحدة في ظل حكم حزب المؤتمر وقيادة غاندي وجواهر لال نهر، ولكن القادة المسلمين كانوا يريدون الانفصال وقد دعم البريطانيون فكرة التقسيم وتشكيل دولة خاصة بالمسلمين وحدهم على الرغم من معارضة غاندي ونهرو للفكرة.
وهكذا تأسست دولة الباكستان يوم 15 أغسطس عام 1947 على الرغم من أنف الهند، وأصبحت عضوه في الكومنولث مثلها في ذلك مثل الهند المستقلة.
ثم انقسمت الدولة الجديدة أي دولة الباكستان، إلى قسمين متمايزين وبعيدين عن بعضهما البعض بمسافة ألف وسبعمئة كيلومتر. فالباكستان الشرقية أصبحت لاحقا دولة بنغلاديش، والباكستان القريبة المشكلة من أقاليم السند والبنجاب الغربية وسواها أصبحت هي الباكستان الحالية.
وقد أدت هذه العملية إلى تهجير قسم كبير من مسلمي الهند إلى الباكستان وتهجير قسم كبير من الهندوس والسيخ من الباكستان إلى الهند، ولم يتم ذلك بدون نزيف وسفك دماء ومجازر مرعبة أودت بحياة نصف مليون شخص على الأقل. وبالتالي فولادة باكستان كانت عسيرة فعلاً.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن هذه الأحداث الطائفية لم تنته بعد التقسيم وولادة الدولة الجديدة بسبب بسيط هو: ان ثلث المسلمين بقوا في الهند بعد عام 1947 ولم يهاجروا إلى الباكستان، وكذلك بقي قسم من الهندوس والسيخ في المناطق التي تحولت إلى دولة الباكستان، ولهذا السبب فان المشكلة الطائفية لاتزال مطروحة في الهند بين المسلمين والهندوس، وأحيانا تشتعل على هيئة اضطرابات ومجازر.
يضاف إلى ذلك ان منطقة كشمير المتنازع عليها لاتزال تثير الحروب والتوترات بين البلدين. فالهند سيطرت على ثلثي كشمير على الرغم من أن المسلمين فيها يشكلون 78% من عدد السكان، وهذا الوضع هو سبب المشاكل بين البلدين على مدار نصف القرن المنصرم، وقد أوشكا أكثر من مرة على الحرب الكبرى وحبس العالم أنفاسه خوفا من استخدام الأسلحة الذرية.
نقول ذلك وبخاصة ان كليهما يمتلك القنبلة وقد استخدمت الولايات المتحدة كل نفوذها لمنع اندلاع الحرب. ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن محاولة إقامة نظام ديمقراطي في الباكستان ويقول: منذ البداية عانت الباكستان من عدم الاستقرار السياسي، كما واجهت صعوبات اقتصادية ضخمة، فالمؤسس محمد علي جناح مات عام 1948،
أي بعد سنة واحدة من تأسيس دولة الباكستان واما رئيس الوزراء لياقة علي خان فقد تم اغتياله عام 1951 على يعد متعصب أفغاني وبعد غيابهما عن الساحة عانت البلاد من عدم وجود شخصيات كبرى تعرف كيف تقودها. ولم يبق في الساحة إلا رئيس وزراء يدعى نظام الدين 1951 ـ 1953، وآخر يدعى محمد علي 1953 ـ 1955 وأشباههما.
ثم تعاقبت الوزارات والحكومات المختلفة على البلاد دون ان تستطيع حل مشاكلها الاقتصادية وانتشر الفساد في الأوساط الحكومية، وأصبح الهم الأول للحكام، ان يغتنوا لا أن يحلوا مشاكل الشعب. وعندما فشلت الحكومة في حل مشاكل الباكستان الشرقية كلف رئيس الجمهورية قائد الجيش محمد أيوب خان بتهدئة الأوضاع.
وعلى هذا النحو حصل تدخل الجيش في السياسة وانتقلت زعامة البلاد تدريجياً من المدنيين إلى العسكريين، ولكن قبل ذلك بقليل كانت الباكستان قد أصبحت أول جمهورية إسلامية في العالم. ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1958 قام الجنرال محمد أيوب خان بانقلاب عسكري، واستلم السلطة في البلاد.
وكانت بداية استلام العسكر للسلطة، ولكنها لن تكون النهاية لأنه ستتلو هذا الانقلاب انقلابات عديدة، حتى انتهى الأمر أخيراً إلى الجنرال برويز مشرف. وينبغي الاعتراف بأن الحكم العسكري قام بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية. فهو الذي قام بالإصلاح الزراعي ووزع الأراضي على الفلاحين. وهو الذي وضع قيوداً على تعدد الزوجات وتطليق المرأة بشكل تعسفي. وهو الذي صوَّت على دستور جديدة عام 1962، حيث تم الاعتراف بلغتين رسميتين للبلاد: اللغة البنغالية، ولغة الأوردو. وعندئذ تم نقل العاصمة إلى إسلام آباد.
ولكن الاضطرابات الشعبية والسياسية استمرت في باكستان الشرقية. وقل الأمر ذاته عن منطقة كشمير، حيث حصلت حرب سريعة بين البلدين عام 1965. وعندئذ دعا الاتحاد السوفييتي كلاً من رئيس وزراء الهند «بهادور شاستري» ورئيس جمهورية باكستان إلى الالتقاء والتوقيع على تصريح مشترك. ولكن مشكلة كشمير لم تحل.
ولذلك فإن وزير الخارجية ذو الفقار علي بوتو، استقال احتجاجاً على هجران كشمير، والتخلي عنها. ومعروف أنه كان زعيماً لحزب الشعب الباكستاني ذي الاستلهام الاشتراكي.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1969 استقال الرئيس أيوب خان من منصبه على إثر الاضطرابات الخطيرة التي حصلت عام 1968. وحل محله الجنرال محمد يحيى خان الذي أعلن حظر التجول وطبّق الأحكام العرفية على البلاد. ثم تفاقمت المشاكل في باكستان الشرقية عام 1970 عندما انتصر الحزب الذي يدعو إلى استقلال بنغلاديش في الانتخابات التشريعية، ونال 153 مقعداً في البرلمان من أصل 167. وفشلت الجامعة الإسلامية التي تدعو إلى وحدة شطري باكستان فشلاً ذريعاً.
وفي عام 1971 أعلنت باكستان الشرقية استقلالها تحت اسم: بنغلاديش. وعندئذ اندلعت الحرب الأهلية بين شرق البلاد وغربها. وأدت هذه الحرب الضارية إلى نزوح عشرة ملايين إلى الهند هرباً من المعارك. وقتل في هذه الحرب مئات الآلاف من المدنيين. وعندئذ تدخلت الهند في الحرب ودعمت بنغلاديش، ثم أرسلت قواتها إلى البلاد لمواجهة القوات الباكستانية. وكانت تلك الحرب هي الثالثة بين البلدين.
ولكن القوات الباكستانية هزمت بسرعة وأعلنت استسلامها على كل نقاط الجبهة. ثم أطلق سراح الزعيم مجيب الرحمن من السجون الباكستانية. وعاد إلى بنغلاديش لإعلان استقلالها. واضطرت الباكستان للاعتراف بالدولة الجديدة عام 1974 بعد أن اعترفت بها معظم دول العالم.
بعد الهزيمة العسكرية تجاه الهند اضطر الجنرال يحيى خان إلى الاستقالة، وحل محله ذو الفقار علي بوتو، الذي حكم الباكستان خمس سنوات من عام 1972 إلى عام 1977. وقد حقق الكثير من الإصلاحات الداخلية في المجال الزراعي والصناعي والتأميمات، إلخ.
ولكن الجنرال الأصولي ضياء الحق كان له بالمرصاد. فلم يعجبه التوجه الاشتراكي أو التحديثي لرئيس الوزراء علي بوتو، ولذلك قام بانقلاب عليه واعتقله بل وأعدمه شنقاً عام 1979. ثم حلّ هذا الجنرال المتزمّت الأحزاب السياسية في البلاد، وأخذ يحكمها بشكل استبدادي فردي مطلق. وراح يفرض النظام الأصولي المتشدد على البلاد وتدريجياً.
ولكن المعارضة راحت تنظم صفوفها وتقوم برد فعل قوي على النظام الديكتاتوري مطالبة الدولة إلى الديمقراطية وإلغاء الأحكام العرفية، وإعادة الحريات السياسية إلى البلاد، وكذلك فتح أبواب البرلمان من جديد. وكان رد الجنرال الديكتاتوري على ذلك هو المزيد من القمع.
والواقع أنه كان يحظى بدعم الأميركان الكثيف وبخاصة بعد غزو أفغانستان من قبل الرئيس الروسي عام 1979. ولكن القدر شاء أن يتخلص الشعب منه بحادث طائرة ذهب فيه أيضاً السفير الأميركي مع جنرال أميركي آخر، وثمانية وعشرون ضابطاً باكستانياً كبيراً. وعلى هذا النحو كانت نهاية ضياء الحق.
الكتاب: باكستان في القرن العشرين تاريخ سياسي
تأليف: لورنس زايرينغ
الناشر: مطبوعات جامعة أوكسفورد2005
الصفحات: 658 صفحة من القطع المتوسط
PAKISTAN IN THE TWENTIETH
CENTURY: A POLITICAL HISTORY
LAWRENCE ZIRING
OXFORO UNIVERSIT PRESS 2005
P. 658
