في إحدى قصصه يذكر أنطون تشيخوف أن رجلاً وجد ذات يوم ورقة نقدية وهو يسير في الشطريق، فأعجبه حال السير وهو ينظر إلى الأرض بحثاً عن قطع نقدية أخرى، وقد أمضى وقتاً طويلاً من حياته على هذا المنوال، وفي النهاية قام بعملية جرد لحصيلة ما عثر عليه، فوجد عشرات الأزرار ومثلها من الدبابيس وبعض الكوبيكات «عملة روسية صغيرة» ومجموعة مناديل وظهراً محدودباً، وعمراً ضاع هباءً!
جردة ذلك الرجل كانت دليلاً على تمسكه بأحلام اليقظة وعلى مجافاته للشموخ والأمل اللذين يرتبطان بالنظر إلى الأعلى، الأفضل، المستقبل. تلك القصة سقناها لنبرر سؤالنا عن عدد الكتب التي قرأناها ونحن نقترب من نهاية عام ومجيء عام جديد.
ترى هل يخشى بعضنا من الإجابة لأنه لم يقرأ كتاباً طيلة تلك السنة وهل يخشى آخر من القول ان علاقته انقطعت مع الكتاب منذ انتشار التقنيات المرئية في عصر ثورة الاتصالات.
ستكثر الإجابات السلبية في هذا الشأن وستقل الايجابيات نظراً للمسافة الكبيرة التي أصبحت بين الناس والكتاب، حيث تعددت مشاغل ومتاعب البشر وكثرت أعباؤهم وزاد عملهم ولم يبق لهم من الوقت إلا القليل، وذلك القليل يصرف أمام الشاشة الصغيرة ، حيث تقودك المحطات الفضائية إلى عالم من أحلام اليقظة نظراً لما تقدمه من جُمل بصرية خادعة ليست من الحقيقة في شيء كما انها تحجب عن الإنسان المعرفة والثقافة فيصبح حاله حال ذلك الذي أمضى عمره يبحث عن النقود فاحدودب ظهره وضاع عمره.
لو منحنا الكتاب ربع الوقت الذي نمنحه للتلفزيون لفاز الإنسان برصيد كبير من الثقافة والمعرفة ولتمرّن عقله وتدرب صبره وقلت شكواه من البدن لأن العقل سليم، غير ان الناس بطبعهم يستعْدون الكتاب لما يمثله في أذهانهم من ذكريات غير لطيفة عن معلمٍ قاس يأمرهم بتكرار الواجبات، وعن آخر يأمرهم باستظهار القصائد، وثالث يعاقبهم جسدياً لو أخطأوا في تهجئة إحدى الكلمات.
إلا ان ذلك الكتاب كان مصباحهم ليصيروا إلى ما صاروا إليه اليوم ولو أعطوه وقتاً أطول لأصبحوا في حال أفضل مما تحقق. إن حساب العام لا يتمثل بجملة نصائح عن القراءة أو عن اقتناء الكتب، بل الحساب في ما نفع ما قرأناه وفي ما استثمرناه وماذا جنيناه من حصيلة تلك المعارف. نعلم سلفاً ان جردة الكتاب لن تكون لصالحه ولكنها ضرورية فمازال هناك متسع من الوقت يمكن للإنسان ان يستفيد فيه من زاد الثقافة وان يعوض كثيراً مما فاته.
ترى كم كتاباً قرأنا هذا العام ؟