مؤلف هذا الكتاب هو «ريمي ريفل» الدكتور في الآداب والعلوم الإعلامية، والذي يدرس اجتماعيات الاعلام في جامعة باريس الثانية وكان مديراً للمعهد الفرنسي للصحافة بين أعوام 1994 ـ 1999. ويتميز الدكتور ريفل في دراساته حول الصحافيين والمثقفين، وحول العلاقة بين الوسائل الإعلامية وبين الثقافة، في الوقت الذي قام فيه بتأليف عديد من الكتب من بينها:نيبال (1982)، حرب الجزائر والمثقفون الفرنسيون (1988)، مهنة الصحافة في مطلع عام 2000 (2001)، اجتماعيات وسائل الإعلام (2005).

يكفي ان نتلفظ «بوسائل الاعلام الجماهيري» لكي يطرأ على الذهن إمكانية تفسير كل شيء بها، في حين ان هذا المصطلح مازال غامضاً وملتبساً حتى اليوم. فإذا أردنا الإجابة عن سؤال ما هي وسائل الاعلام، فإن الأمر يتعداها بحد ذاتها ليشمل الاهتمام بالمحيط العام والمجتمع الذي تعمل فيه وتتطور، ومقاربة انتاج ومحتويات ما تبثه وانعكاساتها المختلفة، والكيفية التي يتلقى بها الجمهور بمختلف أنواعه الرسائل الاعلامية، والدور الذي تقوم به ازاء مختلف الفئات الاجتماعية والاحداث بحيث اننا امام مجال معقد متنوع ومتعدد.

وبلاشك ان وسائل الاعلام أصبحت مرافقة لنا في حياتنا اليومية مثلها مثل الأدوات المنزلية التي نستخدمها، وهي تتوغل في جوانب علاقاتنا مع الآخرين عاكسة بذلك التحولات التكنولوجية التي نعيشها والتحولات الاجتماعية التي نعاصرها، انه لا يوجد من يوم واحد دون ان نتصفح جريدة، أو نشعل مذياعاً، أو ننظر إلى البرامج التلفزية، او نذهب إلى السينما أو نفتح على موقع في الانترنت بوجه عام.. باختصار أصبحت هذه الوسائل تتوسط حياتنا كل يوم، وأصبح مبدأ الاتصال واحداً من مميزات نمط حضورنا في العالم.

وبقدر ما ان هذه الوسائل تحررنا وتفتح لنا مجال معرفة ما يجري، وتؤمن تبادل الآراء والمعلومات والنقاش مع الآخرين بقدر ما انها موضوع نقد واسع اليوم، تكفي الإشارة إلى ما يقوله الفيلسوف الفرنسي المعروف «جاك دريدا» حول التلفزيون الفرنسي مثلاً:

«ان تاريخ التلفزيون الفرنسي قد فرض مع تعدد المحطات والتنافس على الإعلانات التجارية، والتعايش الغيور المتوتر بين الأقنية العامة والأقنية الخاصة، العمل على تسوية الخطابات والصور الإعلامية مع مستوى مفترض «خطأ» على أنه مستوى متوسط للمواطنين الفرنسيين العاديين، أي خامل ورديء. فالمسؤولون عن وسائل الإعلام والذين يقومون بصنع المجال العمومي الفرنسي يندرجون في مطاردة الوعي والفكر».

هذا النقد يطرحه بوجه آخر الصحافي الفرنسي «جان فرانسوا كان» قائلاً: «بصراحة لا اعتقد بوجود تفكير أحادي، وإنما بوجود خطاب إعلامي غريب ومسيطر. فمثلاً: هناك نقاط اختلاف واضحة بين صحيفة اللوموند وصحيفة الفيغارو حول الهجرة، ولكن وسائل الإعلام بالنسبة لعامة الناس تتلخص بالراديو والتلفزيون قبل كل شيء، وفي هذا الميدان هناك الشعور بوجود خطاب واحد».

وفي سياق هذا النقد نجد الآراء تتكاثر حول امتلاك وسائل الإعلام لسلطة رابعة موظفة في عديد من الأحيان باتجاه «صنع الرأي العام» «والتلاعب بالوقائع» و«إفساد النقاش العام»، «والتبسيط في القضايا السياسية» و«بحث المؤسسات الإعلامية عن الأرباح» قبل كل شيء.

كيف يمكن تقدير ذلك كله والتفكير عليه بشكل موضوعي، أي دون تحيز ومسبقات؟ كيف يمكن الفصل بين الآراء المبنية والآراء اللامبنية؟ كيف يمكن عزل الاعتقادات الجازمة عن التحليل التمحيصي؟ كيف يمكن توظيف المعارف العلمية والتجارب المتوفرة عن الخواطر والعواطف والانطباعات؟

ان الكاتب وإن كان لا يستهدف تفنيد مختلف الأفكار والمعطيات النقدية التي لا يمكن تجاهلها إلا انه يركز على مسألة القول «بسلطة صحافية» تفسر الظواهر السلبية، وكأن هذه السلطة تتحقق على أرض محروقة ان صح التعبير وتفعل ما تريده بلا حد أو حدود.

فالمشكلة كلها تكمن بمستويات المقاربة والتحليل. هل يمكن القول مثلاً بوجود سلطة لوسائل الإعلام على المجتمع كله، بما يقودنا إلى التعميم والتجريد؟

أم ان هذه السلطة تتعلق ببعض المجموعات الاجتماعية أكثر من غيرها؟ وهل تتحدد سلوكيات الأفراد والجماعات حسبما تريده هذه السلطة التي هي على عكس غيرها من السلطات لا تحتاج شرعيتها من المواطنين كما في السلطة التشريعية مثلاً، وإنما من النظام الديمقراطي الذي يعترف ويكرس حرية التعبير؟

وإذا كانت وسائل الإعلام تتمتع بـ «سلطة رابعة» كما درج القول، أليس الأمر متعلقاً بالمتلقين للصور والبرامج والرسائل الإعلامية المبثوثة، وبالتالي بجملة القيم والمعايير التي يحملونها، وبالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشونها؟

ان الاشكالية قائمة بالأحرى في المفرد اللغوي «للسلطة» الذي يحمل استخدامات ومفاهيم متعددة وغير محددة لماذا؟ لأن هذا المفرد يحيلنا إلى نمط من القوة والسيطرة والخضوع،

وبالتالي هل يمكن حشر وسائل الإعلام في هذا النمط بالذات أم ان القضية قائمة حول «نفوذ الإعلام» باعتبار ان هذا النفوذ ليس إكراهياً، ولا هو قائم على إرادة التسلط، ويتمحور على الاقناع والتأثير والاستقطاب؟ لهذا لابد من الحذر من المفرد اللغوي نفسه، لأننا باستخدامه وباستمرار انما يقوم بقولبة تفكيرنا، بل انه يفكر بدلاً عنا، ويجعلنا أسرى مسبقات ومفاعيل نفسية وايديولوجية بعيدة عن الحقيقة والواقع في أغلب الأحيان.

ووسائل الإعلام فيما تقدم لا يمكن اليوم إخراجها من السياق التاريخي الذي تعمل فيه اليوم. صحيح ان هذه الوسائل تعيش تنوعاً وتخضع إلى تراتبية مرئية أم لا مرئية في العلاقة فيما بينها بحيث ان بعضها يشكل مرجعية بالنسبة للبعض الآخر كما بالنسبة مثلاً لجريدة «اللوموند» أو «الليبراسيون»

في عالم الصحافة المكتوبة الفرنسية، أو كما بالنسبة للقناتين الأولى والثانية الفرنسيتين في مجال التلفزة، وصحيح ان هناك اختلافاً بين الصحافيين من حيث أوساطهم الاجتماعية وأنواع عملهم وكفاءاتهم المهنية، وإن كانوا يشكلون أسرة كبيرة، إلا أنه لابد من القول أن سياقاً تاريخياً يفرض نفسه على مختلف الوسائل الإعلامية، والعاملين فيها، ألا وهو سياق العولمة الإعلامية وهي عولمة اتصالية بالوقت نفسه.

وإذا أخذنا ببعض الآراء فإن العولمة التي اشتقت ككلمة في بدايات القرن العشرين والتي يجد بعض المؤرخين عدداً من وقائعها في مراحل تاريخية سابقة من التبادل بين مناطق جغرافية واسعة، ليست اليوم سوى إعادة تجديد الرأسمالية لنفسها على مستوى العالم كله وضمن معطيات تقانية وسلعية جديدة وتطبيق مفهوم العولمة على الوسائل الاتصالية لا يعني أكثر من توسيع دائرة التبادل والتدفق الإعلامي بكافة صنوفه على مستوى عالمي والتي رمزت لها «سي ان ان» منذ الثمانينات.

وفي هذا الواقع من التداول الاتصالي نجد مختلف الاستراتيجيات بين الشركات المتعددة الجنسية الاتصالية سواء في امتصاص أو احتواء بعضها بعضاً أو سواء في التعاون فيما بينها للبقاء على قيد الحياة، في معطى من التنافس الشرس واحتكار السوق.

إن هذه العولمة تترافق مع إعادة تركيب اقتصادي عالمي يقوم على تصنيع مستمر للنظام الاتصالي والمنتجات الإعلامية والثقافية وبالتالي فإنه ينقسم إلى صناعة تجهيزات (المعلوماتية) وصناعة محتويات (البرامج) وصناعة شبكات (الاتصالات الإرسالية) وفي هذا فإن الجميع يخضع لمنطق الرأسمالي ـ السلعي ـ التجاري.

وهذا المنطق وبالأحرى آلية عمل العولمة تزدوج بآلية أخرى، ألا وهي أن الإعلام الدولي يصور عن بعض البلدان (الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بوجه خاص) أي عن ثلة سكانية باتجاه أكثرية سكانية للمعمورة، حاملاً بذلك ـ أي الإعلام «رؤية غربية» للعالم وتفسيرا وتأويلاً لمشاكله، أي رؤية احادية الجانب، دون أن تعني كثافة وغزارة تدفقه تنوعاً عميقاً حقيقياً فيه.

هل هذا يعني القضاء على ما هو محلي للشعوب بفعل سيطرة امبريالية إعلامية ـ ثقافية؟

يبين المؤرخ الشهير الفرنسي «فرناند برودل» وجود اقتصاد ـ عالم خلق حركة من التجانس لمناطق جغرافية كبيرة في الماضي، ولكن هذه الحركة كانت تتناوب (أو تزدوج) مع حركة من التنافر بحيث ان التاريخ ظل مكاناً للقوى والحركات الجاذبة منها والنابذة. والنتيجة أنه لا يمكن القول بوجود عالم مندمج أو مدموج في النهاية.

وهذا واقعنا اليوم، وبالتالي إذا كان لا يمكن نفي السياق العولمي، فلا يعني ذلك القدرة على تنميط كل شيء، ولابد من الأخذ بعين الاعتبار في المسألة الإعلامية، التوتر القائم بين حركة التجانس العولمية وبين حركة التغاير المحلية حيث تجد كل منطقة نفسها موزعة بين التجريد والتقليد فيها بآن واحد.

ولئن كان بإمكاننا القول بوجود جغرافية جديدة في حركة التبادل الإعلامي اللامتكافئ بين الشمال والجنوب، فإن هناك حركة أخرى تظهر على مستوى الجنوب ـ الجنوب وذلك مع ظهور أقنية فضائية له وإنتاج صناعات ثقافية داخله( الهند، مصر، البرازيل، الصين) لكن الحاجة ما زالت ماسة حتى اليوم بالنسبة للأميركيين ـ اللاتينيين أو للآسيويين أو للعرب.. في ضرورة خلق أسواق جغرافية ـ لغوية أو ثقافية لإعلامهم ومنتوجاتهم الثقافية من أجل ردم الهوة القائمة في التبادل الإعلامي ـ الاتصالي بين الشمال والجنوب.

وفي الواقع الدولي القائم لم يعد بالإمكان التفكير على العالم بمنطق وجود مراكز وأطراف، أي متبوع وتابع، بقدر ما يجب التفكير بمفردات الافتكاك أو التنضوية في المسألة الاتصالية الدولية، وأنه إذا كانت المعمورة قد أصبحت قرية كبيرة من الوجهة التقنية والاقتصادية، فإنها ليست كذلك من وجهة النظر الثقافية، وبالتالي فإن التحدي المطروح على السياق العولمي اليوم يكمن في الاعتراف بالثقافات الأخرى التي لا يمكن اقتلاعها هكذا، وبضرورة التعايش السلمي بين هذه الثقافات، وتدعيم التفاوضية والتفاعل الإيجابي بين أطرافها. هذا التحدي مطروح على وسائل الإعلام والإعلاميين.

والكاتب في مبحثه عن تأثير الإعلام على السياسة والسياسيين، إنما يطرحه على ضوء انتهاء الصورة المثالية التي قدمها النظام الديمقراطي الكلاسيكي في إيجاد علاقة تقوم فيها الوسائل الإعلامية بالربط بين السلطة السياسية وبين المواطنين عبر تشجيعها على النقاش والحوار والمساءلة.

هذا ما دفع «ميشيل روكار» أحد وزراء فرنسا السابقين للإعراب عن دهشته في رؤية «رجال السياسة مكرهين على تبسيط ومسخ تفكيرهم أو تحليلهم لموضوع معقد من أجل تلبية المتطلبات الجديدة للوسائل الإعلامية، فزمن القرار السياسي وانتظار نتائجه لم يعد متوافقاً مع نمط اشتغال وسائل الإعلام التي تنتهج ما هو عاطفي وتبسيطي» وثوري.

هل هذا يعني أن «الاتصال» قد حلّ بتقنياته المعروفة محل السياسة، وأن «الحكم السليم يعني أكثر من 50% تحقيق اتصال سليم» مع جمهور الوسائل الإعلامية؟ كلا وإنما لا بد من الاعتراف بأن هذه الوسائل تمارس ضغطاً على السياسيين ومغنطة لهم في الوقت الذي أصبحت فيه السياسة تمر عبر القنوات الإعلامية اليوم بما يدعم دور هذه القنوات.

فالتأثير المتعاظم للتلفزيون يتبيّن واضحاً في كل دورة انتخابية، 83% من الناخبين أعلنوا عام 1995 اتخاذ قرارهم في التصويت لهذا المرشح أو ذاك انطلاقاً من التلفزيون مقابل 32% انطلاقاً من الصحافة و25% بناء على النقاش مع الأقارب، و32% بناء على الراديو و6% بسبب المعتقدات المذهبية و5% من جراء نتائج استطلاعات الرأي.

ومهما يكن من أمر، فلابد من مقاربة مفعول وسائل الإعلام في هذا المجال بشكل نسبي، لأن «الديمقراطية الالكترونية» مازالت تصطدم بوقائع عنيدة كالتفاوتات الاجتماعية، والآراء الجاهزة، والتمايزات الثقافية، وعدم استخدام الجميع للتقنيات الاتصالية، في حين ان التجارب التي طبقت حول هذه الديمقراطية محلياً (على صعيد البلديات) لم تعط الثمار المرجوة منها حتى اليوم.

الكتاب: ما هي وسائل الإعلام ؟

تأليف: ريمي ريفل

الناشر: غاليمار ـ باريس 2005

الصفحات: 539 صفحة من القطع المتوسط

QUE SONT LES MEDIAS?

REMY RIEFFEL

GALLIMARD - PARIS 2005

P. 539