«معمل هارموني سيلك» رواية للكاتب الماليزي «تاش أو» صادرة عن دار فورث إيستيت للنشر، لندن. وهي رواية تجريبية يحسب لمؤلفها محاولته الخروج على الشكل التقليدي للرواية التاريخية. تتوزع الموضوعات الرئيسية لهذه الرواية على عدد من المحاور المهمة هي الذاكرة، التاريخ، السياسة، الصراع الإثني، الحب، الخيانة والفساد، وهي المشكلات الرئيسية التي يتصدى المؤلف لمناقشتها على نحو واضح يرمي إلى لفت الانتباه إلى واقع الحياة في المجتمع الماليزي المعاصر.
رواية، تاتش أو، حسبما يرى النقاد أول عمل روائي ماليزي مكتوب باللغة الإنجليزية يلقي الضوء على تاريخ المجتمع الماليزي بشيء من الموضوعية. رغم إثارتها العديد من التساؤلات، إلا أن ثمة ما يظهر كسؤال محوري... من هو «جوني ليم» ؟ ولو أخذ القارئ في اعتباره الجانب التاريخي فسيدرك أنه مدعو إلى اكتشاف عالم ما يزال يبدو غامضاً بالنسبة لنا بغض النظر عن شهرته الجغرافية.
منذ نشرها في منتصف 2005 حظيت رواية معمل هارموني سيلك بحضور متميز في عدد من الصفحات المخصصة لمراجعات الكتب في كل من بريطانيا وأميركا، كما حصلت عدد من دور النشر الأجنبية على حقوق تسمح ببيعها في الدول الأوروبية. وهو ما يراه الكثيرون استثنائياً بالنسبة لأول عمل يكتبه مؤلف غير مشهور.
أثناء جولته الترويجية عبر، تاش أو، عن سعيه إلى تغيير الصورة التقليدية للرواية الماليزية التاريخية، وعلى وجه التحديد، التي ظهرت في ثلاثينات وأربعينات القرن المنصرم. وما أخذ عليها من تأثرها الشديد بكتابات سومرست موم عن المنطقة التي كرس من خلالها فكرة (المكان).
من وجهة نظر غربية تفتقر إلى الموضوعية توصف ماليزيا بأنها (الجنة المأهولة بالغربيين (الرجل الأبيض) التي تعيش على هامشها كائنات ملونة غريبة). بدورها تسعى هذه الرواية الجديدة إلى تسليط الضوء على عالم آخر ملئ بالحيوية والتفاعل على المستوى الإنساني.
في المشهد الافتتاحي، مشهد القبر، وهو مشهد يصف حالة الغموض التي تحيط بموت «جوني ليم» الشخصية التي يسند إليها المؤلف دور بطل مضاد يقدم تاش أو هذه الشخصية بشيء من التحفظ حول الأدوار التي تلعبها في سلسلة من الأحداث السياسية والاقتصادية المهمة في مراحل مختلفة من تاريخ ماليزيا.
وكما أن هنالك الكثير مما تحتاج إليه رواية، معمل هارموني سيلك للتحول إلى عمل فني محكم، فإن هنالك الكثير مما يبدو ملحاً بالنسبة لشخصياتها الأخرى، حيث يصر غاسبر، الابن الوحيد الذي لم يعد أمامه شيء سوى التحقق من هوية الرجل الذي ينظر إلى قبره على شيء كبراءة ذمته.
تتألف رواية معمل هاموني سيلك من ثلاثة أجزاء، موزعة بين ثلاث شخصيات تقدم كل واحدة منها روايتها الخاصة عن، جوني ليم، على نحو يوفر للقارئ وجهات نظر مختلفة على الرغم من أنها لا تتجاوز في الكثير من الأحيان الانطباعات الذاتية. حيث تقتفي هذه الانطباعات تفاصيل حياة جوني ليم، المنحدر أساساً من الطبقة الفقيرة، والذي ينجح في الوصول إلى مراتب اجتماعية أعلى عبر تدرجه الوظيفي وممارسته الفساد.
وحسب ما يكتشفه غاسبر من، المذكرات، التي يحصل عليها أثناء حضوره مراسم الدفن، فإن حياة أبيه العملية تبدأ بتوليه مهمة عميل للنظام الشيوعي، ثم تحوله إلى متعاون مع الحكومة اليابانية ونجاحه أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية في الحصول على لقب البطل الأسطوري في بلدة كينتا فالي التي يهرب إليها في أعقاب طعنه إنجليزياً.
أما المعمل فهو مؤسسة يصعب تصنيفها يقدم، ليم، على شرائها عام 1942 لاستخدامها في أغراض متعددة من بينها السكن فيما يظل بعضها الآخر مشبوها. يكتب، غاسبر، ابن ليم الوحيد الذي يقوم بدور الراوي وهو الدور الذي تتناوب عليه الشخصيات الثلاث، غاسبر، والصينية سنو سونغ، والبريطاني بيتر «لم يكن منزلنا من ذلك النوع من الأماكن التي يمكن زيارتها بسهولة. فلكي تتمكن من دخوله، ينبغي لك أن تكون مثل أبي - أي، ينبغي لك أن تكون كذاباً، مخادعاً، خائناً، ومنافقاً.
من الطراز الأول.» شخصية غاسبر هذه على الرغم من أهميتها، على المستوى السردي، إلا أنها تأتي على الهامش مثلما يبدو من علاقته البسيطة بليم، حيث ينحصر ذلك في اقتفاء ممارساته المتعلقة بالفساد الأخلاقي والمالي استناداً إلى ذاكرته الضبابية وما يقوم بقراءته في المذكرات التي تستشهد أحياناً بقصاصات الصحف والمجلات وبعض المصادر الموثقة الأخرى يقول لنفسه «لقد قرأت كل الموضوعات التي تحتوي عليها الكتب، والصحف، والمجلات والتي تأتي على ذكر أبي، لكي يتسنى لي معرفة الرواية الحقيقية لا أكثر».
تبدأ رواية غاسبر بموت ليم. وتنتهي بتناوله طرداً يقدمه له رجل بريطاني. لكي يبدأ الجزء الثاني من رواية، أو، وهو الجزء الذي يتضمنه الطرد، مذكرات سنو سونغ. سونغ إحدى الشخصيات الأكثر أهمية في رواية، معمل هارموني سيلك، الفتاة الجميلة سليلة إحدى العائلات الثرية، المنحدرة من أصول صينية التي تعيش في نفس البلدة، والتي يلتمس ليم ودها ثم يتزوجها بالمكر والخداع وشيء من قوة الإرادة. غير أن موت سونغ أثناء ولادتها لغاسبر، يفسح المجال لتحولها سردياً إلى الراوي الثاني الذي يلتقي به القارئ أثناء تقليبه المذكرات.
تقدم زوجة ليم وجهة نظر مختلفة تماماً تشكل الصورة الأكثر قبحاً لزوجها الذي ظلت طوال حياتها تنتظر الفرصة المناسبة للخلاص منه ربما لكي يتسنى لها الارتباط برجل آخر مثل البروفيسور الياباني المهذب الوسيم الذي تربطه بأسرتها علاقة طيبة والذي طالما حلمت بالزواج منه على الرغم من تجسيده صورة كريهة للمستعمر.
في الجزء الأخير من الرواية يأتي السرد على لسان، بيتر ورمود، المواطن البريطاني الذي يصبح الصديق الحميم لليم، ثم يشترك معه في الكثير من التفاصيل المتعلقة بممارساته الفاسدة دون أن يتورع عن خيانته في نهاية الأمر من خلال دوره، كراوٍ. في هذا الجزء يقدم بيتر رواية تكاد تظهر صديقه القديم كضحية يرثى لها عوضاً عن إظهاره مجرد شخصية شديدة القبح على نحو ما تفعل، سونغ بزوجها.
إن ليم بالنسبة لبيتر لا يتجاوز كونه الشخصية الشديدة التعقيد، إنه ضحية لنظام سياسي واجتماعي وثقافة شرقية متخلفة لم تتح له فرصة البروز إلا بهذه الطريقة الملتوية. غير أنه، على الرغم من ذلك لا يتردد في الإشارة إلى جوانب إنسانية في شخصية صديقه مثل قوله إنه «المواطن الماليزي» الوحيد الذي يتمتع بالذكاء، أو «الشخص الوحيد الذي يقرأ شيلي».
تحيي رواية بيتر ورمود مجموعة من التساؤلات المتعلقة بصعود نجم صديقه ثم أفوله على نحو يكاد يكون متوازياً مع روايته الشخصية. لقد تزامن صعود نجم كل منهما منذ التقيا في سنغافورة قبل وصوله إلى هذا المكان، في ذلك الحين لم يكن الشرق بالنسبة له سوى جنة أرضية،
فيما هو كأجنبي يمكنه أن يمارس على أرضها كل أشكال التجاوز «أتذكر لحظة مغادرتي السفينة الراسية في ميناء سنغافورة، ومشاهدتي للمرة الأولى القوارب الصينية الصغيرة وهي تعبر مياه الخليج مقطورة بالزوارق الصغيرة، والنسوة والرجال ذوي البشرة الناعمة وهم يبيعون فاكهة بلون الشمس المشرقة ثم ينادي بعضهم بعضاً بأصوات رقيقة تشبه تغريد الطيور.
الروائح، هي الأخرى، كانت مسكرة. وكذلك كانت الأجواء من حولي تتضوع برائحة الأرض والكراميل». غير أن بيتر ما إن يتكلم عن نفسه، بوصفه بستانياً محباً للمناظر الطبيعية حتى يقول شيئاً آخر «بالنسبة لي لا يبدو فعل مثل صناعة الجنة بسيطاً.» وكذلك يبدو هدمها ! إن رواية التاريخ بالنسبة، لتاش أو، تحتمل الكثير من المراوغة والخروج على الشكل التقليدي لما يصطلح على تسميته الرواية التاريخية.
في حين أن ما يسعى إلى الوصول إليه من خلال روايته التجريبية هو إقناع القارئ بأنه على الرغم من محاولته الالتزام بما يمليه الواقع إلا أنه لا يقدم الواقع في صيغته المعهودة «أريد من الآخرين أن يدركوا أنها إلى جانب كونها رواية تاريخية فهي رواية سيكولوجية مثيرة، وقصة عاطفية، كل هذه الأشياء. والواقع أن روايات مثل «لوليتا» و«موبي ديك» كلها تنتمي إلى هذا النوع الروائي».
بناء جميل
«معمل هارموني سيلك» هو الإسم الذي ظل يطلق على المحل الذي اشتراه جدي عام 1942 لكي يكون الواجهة التي يخفي وراءها نشاطه التجاري غير المشروع. بالنظر إلى مظهره الخارجي، لا يبدو هذا المبنى استثنائياً. فقد بني في مطلع ثلاثينات القرن المنصرم حيث قام ببنائه عمال صينيون متجولون (من الشريحة التي يبدو أنني أنحدر منها)، وهو أكبر بناء مطل على الشارع الرئيسي الذي يخترق البلدة.
خلف واجهته البيضاء البسيطة الخالية من الزخرفة تتوارى حجرة مظلمة واسعة معدة في الأساس لحفظ المعدات الخفيفة وعدد من عمال المعمل مجهولي الأسماء. في الحجرة لا يزال صف الخزانات المصنوعة من خشب الساج الذي ركبه أبي بعد تسلمه إدارة المصنع. هذه الخزانات على الرغم من أنها كانت مصممة لحفظ وعرض بالات الأقمشة،
إلا أنها حسبما أتذكر لم تستخدم لهذا الغرض مطلقاً، وعلى العكس من ذلك كانت مليئة بالصناديق التي تتراكم فيها الملابس الداخلية النسائية إنجليزية الصنع التي دأب أبي على سرقتها من الميناء بمساعدة أشخاص كان يعرفهم. وبعد فترة طويلة من الزمن، عندما أصبح رجلاً واسع الثراء ومشهوراً ـ تحول إلى الأخ الأكبر- صارت تغص بمقتنياته من الأسلحة القديمة.
على الرغم من أنه كان، طوال الأربعين سنة من عمره، المبنى الأكثر أهمية في البلاد، إلا أن أنه يقف اليوم خالياً، ساكناً، يعلوه الغبار. والحقيقة أن الموت يغيب كل شيء. كل الذكريات، يغيبها تماماً وإلى الأبد.
مقتطف من رواية «معمل هارموني سيلك»
الكتاب: معمل هارموني سيلك
تأليف: تاش أو
الناشر: دار فورث إستيت للنشر - لندن 2005
الصفحات: 362 صفحة من القطع الصغيرة
The Harmony Silk Factory
Tash Aw
Fourth Estate - London 2005
p. 362
